لوقيانوس السوري الذي ألهم المعري ودانتي وابتكر الخيال العلمي

باع الفلاسفة بمزاد علني

Wikimedia Commons
Wikimedia Commons
الكاتب الساخر والفيلسوف السوري لوقيان السميساطي

لوقيانوس السوري الذي ألهم المعري ودانتي وابتكر الخيال العلمي

ظل اسم الفيلسوف السوري لوقيانوس السميساطي الذي عاش في القرن الثاني الميلادي مجهولا في المكتبة العربية نحو 19 قرنا، إلى أن أقدم إلياس سعد غالي قبل سنوات على ترجمة كتابه "مسامرات الأموات" عن اللغة اليونانية. كان هذا الكتاب مفاجأة من العيار الثقيل، فها نحن نتعرف أخيرا، الى النسخة الأصلية التي اقتبس أبو العلاء المعري منها كتابه "رسالة الغفران"، ثم كيف سلك دانتي الطريق نفسه في كتابة "الكوميديا الإلهية"، فالرحلة إلى الجنة والجحيم هي ذاتها تقريبا باختلاف الأسماء، ذلك أن لوقيانوس استدعى في رحلته آلهة وقادة وفلاسفة ومؤرخين من كل العصور في محاورات فلسفية ساخرة، وزج بمعظمهم في أتون الجحيم، وسيستكمل حفلة الهجاء الجماعية بكتابه "التاريخ الحقيقي" الذي يعد أول كتاب في رواية خيال علمي في العالم، إذ رصد فيه مغامرات رجل يمتطي سفينة فضائية إلى القمر ويسافر بين النجوم، ويصف مخلوقات عجائبية، وكائنات متوحشة تعيش في الكواكب الأخرى.

خدعة المؤرخ ولحية الفيلسوف

ليست هذه الرواية ضربا من الخيال العلمي فحسب، إنما أخيولة سردية تنطوي على مهارة استثنائية في بناء حبكة روائية تكشف الخدع التي لجأ إليها المؤرخون في تزوير الحقائق، لافتا إلى عدم الإنصات إلى الوشاية، في هجاء قاس للرذائل والعيوب والعقائد والأباطيل. هكذا أقام محاكمة علنية أدان فيها هوميروس وتناقضاته في وصف حروب طروادة وسخر من الأديان الإغريقية القديمة، وخلص الأسطورة من الآلهة لمصلحة البشر في حكايات عن الحرب والإذلال والعزلة.

ولد لوقيانوس في مدينة سميساط على ضفاف الفرات الأعلى في عهد الامبراطور الروماني أدريان، لأب يعمل نحاتا، لكن الابن لم تعجبه مهنة النحت وصناعة التماثيل، المهنة التي اختارها له والده، إذ هجرها بعدما كسر إحدى قطع الرخام بضربة أزميل قوية، واتجه إلى دراسة الفلسفة، وحفظ أشعار هوميروس، وقرأ نصوص أوريبيدس، وأرستوفان، وديموستين، ودرس القانون الروماني، ثم استقر في أنطاكيا، ثم هجرها إلى أثينا، ومنها انتقل إلى روما، ثم إلى بلاد الغال، ثم عاد إلى سميساط على الفرات، قبل أن يهاجر مرة أخرى إلى أثينا، ليستقر أخيرا في الإسكندرية حيث توفى فيها سنة 192 ميلادية.

أقام محاكمة علنية أدان فيها هوميروس وتناقضاته في وصف حروب طروادة وسخر من الأديان الإغريقية القديمة

حين نفتش خرائط اليوم عن المكان الذي شهد ولادة هذا الفيلسوف، لن نجد أثرا لموقع مدينة سميساط القديمة بعدما غمرتها مياه سد أتاتورك في تركيا عام 1989، إلا أن كتب لوقيانوس السمسياطي (نحو 80 كتابا) المكتوبة بالسريانية واليونانية أبحرت نحو اللغات الأخرى. كتب ومخطوطات في التاريخ والفلسفة والبلاغة والخطابة والمحاورات، أبرزها كتابه "التاريخ الحقيقي" أو "قصة حقيقية" أو "كيف تكتب قصة" الذي صدر أخيرا عن "دار كنعان"، ترجمة زياد العامر.

