سارة إسحاق لـ"المجلة": أركز على دور النساء وأصالة الحكايات الإنسانية

بعد عرض فيلمها "المحطة" في "كان السينمائي"

سارة إسحاق لـ"المجلة": أركز على دور النساء وأصالة الحكايات الإنسانية

تغوص المخرجة اليمنية الأسكتلندية المرشحة للأوسكار سارة إسحاق في حكايات إنسانية خالصة، تقف فيها النساء في خط الدفاع الأخير عن الحياة في يمن مزقته الحرب.

في" المحطة" The Station، تدير ليال (منال المليكي)، محطة وقود مخصصة للنساء فقط في اليمن، وتحولها إلى ملاذ آمن داخل بلد أنهكته الحرب. هناك، القواعد بسيطة: لا رجال، لا أسلحة، لا سياسة. وحين يواجه شقيق ليال الأصغر، ليث (رشاد خالد)، خطر التجنيد، تلتقي مجددا أختها شمس (عبير محمد) التي فرقتها عنها القطيعة، في محاولة لإنقاذ الحياة الوحيدة التي لا يزال في وسعهما إنقاذها.

اختير "المحطة" ضمن "أسبوع النقاد" في الدورة الأخيرة من مهرجان "كان" السينمائي، وهو عمل مشحون بإلحاح هادئ، متجذر في جغرافيا اليمن المعاصر المتصدعة، ومستندا إلى حكاية حميمة عن الفراق والبقاء والأخوة النسائية.

فبعد واحد وعشرين عاما على عرض أول فيلم يمني في "كان"، "يوم جديد في صنعاء القديمة"، لبدر بن حرسي عام 2005، يأتي فيلم سارة إسحاق أقرب إلى تمرين في الإصغاء منه إلى بيان معلن. إنه يصغي إلى الطريقة التي يتكلم بها الناس حين تخذلهم الأنظمة. ويصغي إلى الطريقة التي تتكيف بها النساء حين تنهار الأدوار الاقتصادية. ويصغي إلى الطريقة التي تبقى بها العائلات عائلات، حتى حين تحاول الجغرافيا والحرب تفكيكها.

وبدلا من الاقتراب من الحرب عبر خطوطها الأمامية، تتجه إسحاق، في أول أفلامها الروائية الطويلة، إلى ارتداداتها داخل البيت: عائلات تمزقت بين مناطق متنازعة، وأدوار جندرية أعيد تشكيلها تحت وطأة الانهيار الاقتصادي، وتكلفة عاطفية باهظة للاحتفاظ بالتماسك العائلي في بلد انقسم على نفسه. ينصرف الفيلم عن الشرح المباشر، ويكتفي بمراقبة كيف يواصل الناس العيش والحب والعمل وحماية بعضهم بعضا في ظروف تجعل ذلك كله شبه مستحيل.

عائلة شطرتها الحرب وجمعها الرفض

في قلب "المحطة" حكاية إنسانية متشابكة بإحكام عن شقيقتين تعيشان على ضفتين متقابلتين من يمن متشظ، في منطقتين تخضعان لقوتين متنازعتين. ويفصل بينهما الانقسام العسكري والسياسي، ويغدو التنقل مستحيلا بسبب الحواجز والخطر والارتياب الدائم في الطريق.

تتشكل في "المحطة" صورة نساء لا يجمعهن الحيز الجسدي نفسه، لكنهن يتحركن ككيان أخلاقي واحد

غير أن عالم الفيلم يتشكل حول مقاومة الفراق، لا حول الفراق وحده. فعلى الرغم من المسافة، تبقى الشقيقتان مشدودتين إلى مسؤولية مشتركة: شقيقهما الأصغر. في بلد يدفع فيه الشبان، بصورة شبه اعتيادية، نحو الصراع المسلح أو التجنيد أو الاستقطاب بدافع البقاء، تتوحد الشقيقتان حول قرار لا تقبلان التنازل عنه: لن يرسل إلى الحرب. ولكل واحدة منهما منظورها الخاص.

