مجمع الملك سلمان العالمي... من حماية العربية إلى هندسة مستقبلها الرقميhttps://www.majalla.com/node/332111/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%85%D8%AC%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%83-%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%87%D9%86%D8%AF%D8%B3%D8%A9-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A
لا تقاس مكانة الأمم بما تملكه من أدوات القوة المادية وحدها، وإنما بمدى قدرتها على صون لغتها بوصفها الوعاء الأوسع لذاكرتها الجمعية وهويتها الثقافية. من هذا التصور، ينطلق المفكر والناقد السعودي عبدالله الغذامي في نظرته إلى اللغة والخطاب، إذ يراهما حاملين للثقافة ومكونين للهوية، مؤكدا في مشروعه النقدي أن الثقافة لا تُفهم بمعزل عن أنساقها اللغوية والخطابية، وأن الخطاب هو المجال الذي تتشكل فيه القيم والوعي الجمعي، ويعاد من خلاله صوغ صورة المجتمع عن ذاته.
استثمار في الهوية الوطنية
من هنا، فالعناية باللغة العربية تتجاوز حدود الحفاظ عليها باعتبارها أداة للتواصل، لتصبح استثمارا في الهوية الوطنية، وحماية للذاكرة الثقافية، وتعزيزا للانتماء الحضاري. تتسق هذه الرؤية الفكرية مع مستهدفات "رؤية 2030"، التي أحدثت تحولا مفاهيميا عبر الانتقال بالثقافة واللغة من قطاعات معزولة أو مبادرات فردية متفرقة، إلى ركائز أساس للتنمية الشاملة والاقتصاد المعرفي والقوة الناعمة.
فلم تعد اللغة العربية تُقدَّم بوصفها مكونا تراثيا فحسب، بل ركيزة من ركائز البناء الحضاري وأداة فاعلة في تشكيل المستقبل، مع تأكيد الاعتزاز بالإرث الثقافي والتاريخي السعودي والعربي والإسلامي وترسيخه لدى الأجيال القادمة. وقد تُوِّج هذا التوجه بإقرار مجلس الوزراء السعودي "السياسة الوطنية للغة العربية" عام 2026، بوصفها إطارا تشريعيا مرجعيا أعلى للتخطيط اللغوي في المملكة.
تنطلق هذه السياسة من رؤية سيادية تعتبر اللغة عنصرا من عناصر السيادة الوطنية، وأداة للاستقلال والأمن الثقافي، إذ نقلت الاهتمام بالعربية إلى مستوى الالتزام المؤسسي المنظم عبر ثمانية مبادئ رئيسة تنظم حضورها: التعليم والمشهد اللغوي العام والبحث العلمي والإعلام وقطاع الأعمال والأنشطة الثقافية والفنية والتواصل الدولي، مع ترسيخ مكانة المملكة باعتبارها المرجعية العالمية والموطن الأول للغة العربية، وزيادة جاذبيتها لدارسيها حول العالم.
تنطلق هذه السياسة من رؤية سيادية تعتبر اللغة عنصرا من عناصر السيادة الوطنية، وأداة للاستقلال والأمن الثقافي
هذا الزخم التشريعي الحديث هو امتداد لرصيد تاريخي ومسيرة ممتدة أولت اللغة العربية عناية خاصة، تجسدت في النظام الأساس للحكم الذي نص على أن العربية هي لغة الدولة الرسمية، وما تبعه من أنظمة وتشريعات رسخت حضورها في مجالات القضاء والإدارة والتجارة.
كما تعزز هذا المسار عبر إنشاء عدد من المؤسسات المتخصصة، مثل مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، والجمعية العلمية السعودية للغة العربية، ومعاهد تعليم العربية للناطقين بغيرها في جامعات مثل الإمام محمد بن سعود والجامعة الإسلامية وأم القرى، إضافة إلى "جائزة الأمير سلطان بن عبد العزيز العالمية للغة العربية".
أما في المشهد الثقافي المعاصر، فقد أسهمت وزارة الثقافة وهيئاتها المتخصصة، وفي مقدمتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، في بناء منظومة من المشاريع الثقافية والمبادرات التي تسعى إلى نقل اللغة من فضائها المؤسسي إلى حيز الاستخدام الحي في المجتمع.
