بعد ستة وأربعين عاما على رحيله، يصل أخيرا إلى القارئ الفرنكوفوني أحد أهم الأصوات الأدبية البولندية في القرن العشرين، إدفارد ستاخورا (1937 – 1979)، الذي صدرت حديثا الترجمة الفرنسية الأولى لأحد كتبه، "Się" (نفس)، عن دار "أرفوين" الباريسية، بعنوان "مشية العقرب".
تفتح هذه الترجمة نافذة على تجربة أدبية فريدة تمتد بين الترحال الجغرافي والبحث الوجودي، لتتبدد إهمالا طال أمده لشاعر وروائي وقاص مدهش لم ينل بعد الاهتمام الذي يستحقه خارج وطنه، على الرغم من قيمة الأعمال التي تركها خلفه، ومن أثرها البليغ في الأدب البولندي المعاصر.
في بولندا، كما نقرأ في المقدمة التي وضعها لوران بينون لهذا العمل — وهو من نقله إلى الفرنسية بالتعاون مع ليليانا أورلوفسكا — "الأسطورة التي تحيط بستاخورا تلامس أحيانا حدود العاطفة التقديسية". لكن بينون يتدارك قائلا إن صلة ستاخورا الوثيقة بمعاصريه وبلده لا تعني إمكان حصره في إطار وطني أو زمني ضيق، إذ "لا شيء يتعارض مع روحه أكثر من وضعه في زمان أو مكان محددين".
ويضيف: "ترحاله المستمر، وقراره الواعي بأن "يصبح يتيما"، وكل ما في مساره الشخصي يدعو إلى تجاوز كل ما يكبل الإنسان — بما في ذلك قيد اسمه الشخصي. فكل خطوة خطاها تكشف عن عطش إلى التوسع والتحرر".
استنساخ المدى
من هذه المقدمة، نعرف أيضا أن ستاخورا لم يولد في بولندا، بل في فرنسا، حيث أمضى سنواته الإحدى عشرة الأولى. ومن هذا التباين المبكر بين لغتين احتفظت كتاباته بأثر واضح وعميق، إذ لم يألف تماما القواعد النحوية للغة البولندية. وقد أربكت غرابة تعبيره قراءه الأوائل، بما بدا لهم انحرافا عن الاستعمال المألوف للكلمات، حتى خيل لبعضهم أن لغته تشوبها اختلالات مقصودة.