يتحول هذا الرفض إلى العمود الفقري العاطفي للفيلم. ولا يدرجه العمل في خانة الموقف الأيديولوجي، فهو قبل كل شيء آخر، فعل حماية. فالحكاية عند إسحاق أقل انشغالا بالتموضع السياسي منها بالمفاوضات الحميمة التي تخوضها العائلات من أجل البقاء حين تمزقها دوائر العنف.

ومن هنا تتشكل في "المحطة" صورة نساء لا يجمعهن الحيز الجسدي نفسه، لكنهن يتحركن ككيان أخلاقي واحد. تصبح المسافة بينهن شرطا لتعاونهن، لا عائقا أمامه.

 KEVORK DJANSEZIAN / Getty Images via AFP
المخرجة والمنتجة اليمنية سارة إسحاق خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار في هوليوود، 2014

لا أريد أن أكون باحثة أكاديمية

لم تكن نقطة انطلاق الفيلم، بالنسبة إلى إسحاق، رغبة في رسم خريطة لليمن أمام جمهور دولي، بل هي، على العكس تماما، واضحة في رفض هذا التوقع. وحين سألناها عن سبب غموض اليمن أمام الجمهور العالمي، وعن تكرار القول إن الوضع هناك "معقد للغاية"، أجابت: "من الواضح أن لليمن تاريخا معقدا، وأن الجغرافيا السياسية والبنية الاجتماعية اليمنية معقدتان جدا أيضا، لكنني أعتقد أن القول إن الأمر معقد للغاية، وإن الناس لا يفهمون ما يحدث، يستخدم أحيانا وسيلة للتغطية على ما يجري. والحقيقة أنه بسيط جدا. أردت أن أبقي التركيز على ذلك، لأن محاولة شرح كل شيء تنطوي أيضا على خطر التبسيط المخل. كنت سأحتاج إلى سلسلة من حلقات كثيرة كي أدخل في مختلف جوانب المسألة، ولا أريد أن أفعل ذلك. لا أريد أن أكون باحثة أكاديمية، لا أريد أن أعلم الجمهور الجغرافيا السياسية لبلدي".

بدلا من ذلك، تشدد المخرجة على أهمية الحقيقة العاطفية أكثر من الوضوح المعلوماتي. يتجنب الفيلم، عن قصد، التحول إلى دليل عن الصراع اليمني. فمحوره ليس الشرح، بل التجربة كما تعاش.

تقول: "ما أردته هو التركيز على أصالة الحكايات الإنسانية بنكهة يمنية".

في هذا المعنى، يتجنب الفيلم إغراء الشرح المباشر. لا يحاول تلخيص اليمن لجمهور خارجي، ولا يحول واقعه إلى مخططات جيوسياسية. يبقى قريبا من نسيج الحياة كما يعاش: متقطعا، متكيفا، ومكتظا بالعاطفة.

هنا يتضح أيضا موقعها الفني. فهي لا تسعى إلى تقديم نفسها مفسرة للصراع، بل شاهدة على الطريقة التي يسكن بها الناس ذلك الصراع.

يترك هذا الخيار أثره في بنية الفيلم كلها. فالواقع السياسي حاضر، لكنه لا يتصدر المشهد خطابا مباشرا. يظهر على نحو غير مباشر، عبر غياب الوظائف، وتفكك العائلات، وتبدل أدوار النساء والرجال، والطريقة التي تعيد بها الحياة اليومية تنظيم نفسها تحت الضغط.

ESSA AHMED / AFP
امرأة يمنية تبيع الحناء ومنتجات أخرى في سوق بمحافظة حجة، 2018

اليمن بلدا للحيوات المعلقة

تدور خلفية الفيلم في اليمن، البلد الذي امتدت فيه الحرب لأكثر من عقد، وأعادت تشكيل كل طبقة من طبقات المجتمع. فقد تحول الانهيار الاقتصادي، وتفكك المؤسسات، والنزوح، إلى شروط بنيوية، لا اضطرابات عابرة.

