ظل اسم الفيلسوف السوري لوقيانوس السميساطي الذي عاش في القرن الثاني الميلادي مجهولا في المكتبة العربية نحو 19 قرنا، إلى أن أقدم إلياس سعد غالي قبل سنوات على ترجمة كتابه "مسامرات الأموات" عن اللغة اليونانية. كان هذا الكتاب مفاجأة من العيار الثقيل، فها نحن نتعرف أخيرا، الى النسخة الأصلية التي اقتبس أبو العلاء المعري منها كتابه "رسالة الغفران"، ثم كيف سلك دانتي الطريق نفسه في كتابة "الكوميديا الإلهية"، فالرحلة إلى الجنة والجحيم هي ذاتها تقريبا باختلاف الأسماء، ذلك أن لوقيانوس استدعى في رحلته آلهة وقادة وفلاسفة ومؤرخين من كل العصور في محاورات فلسفية ساخرة، وزج بمعظمهم في أتون الجحيم، وسيستكمل حفلة الهجاء الجماعية بكتابه "التاريخ الحقيقي" الذي يعد أول كتاب في رواية خيال علمي في العالم، إذ رصد فيه مغامرات رجل يمتطي سفينة فضائية إلى القمر ويسافر بين النجوم، ويصف مخلوقات عجائبية، وكائنات متوحشة تعيش في الكواكب الأخرى.
خدعة المؤرخ ولحية الفيلسوف
ليست هذه الرواية ضربا من الخيال العلمي فحسب، إنما أخيولة سردية تنطوي على مهارة استثنائية في بناء حبكة روائية تكشف الخدع التي لجأ إليها المؤرخون في تزوير الحقائق، لافتا إلى عدم الإنصات إلى الوشاية، في هجاء قاس للرذائل والعيوب والعقائد والأباطيل. هكذا أقام محاكمة علنية أدان فيها هوميروس وتناقضاته في وصف حروب طروادة وسخر من الأديان الإغريقية القديمة، وخلص الأسطورة من الآلهة لمصلحة البشر في حكايات عن الحرب والإذلال والعزلة.
ولد لوقيانوس في مدينة سميساط على ضفاف الفرات الأعلى في عهد الامبراطور الروماني أدريان، لأب يعمل نحاتا، لكن الابن لم تعجبه مهنة النحت وصناعة التماثيل، المهنة التي اختارها له والده، إذ هجرها بعدما كسر إحدى قطع الرخام بضربة أزميل قوية، واتجه إلى دراسة الفلسفة، وحفظ أشعار هوميروس، وقرأ نصوص أوريبيدس، وأرستوفان، وديموستين، ودرس القانون الروماني، ثم استقر في أنطاكيا، ثم هجرها إلى أثينا، ومنها انتقل إلى روما، ثم إلى بلاد الغال، ثم عاد إلى سميساط على الفرات، قبل أن يهاجر مرة أخرى إلى أثينا، ليستقر أخيرا في الإسكندرية حيث توفى فيها سنة 192 ميلادية.