ومن أبرز هذه المبادرات، على سبيل المثل، الاحتفاء بالرموز الثقافية من خلال "عام الخط العربي" و"عام الشعر العربي"، وهي مشاريع أسهمت في إعادة دمج اللغة في الفضاء البصري والإبداعي العام، وتعزيز حضورها بوصفها عنصرا جماليا وثقافيا متجددا، منسجما مع التحولات التي تشهدها المملكة.
مجمع الملك سلمان وبناء مكانة عالمية للعربية
في إطار هذا الحراك الثقافي والتشريعي المتنامي، يبرز تأسيس "مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية" عام 2020، بوصفه نقطة التحول الأبرز في هذا المسار، وتعبيرا عن مسؤولية تاريخية تنبع من مكانة المملكة العربية السعودية باعتبارها مهد العربية وبيئتها الأولى، التي أسهمت في حفظ بنيتها الصوتية والكتابية عبر قرون طويلة، مقارنة بلغات أخرى شهدت تحولات جوهرية في أنساقها الكتابية.
المؤتمر الدولي الرابع لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية في الرياض
من هذا المنطلق، يجسد المجمع التزاما مؤسسيا برعاية اللغة العربية كونها ركنا أساسا في الهوية الوطنية، ليكون المرجعية الوطنية المختصة بالشؤون اللغوية وسياساتها، والمنوط به قيادة جهود تعزيز حضورها، محليا وعالميا، باعتبارها لغة معرفة وإنتاج علمي، إلى جانب الاضطلاع بالدراسات الاستشرافية، وصوغ المقترحات والتوصيات على أعلى المستويات، بما يسهم في استباق التحديات اللغوية واقتناص الفرص الثقافية المتاحة.
وانسجاما مع هذه الرؤية التمكينية، لم تقف أهداف المجمع عند حدودها النظرية، وإنما تحولت إلى منظومة عمل مؤسسية متكاملة، يترجم من خلالها مستهدفاته إلى حزمة من البرامج والمشاريع النوعية، إذ ينطلق في ذلك من أربعة مسارات استراتيجية رئيسة تسهم في صوغ مستقبل العربية، وتحقق التوازن بين أصالتها ومتطلبات العصر الرقمي.
يمثل مسار التخطيط والسياسات اللغوية المسار الأول، ويُعد بمثابة العقل الاستراتيجي للمجمع، إذ يتولى إعداد السياسة الوطنية للغة العربية، ويعنى بإجراء الدراسات الاستشرافية، وبناء الخطط الهادفة إلى تحسين البيئة اللغوية، فضلا عن إصدار المجلات العلمية المحكمة بما يسهم في دعم صناعة القرار اللغوي استنادا إلى بيانات علمية دقيقة.
أما المسار الثاني، الحوسبة اللغوية، فيمثل محورا رئيسا استجابة للتحول الرقمي المتسارع، وانطلاقا من إدراك المجمع أن بقاء اللغات وتطورها يرتبطان بمدى حضورها في الأنظمة الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويختص هذا المسار ببناء المدونات اللغوية الضخمة، وتطوير تقنيات المعالجة الآلية للغة العربية في جانبي الفهم والإنتاج، بالإضافة إلى تقييم المصادر الرقمية وتصنيفها بما يعزز جودة المحتوى اللغوي وموثوقيته.
جناح مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية في معرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026
في حين يهتم المسار التعليمي بتطوير آليات تعليم اللغة العربية للناطقين بها وبغيرها، عبر تحديث المناهج وتأليف المواد التعليمية الإثرائية وتأهيل الكوادر التدريسية، مع توظيف التقنيات الذكية في المنظومة التعليمية، إلى جانب بناء شراكات دولية متينة مع المؤسسات الأكاديمية واللغوية حول العالم، بما يسهم في نشر العربية وتوسيع نطاق الإقبال عليها عالميا.
أما المسار الثقافي فيسعى إلى ترسيخ حضور العربية في الحقلين الاجتماعي والإبداعي، وتعزيز الهوية اللغوية لدى الأجيال الناشئة عبر برامج نوعية تجمع بين الإرث والإبداع والمعطيات التقنية، على نحو يجعل العربية ممارسة حياتية يومية، متحررة من صورتها التقليدية كمادة أكاديمية مغلقة أو تخصص علمي بحت.