REUTERS/Yannis Behrakis
مشهد لبلدة سوسوز على الضفة الشمالية لسد أتاتورك في ولاية أديامان جنوب شرق تركيا، 2014

في هذا الكتاب النادر يعمل لوقيانوس على فضح أكاذيب المؤرخين والرواة والفلاسفة، ساخرا من هوميروس في المقام الأول باعتباره "الأب الروحي للأكاذيب"، فهو يشكك في صحة نسب "الإلياذة" إليه، وذلك بوضع مقاطع من هذه الملحمة الإغريقية فوق طاولة التشريح متهكما من الحكي عن "رجال متوحشين بعين واحدة في جباههم، يأكلون اللحوم النيئة، نساء تتدلى من أصابعها عناقيد العنب، نمل عملاق مجنح بقرون ضخمة. يقذفون بالمنجنيق ثمار لفت مسمومة. دروع مصنوعة من فطر عش الغراب، رماح من سيقان الهليون. لحى تنبت فوق الركبتين"، ثم "أعطيت إشارة القتال بشهيق الحمير بدلا من الأبواق".

مزاد علني لبيع الفلاسفة

هكذا يخترع نصا موازيا من الأكاذيب التي تبدو حقائق تبز مخيلة هوميروس بمراحل، ففي "التاريخ الحقيقي" يتحدث لوقيانوس عن  رحلة إلى "مدينة الأبرار" وذلك بإجراء محاكمات صارمة للفلاسفة والأبطال والشعراء اليونانيين مثل أفلاطون وأبقراط وأخيل وسقراط والرواقيين، بقصد ابتكار أسلوبية جديدة في التخييل تضع الحذلقة والحماقات جانبا لمصلحة اليومي والملموس بروح استقصائية تنطوي على مهارة في تشريح النفس البشرية نقديا بأعلى درجات التهكم، كما فعل في إحدى خطبه، "مشترو الكتب الذين لا يجيدون القراءة"، كأنه يحكي عن مثالب زمننا الراهن، وفي إحدى محاوراته سيقيم مزادا علنيا لبيع الفلاسفة.

لن يجد سقراط من يرغب بشرائه نظرا لكثرة أسئلته، أما ديوجين فسيرفضه الجميع لقذارته وسوء لسانه، وسيحظى أرسطو بثمن مرتفع ليس لعلمه بل لأن المشتري اعتقد أنه سيكون موسوعة مفيدة في المنزل، وسيصف معظم الفلاسفة الآخرين بأنهم "لحى مستأجرة"، وأن "اللحية الطويلة والعباءة الرثة لا تصنع فيلسوفا"، وهي المقولة ذاتها التي سيستثمرها لاحقا ابن رشد في هجاء معاصريه من الفلاسفة. 

هذا مشّاء فكري، وهجّاء من طراز خاص، عمل بدأب على تفكيك نصوص الخرافة وإعلاء شأن المعرفة برافعة متعددة الأذرع، وإذا به يطيح عشرات النصوص الراسخة بمفاتيح فلسفية مضادة، مما منح كتبه ومخطوطاته جاذبية خاصة وشعبية واسعة في المراكز الثقافية كافة حينذاك مثل انطاكيا وأثينا وروما والإسكندرية، فكان أن أعيد اكتشاف أعماله خلال عصر النهضة الأوروبي، إذ ستتسلل جيناته الأسلوبية وبصمته في الكوميديا السوداء إلى أعمال جوناثان سويفت في "رحلات جوليفر"، وفرنسوا رابليه في "بانتاغرويل"، وتوماس مور في "يوتوبيا"، وفولتير في "كانديد"، وسرفانتس في "دون كيخوته"، فضلا عن "رسالة الغفران" للمعري، و"الحيوان" للجاحظ، و"رسالة التوابع والزوابع" لابن شهيد الأندلسي.

العيش في بطن حوت عملاق

يقول في تقديمه لكتابه "التاريخ الحقيقي": "إن الحقيقة الوحيدة التي لا أشك فيها، هي أنني أكذب، فأنا أكتب عن أمور لم أرها، لذلك لا ينبغي لأحد أن يصدقها بأي حال من الأحوال".