غير أن المخرجة تقاوم تحويل هذا الواقع إلى كارثة مجردة، إذ تركز، بدلا من ذلك، على الطريقة التي يبدل بها أبسط وحدات المجتمع: البيت.

تتصل إحدى أبرز ملاحظاتها بانهيار عمل الرجال وآثاره العاطفية. تقول، واصفة كيف زعزع فقدان الوظائف الدخل والهوية معا: "كان الرجال الذين رأيتهم مهزوزين جدا في بداية الحرب".

وتضيف: "في مجتمع تقاس فيه قيمة الرجل بما يستطيع أن يجلبه من مال، وبكونه المعيل، حين عجز الرجال عن القيام بذلك لأنهم فقدوا وظائفهم، أصبحت الأمور شديدة الصعوبة على المجتمع كله".

لا أريد أن أكون باحثة أكاديمية، لا أريد أن أعلم الجمهور الجغرافيا السياسية لبلدي

لا يأتي وصفها عاما أو مجردا، بل يستند إلى انهيار اقتصادي ملموس: معلمون، وأطباء، وعاملون في منظمات غير حكومية، وموظفون حكوميون فقدوا رواتبهم، أحيانا لسنوات متواصلة: "كان الناس يستهلكون مدخراتهم، أما الذين كانوا فقراء أصلا، فقد انزلقوا إلى أوضاع معيشية مدمرة".

النساء يتحولن إلى محرك اقتصادي

لكن شهادة إسحاق لا تبقى أسيرة الخسارة. فمن أبرز التحولات التي ترصدها التحول السريع في أدوار النساء استجابة للانهيار الاقتصادي. وتقول في ذلك إن ما رأته يحدث بعد ذلك هو "أن النساء تقدمن إلى الواجهة".

لا يندرج هذا التقدم في خانة التمكين الرمزي، فقد جاء استجابة لضرورة مادية قاسية. بدأت النساء في توليد الدخل بطرق مرتجلة ومرنة ومتجذرة بعمق في الاقتصادات المحلية. توضح المخرجة: "بدأن بإطلاق مشاريع صغيرة وابتكار شتى الطرق لكسب الرزق، من بيع المخبوزات إلى العمل في التجميل... وبعضهن أصبحن مصورات".

حتى داخل الانهيار، نشأت اقتصادات جديدة. فالأعراس، على سبيل المثل، لم تختف، بل تكاثرت في بعض المناطق الحضرية، وتحولت إلى مواقع غير متوقعة للتجارة. بالتوازي، توسعت خدمات التجميل، والضيافة، والإنتاج غير الرسمي.

تستعيد إسحاق دهشتها قائلة: "فوجئت بالطريقة التي كانت تتغير بها الأمور في المجتمع. محال فساتين الزفاف، ومحال الكعك، والماكياج، ووصلات الشعر، والرموش الاصطناعية... كانت كل هذه الأشياء غريبة جدا بالنسبة إلي". لا تحمل كلمة "غريبة" هنا حكما سلبيا، بل ملاحظة ترصد ذلك التنافر بين الحرب كحالة خراب، والحرب حين تدفع المجتمع إلى التحول، بما يثبت أن الحياة لا تتوقف، بل تتبدل أشكالها.

وعلى الرغم من دهشتها، تلفت أيضا إلى الإرث الأمومي القديم الذي طبع اليمن قبل آلاف السنين من لحظته الراهنة، مستحضرة ملكة سبأ بين عشرات الملكات اللواتي عرفتهن البلاد في أزمنة غابرة.

REUTERS/Mohamed al-Sayaghi
نساء يعملن على صقل أحجار العقيق المستخدمة في الصناعات الحرفية في صنعاء، 2014

أخوة نسائية تحت الضغط

ينعكس هذا التحول الاجتماعي الأوسع، داخل سردية الفيلم، في الشقيقتين نفسيهما. فكل واحدة منهما تعيش واقعا مختلفا، تصوغه الجغرافيا والانقسام السياسي، كما تصوغه القدرة على التكيف. وبحكم عيشهما في منطقتين خاضعتين لسلطتين مختلفتين، تجد كلتاهما نفسها مدفوعة إلى أدوار تتجاوز التوقعات العائلية التقليدية.