الصناعة المعجمية في العصر الرقمي
يُعدّ التركيز على الرقمنة أحد أبرز ملامح تجربة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، في ضوء قناعة راسخة بأن مستقبل اللغات بات مرهونا بقدرتها على الحضور في البيئة الرقمية والتفاعل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي.
يدرك المجمع أن بقاء اللغات وتطورها يرتبطان بمدى حضورها في الأنظمة الذكية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي
وعلى الصعيد التطبيقي، تُرجمت هذه الرؤية إلى منظومة من المشروعات التقنية الرائدة التي تستهدف بناء بنية تحتية رقمية متقدمة للعربية، تشمل: المدونات اللغوية والمعاجم الرقمية والموارد اللغوية المقروءة آليا والمنصات التفاعلية، بما يعزز حضور العربية في الاقتصاد المعرفي والرقمي.
وفي مقدمة هذه المشروعات منصة "سِوار" للصناعة المعجمية الرقمية، التي تمثل منصة متكاملة لإدارة الموارد المعجمية العربية وإتاحتها للباحثين والمطورين والمؤسسات العلمية، بما يسهم في توحيد الجهود المعجمية، ودعم الابتكار في التقنيات اللغوية، وتوفير موارد رقمية موثوق بها تخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة العربية.
ويكتمل هذا التوجه مع "معجم الرياض للغة العربية المعاصرة"، الذي يُعد أحد أكبر المشروعات المعجمية العربية الحديثة، إذ بُني وفق أحدث المعايير الدولية في الصناعة المعجمية، مستندا إلى مدونات لغوية حاسوبية تضم نحو 400 مليون كلمة، بما أتاح رصد الاستعمالات العربية المعاصرة على أسس علمية دقيقة.
ويقدم المعجم مادة معجمية معيارية مقروءة آليا، ومدعومة بالتحليلات الصرفية والنحوية والدلالية، ليغدو مرجعا موثوقا به يخدم الباحثين والكتّاب والطلاب ومتعلمي العربية من الناطقين بغيرها، فضلا عن كونه موردا لغويا متقدما يدعم تطوير النماذج اللغوية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، في تجسيد واضح لتوجه المجمع نحو توظيف الصناعة المعجمية في خدمة التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي.
وإلى جانب المشروعات المعجمية، يطور المجمع منصة "فلك" للمدونات اللغوية، التي تمثل ركيزة أساسية في بناء البنية التحتية الرقمية للعربية، إذ توفر مدونات لغوية ضخمة تعكس الاستعمال الحقيقي للغة في سياقاتها المختلفة، بما يتيح للباحثين دراسة الظواهر اللغوية على أسس إحصائية دقيقة، ويدعم تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة العربية، إضافة إلى تدريب النماذج اللغوية وتعزيز البحث اللساني المعاصر.
ومن المبادرات التطبيقية التي أطلقها المجمع خدمة "المستشار اللغوي"، التي توفر مرجعية علمية تفاعلية للتحقق من صحة الاستعمالات اللغوية والإجابة عن القضايا النحوية والصرفية والإملائية والأسلوبية، وتسهم الخدمة في نشر الثقافة اللغوية السليمة، ورفع جودة المحتوى العربي، ودعم الأفراد والمؤسسات في إنتاج خطاب لغوي دقيق ومتوافق مع المعايير اللغوية.
وفي سياق توجه المجمع نحو تعزيز الحضور العالمي للعربية، تبرز مجموعة من المشروعات ذات البعد الدولي، وفي مقدمتها برنامج "أهلا وسهلا" لتعليم العربية للناطقين بغيرها، الذي يستثمر المكانة الدينية والحضارية للمملكة، ويستند إلى مناهج حديثة تراعي التنوع اللغوي والثقافي للمتعلمين، مع توظيف التقنيات الرقمية في تطوير تجربة التعلم.
طلاب في الكلية التقنية بالرياض
ويعزز المجمع هذا التوجه من خلال "المكتبة الرقمية" المتخصصة، التي تتيح مصادر معرفية ولغوية للباحثين والدارسين، إلى جانب "معرض اللغة العربية" التفاعلي، الذي يوظف الوسائط البصرية والتقنيات الرقمية لاستعراض تاريخ العربية وإبراز إسهاماتها الحضارية.