اعتبر أن "اللحية الطويلة والعباءة الرثة لا تصنع فيلسوفا"، وهي المقولة ذاتها التي سيستثمرها لاحقا ابن رشد في هجاء معاصريه من الفلاسفة

هكذا يبدأ رحلته بريح مواتية وسفينة مزودة المؤن والمياه العذبة والذخيرة، صحبة 50 مغامرا، إلى أن هبت عاصفة عاتية وساد ظلام كثيف، وبعد صراع مع الأمواج استمر مدة 69 يوما، بزغت الشمس فجأة، وتكشف المشهد عن جزيرة جبلية. في ظهيرة اليوم التالي هبت دوامة هوائية تركت السفينة معلقة في الفضاء سبعة أيام فوق جزيرة عظيمة بلون النار تدعى "نجمة الصبح" يحكمها "فرسان النسور" الذين يمتطون طيور الرخم العملاقة بدلا من الخيول، وبعد حرب طاحنة مع الكائنات الفضائية غادروا الجزيرة محملين الهدايا، وفجأة ابتلع حوت ضخم السفينة، إلى أن تمكن فرسان الرحلة من النجاة إثر مكابدات شاقة، فما أن تثاءب الحوت وفتح فمه حتى تمكنوا من الهرب نحو بحر من الحليب تطفو فوقه جزيرة بيضاء مغطاة بالكروم.  

غلاف "التاريخ الحقيقي"

وفي إبحار آخر، وجدوا أنفسهم في جزيرة بسبعة أنهار من الحليب، ومثلها من العسل. هناك سيلتقي لوقيانوس أبطال طروادة وأنصاف الآلهة وبرابرة وأمراء اسبارطيين، فيما غاب أفلاطون الذي كان يعيش وحيدا في جمهوريته، لم يجلس معنا أي فيلسوف رواقي فقد كانوا منشغلين بتسلق تلال الفضيلة".

بمثل هذه الفانتازيا يسخر لوقيانوس من خرافات هوميروس وأمثاله "لا تصدقوا كل ما يكتب، حتى لو كان الكاتب هو أعظم شعراء الأرض". رحلة تكشف عن احتضار صورة المثقف وأقنعته بانصياعه إلى اغواءات السلطة، موجها سهامه ثانية نحو هوميروس الذي يفتقر إلى "وقار التاريخ"، إذ يلتقيه في مكان ما من احتفالات الجزيرة، في حوار ساخر أقرب إلى المحاكمة نافيا عنه صفة العمى، ومشككا هذه المرة بأنه كتب "الأوديسة"، قبل أن يلتفت إلى فيثاغورث الساموسي الذي بدل جلده سبع مرات تبعا لمصالحه الشخصية.

فضح الفلاسفة

في مسابقة "ألعاب الموتى" التي أقيمت في الجزيرة، سيفوز أخيل خمس مرات، فيما سيتفوق هوميروس بمسابقة الشعر من دون منازع، وكوفئ سقراط بحديقة فاخرة في ضواحي الجزيرة أطلق عليها اسم "أكاديمية الموتى" لتنتهي الحفلة بوليمة عظيمة من الفاصولياء المبللة. سيغادر "جنة الأبرار" محملا رسائل من عوليس وبينيلوب وهيلين نحو "جزيرة الجحيم"، وهناك يلمح هيرودوت الذي كان يخضع لأشد أنواع التعذيب بما يوازي أكاذيبه كمؤرخ. أما ما جرى على اليابسة في نهاية الرحلة "فسوف تحكيه الكتب التالية".

غلاف "مسامرات الأموات"

عدا فضحه لأكاذيب الفلاسفة، ونفاق المثقفين، وجد لوقيانوس نفسه وجها لوجه أمام حرب كونية بين ملك القمر إنديميون وملك الشمس فايثون، في صراع محتدم على احتلال كوكب الزهرة، وكأنه يروي ما يشهده الكوكب اليوم من نزاعات استعمارية لرسم خرائط جديدة.

هذا الفيلسوف السوري رسم "ماكيتا ثقافيا" يصلح لكل الأزمنة، مفتخرا بنزعته المحلية بقوله "أنا لوقيانوس السوري الهمجي"

في حال سحبنا البساط نحو اللحظة الراهنة بكل تناقضاتها وعسفها، وفقا لسخريات لوقيانوس، لن تعوزنا الفطنة في اكتشاف عشرات النماذج من مثقفي اليوم، أولئك الغرقى في أنهار الحليب والعسل، ذلك أن هذا الفيلسوف السوري رسم "ماكيتا ثقافيا" يصلح لكل الأزمنة، مفتخرا بنزعته المحلية بقوله "أنا لوقيانوس السوري الهمجي"، وهذه المرة في هجاء النظرة الدونية التي حملها الإغريق عن الشرق.

font change

مقالات ذات صلة