تصبح علاقتهما شكلا من أشكال البقاء المتوازي. لا يجمعهما بيت واحد، لكنهما تتقاسمان مهمة واحدة: حماية شقيقهما الأصغر ليث من أن يتحول إلى اسم آخر تبتلعه آلة الحرب. وفي الفيلم، لا تظهر الأخوة النسائية ثيمة زخرفية، بل بنية من بنيات النجاة.

تتجلى هذه الأخوة في رفض الشقيقتين التخلي عن بعضهما عاطفيا، حتى حين تفصل بينهما المسافات. وتتجلى كذلك في المنظومة النسائية الأوسع التي تصفها إسحاق في اليمن، حيث لا تكتفي النساء بالتكيف منفردات، بل يعملن غالبا داخل شبكات من الدعم المتبادل. وهذا ما يسمح لعائلة الفيلم المركزية بأن تواصل أداء وظائفها في ظروف تدفع كل شيء إلى التفكك. وهو ما يسمح أيضا للجارات بأن يساندن بعضهن بعضا حين يغيب الأزواج والإخوة، وأن يحفظن أسرار بعضهن، وهي أسرار قد يكلف كشفها الحياة أحيانا.

Cannes Film Festival
لقطة من فيلم "المحطة"

تمنح لحظات الأخوة النسائية في الفيلم إحساسا بشيء من الحياة الطبيعية داخل وضع لا يمت إلى الحياة الطبيعية بصلة. تضيف إسحاق: "النساء لا يدركن حتى كيف يفعلن ذلك حين أتحدث إليهن هناك. الأمر كأنه مندمج في عقولهن، لكن لا ينبغي للإنسان أن يعيش في حالة دائمة من القتال أو الهروب. لقد صار ذلك جزءا من نسيجهن، نوعا من آلية للبقاء".

محطة يعبرها الجميع

يكتسب عنوان الفيلم "المحطة" دلالة متزايدة في هذا السياق. فالمحطة مكان عبور، لكن العبور في يمن إسحاق غالبا ما يتعطل. الناس لا يغادرون تماما، ولا يصلون تماما، بل هم معلقون بين حالات متعددة.

لا يقتصر هذا التعليق على الجغرافيا، بل يطول الهوية أيضا. الرجال معلقون بين أدوار قديمة وأدوار راهنة. والنساء معلقات بين التوقعات التقليدية والضرورة الاقتصادية. والعائلات معلقة بين الفراق ومحاولة الحفاظ على وحدتها. تصير المحطة استعارة لمجتمع تتحرك فيه الأشياء، من دون أن يجد الاستقرار طريقه إليه.

حين عجز الرجال عن القيام بذلك لأنهم فقدوا وظائفهم، أصبحت الأمور شديدة الصعوبة على المجتمع كله

ويبقى أن ما يمنح "المحطة" معناه الأعمق هو إصراره على صون فكرة الرعاية حين تنهار الأنظمة من حولها. فرفض الشقيقتين إرسال شقيقهما إلى الحرب يتحول إلى فعل مقاومة رمزي، وإلى فعل شخصي شديد الحميمية لحماية من يحبون. ومن حولهما، تمتد الخسارة في كل اتجاه: رواتب ضائعة، واستقرار مفقود، ورجال غائبون.

مع ذلك، تولد من قلب هذا التآكل أشكال جديدة من العلاقة. تتولى النساء أدوارا لم يشغلنها من قبل، وتعيد العائلات تنظيم نفسها حول الغياب، وتظل الروابط بين الشقيقات والجارات، عبر ذلك كله، واحدة من البنى القليلة التي لا تزال قادرة على الصمود.

font change

مقالات ذات صلة