تخطيط لغوي مؤسسي
هذا الحراك التنفيذي والمستقبلي الذي يقوده المجمع لا يكتمل بمعزل عن إطار تشريعي سيادي يضمن الاستدامة والحوكمة، ومن هنا تكتسب "السياسة الوطنية للغة العربية" أبعادا تحليلية واستراتيجية بالغة الأهمية، وقد أقرها مجلس الوزراء مطلع هذا العام، وتولى المجمع بناء إطارها العام وصوغ منطلقاتها ومبادئها التأصيلية.
وفي قراءة تحليلية لأبعاد هذا القرار، يرى الكاتب والأكاديمي السعودي شتيوي الغيثي، في حديثه الى "المجلة"، أن هذه الخطوة تمثل نقلة مؤسسية ذات أثر بالغ الأهمية، إذ تتجاوز المنظور التقليدي للغة بوصفها مجرد أداة للتواصل اليومي، لتؤسس لإطار وطني شامل ينظر إلى العربية باعتبارها ركيزة أساسية للهوية الوطنية، ووعاء أصيلا للثقافة، وعنصرا حيويا من عناصر القوة الناعمة للمملكة.
ويتوقع الغيثي، عضو مجلس إدارة نادي حائل الأدبي سابقا، أن تُحدث هذه السياسة تحولا نوعيا في آليات التعامل مع اللغة عبر توحيد الجهود بين مختلف الجهات الحكومية، وتعزيز حضور العربية في قطاعات التعليم والإدارة والإعلام والفضاء الرقمي، فضلا عن دعم البحث العلمي والمبادرات التطويرية، الأمر الذي سينعكس على رفع الوعي المجتمعي بقيمة اللغة، وتحويل الاهتمام بها من مبادرات متفرقة إلى سياسة عامة ذات أهداف واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
تمثل منصة "فلك" ركيزة أساسية في بناء البنية التحتية الرقمية للعربية، إذ توفر مدونات لغوية ضخمة تعكس الاستعمال الحقيقي للغة
ويتفق الكاتب رائد العيد، عضو مختبر السياسات الثقافية بوزارة الثقافة ومؤسس عدد من المبادرات الثقافية، مع هذا الطرح، مؤكدا، في حديثه الى "المجلة"، أن إقرار السياسة الوطنية للغة العربية يمثل خطوة مفصلية في مسار التخطيط اللغوي بالمملكة.
ويوضح أن هذه السياسة ترتقي باللغة العربية إلى مستوى الالتزام المؤسسي، وتمنحها إطارا مرجعيا ينظم حضورها في مختلف القطاعات، حيث تُلزم الجهات باستخدامها في أعمالها وتسمياتها وأنشطتها، بما يعزز حضورها في الفضاءات العامة بوصفها لغة الدولة الرسمية وهوية المجتمع الثقافية، ويؤسس لممارسة مؤسسية أكثر اتساقا واستدامة.
"رؤية السعودية 2030" والهوية الوطنية
ويرى الغيثي أن "السياسة الوطنية للغة العربية" تنسجم بصورة وثيقة مع مستهدفات "رؤية السعودية 2030"، التي جعلت من الثقافة والهوية الوطنية مرتكزا تنمويا أساسيا، وربطت الاستثمار في الإنسان والأرض، والاقتصاد المعرفي بالإبداع والابتكار.
ويؤكد أن دعم المحتوى العربي، وتطوير المصطلحات العلمية، وتمكين العربية في مجالات المعرفة، يتقاطع مع أهداف الرؤية في بناء اقتصاد معرفي يقوم على ابتكار وإنتاج المعرفة، لا الاكتفاء باستهلاكها بلغات أخرى.
كما يُبرز الغيثي البعد العالمي لهذه السياسة، مستندا إلى المكانة الدينية والثقافية للمملكة، إذ يمنح ارتباط القرآن الكريم والسنة النبوية باللغة العربية ملايين المسلمين حول العالم دافعا أصيلا لتعلمها، ويرى أن هذه المكانة تمثل فرصة استراتيجية يمكن استثمارها عبر تطوير برامج تعليم العربية للناطقين بغيرها، وإطلاق منصات رقمية حديثة، وعقد شراكات مع الجامعات العالمية، ودعم المراكز الثقافية والمنح الأكاديمية، بما يعزز مكانة المملكة مركزا عالميا لخدمة اللغة العربية، ويعزز أدوات أدواتها في الديبلوماسية الثقافية.
