صنع المخرج السينمائي المصري الراحل داوود عبد السيد (1946-2025)، على قلة أفلامه النسبية، عالما كاملا يعكس التجربة الإنسانية بتعقيداتها واسئلتها وسعي أفرادها للتحرر، تاركا خلفه إرثا سينمائيا ضمن له مكانة متفردة في تاريخ السينما العربية وأثرا امتد لأجيال، بداية من مجايليه حتى أجيال تالية وصولا إلى وقتنا هذا.
بدا رحيل عبد السيد عن عالمنا قبل ثلاثة أشهر مفاجئا لمحبيه الكثر، بمن فيهم كاتب هذا المقال، إذ ربطتهم بصاحب "الصعاليك" و"البحث عن سيد مرزوق" و"الكيت كات"، علاقة شبه شخصية، وإن لم يعرفوه في طبيعة الحال، نمت عاما بعد عام، وفيلما بعد آخر، ليصبح مجموع أفلامه، بالنسبة إلى صناع السينما الشباب وعشاقها على السواء، نوعا من النموذج السينمائي الذي يصلح ردا على تهافت نماذج أخرى، وملهما لصنع سينما مختلفة ومتجددة. ولعل المفتاح في تجربة عبد السيد إدراك أنه لم يصنع أفلاما عن الناس بل صنعها مع الناس، أي سينما تتخاطب مع الناس ولا تخطب فيهم أو عنهم.
"الكيت كات"
التفكير بسينما داوود عبد السيد يبدأ من أول فيلم تشاهده له. بالنسبة إلى أبناء جيلي، أي جيل التسعينات، فإن هذا الفيلم سيكون على الأرجح "الكيت كات"، هذا الفيلم الذي يشدك كطفل بالأغاني، وكمراهق بالسخرية، وكشاب باقترابك إلى حد ما من يوسف (شريف منير)، بطل رواية "مالك الحزبن" الحقيقي، الذي لم يتحمل وطأة أن يكون الشيخ حسني (محمود عبد العزيز) أباه فحسب، بل حمل هما آخر هو هم كاتب الرواية إبراهيم أصلان وجيله.
ينتمي عبد السيد الى الجيل نفسه، إلا انه اختار أن يصنع دراما مختلفة تلقي نظرة على جانب مشترك بين جيله والأجيال التي تلته. ففي "مالك الحزين"، قدم أصلان عالما ساحرا جعل من حي إمبابة العريق ما يشبه "ماكوندو" غابرييل غارثيا ماركيز في "مائة عام من العزلة"، ولكن بشروطه الخاصة. في قلب الأحداث الساخرة المنسابة بسلاسة، شخصية يوسف، المثقف الذي يقف معادلا لإبراهيم أصلان ذاته وجيله. الجيل الذي وجد نفسه بين قوسين من الحراك الشعبي, 1972 وانتفاضات الطلبة التي تنعاها الذاكرة ويقف الحاضر شاهدا على انفلات أحلامها ومآلات أبطالها وانهيار ما تبقى من الزمن الماضي، وبين الراهن الذي تدور أحداث الرواية فيه والذي ينتهي، كما الرواية، بأحداث انتفاضة 1977. عودة أمل من نوع ما، عندما سقطت السلطة ولو ليوم واحد في المواجهة. انكسرت دائرة التراجيديا التي انحبس يوسف فيها، دائرة العجز. ربما كان ذلك هو الخيط الذي التقطه داوود عبد السيد في صوغه واقتباسه "مالك الحزين". لم يكن الدرس فقط في براعة الاقتباس المبتكر من وسيط إلى وسيط آخر، يمسك بروح العمل والمكان والخطوط العامة لشخوصه ولا يتقيد بالنسخ الحرفي للأحداث والحبكة، بل كان ايضا درسا في الحياة، حتى وإن لم يدركه عبد السيد.