مشاركون في القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الرياض
تحديات العولمة وإدارة التعددية اللغوية
وعلى الرغم من هذا الأفق الواعد، يربط الغيثي نجاح السياسة بقدرتها على التعامل مع تحديات الواقع المعاصر والانفتاح العالمي، لا سيما الاعتماد المتزايد على اللغات الأجنبية في سوق العمل، وفي بعض التخصصات الجامعية، والقطاعات الاقتصادية والتقنية، لكنه يشدد على أن الأمر لا ينبغي أن يُفهم بوصفه صراعا بين العربية واللغات الأخرى يُقصي فيه أحدهما الآخر، وإنما باعتباره تحديا لإدارة التعدد اللغوي بصورة متوازنة.
وبناء على ذلك، يقترح الغيثي تبني مفهوم "الثنائية أو التعدد اللغوي الوظيفي"، بحيث تظل العربية هي اللغة الأساس للهوية والتعليم والإنتاج الثقافي والإعلامي، والتشريع والإدارة، بينما تُستخدم اللغات العالمية "رديفا مساعدا" يوجد الأرضية العلمية والتواصلية المشتركة مع العالم. فالقوة المستهدفة للعربية لا تتحقق بمعزل عن المجتمعات الأخرى، والتمكن من لغة عالمية لا ينتقص من قيمة اللغة الوطنية ما دامت السياسات التعليمية والثقافية تضمن حضورها الفاعل في مختلف المجالات والقطاعات اليومية والمؤسسية.
من التشريع إلى التطبيق
وفي الجانب التنفيذي، يؤكد رائد العيد أن إقرار السياسة الوطنية يمثل خطوة أساسية، لكنه لا يكفي بمفرده ما لم يصاحبه تطبيق فعلي، وآليات واضحة للمتابعة والرقابة والمساءلة، إذ إن نجاح أي سياسة يقاس بمدى التزامها على أرض الواقع. وفي هذا الصدد، يثمن الجهود التي بذلها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية في إعداد "السياسة الوطنية"، معربا عن أمله في أن تستكمل بتعزيز التزام الجهات المختلفة استخدام العربية في تسمية الفعاليات والمناسبات، والمراسلات الرسمية، والخطاب الموجه للجمهور، لتكون العربية الخيار الأول في المجال العام.
وفي ما يتعلق بالقطاعات الأكثر تأثرا، يرى العيد أن آثار هذه السياسة ينبغي أن تمتد إلى مختلف مجالات الحياة، لأن العربية لغة مجتمع ودولة، وتمتلك من المرونة والثراء ما يؤهلها لمواكبة مختلف التخصصات، ويخص العيد القطاع الثقافي بأولوية مضاعفة، باعتبار اللغة عماد الثقافة وحاملها الرئيس، وأن أي تراجع في حضورها ستكون له انعكاسات مباشرة على الهوية الوطنية.
القوة المستهدفة للعربية لا تتحقق بمعزل عن المجتمعات الأخرى، والتمكن من لغة عالمية لا ينتقص من قيمة اللغة الوطنية
وفي مواجهة التحديات العملية، ومنها انتشار الأنماط اللغوية الهجينة في وسائل التواصل الاجتماعي، واستمرار تدريس بعض التخصصات باللغة الإنكليزية، يتفق الغيثي والعيد على أن المعالجة ينبغي أن تكون متدرجة وواقعية، من خلال تطوير المناهج وتأهيل المعلمين وتعزيز المحتوى الرقمي الجاذب وتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي والترجمة وبناء الموارد اللغوية الرقمية، بما يضمن حضورا قويا للعربية في المنظومات التقنية العالمية، مشيدين، في هذا السياق، بالجهود التي يقودها مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية في تطوير الموارد اللغوية الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الداعمة للعربية.
ويختتم العيد بتأكيد أهمية بناء مؤشرات دقيقة لقياس أثر "السياسة الوطنية"، من خلال رصد حضور اللغة العربية في المناسبات، المحلية والدولية، التي تستضيفها المملكة، واعتمادها لغة أولى في الخطابات والفعاليات والمواد التعريفية، إلى جانب قياس حجم المحتوى العربي في الفضاء الرقمي، بما يوفر مؤشرات موضوعية الى مدى تحقق مستهدفات السياسة الوطنية وأثرها في تعزيز مكانة اللغة العربية.