سقوط "صخرة جبل عامل"... نكبة الذاكرة والمكان

من قلعة الشقيف يستطيع الإسرائيلي أن يحوّل الجنوب إلى كتلة من نار

رويترز
رويترز
جنود إسرائيليون ينفذون عمليات في قلعة الشقيف جنوب لبنان، في 31 مايو 2026

سقوط "صخرة جبل عامل"... نكبة الذاكرة والمكان

صباح الأحد 31 مايو/أيار، وبعد 90 يوما من العمليات العسكرية والغارات الجوية والتقدّم البري في جنوب لبنان، ردّا على صواريخ "حزب الله" الستة، أعلن الجيش الإسرائيلي سيطرته الكاملة على قلعة الشقيف في منطقة النبطية على الضفة الشمالية لنهر الليطاني، ونشر صورا تظهر علم إسرائيل وعلم لواء غولاني مرفوعين على أبراج القلعة.

مع سقوط القلعة تتخذ نكبة الجنوبيين بعدا هوياتيا ثقافيا، يطال الذاكرة المؤسِسة التي شكّلت جذور وعيهم المكاني، ويمس بشكل مباشر شخصيتهم العاطفية الجماعية وروابطها وارتباطاتها.

فعلاوة على موقعها الاستراتيجي وأهميتها العسكرية، كانت القلعة دوما العنصر الأساسي في خلفية الصورة المجتمعية التي يقدّمها أهالي المنطقة عن أنفسهم، وتعريفا أصيلا لهويتهم المكانية.

تاريخيا، كل مجتمعات القرى المحيطة بالقلعة دخلت ضمن نظامها الاجتماعي والاقتصادي والأمني، وتفاعلت مع من أقام فيها كما لو أنه جزء من بيئتها، مما أنتج تفاعلا ثقافيا وشخصية محلية منفتحة.

وإلى يومنا هذا، بقيت القلعة امتدادا لمساحات القرى من حولها لمنعتها وصمودها، ولتماسكها الاجتماعي وتمسكها بهويتها في وجه الاحتلالات المتعاقبة، وفضاء اجتماعيا رديفا لبيوتها، فلا يوجد بيت في هذه القرى إلا وفيه شرفة تطل عليها أو شباك يفتح على مشهدها، ولا تُقام مناسبة فرح أو حزن إلا وتكون القلعة شريكة فيها، حتى حين تسأل أحدهم وأنت تهمّ بالصلاة: أين القبلة؟ يجيبك باتجاه القلعة.

تقوم قلعة الشقيف على جرف صخري شاهق فوق مجرى نهر الليطاني مباشرة، يتجاوز ارتفاعه السبعمئة متر، في داخلها تجويف لولبي يصل إلى مصب النهر، وتتألف من أنفاق وقاعات وغرف سفلية وعلوية وأبراج بمقدور من يقف فوقها أن يرى في النهارات الصافية بحيرة طبريا وأطراف غور الأردن، وفي كل ساعة يمكنه مشاهدة البحر المتوسط من الغرب وجبل الجولان السوري من الشرق، بينما تظهر أمامه الجغرافيا اللبنانية مثل كتاب مفتوح.

بُنيت قرى جبل عامل على التلال المرتفعة وقمم الجبال، أي حول القلاع التي منحتها بدورها ثقلا ديموغرافيا وسياسيا، وعززت سيطرتها على المكان

وتحتل القلعة في الوقت نفسه، مدى الرؤية على كل طرقات المنطقة، وترتفع كسقف متصل بالسماء فوق قرى النبطية، فإذا خرج الواحد منا من مدينة النبطية وسلك طريق كفرتبنيت تنتصب القلعة قبالته كبوصلة تحدد وجهته، وإذا انعطف صوب زوطر الغربية وأختها الشرقية تحمي يساره، وإذا نزل باتجاه جسر الخردلي صعودا نحو مرجعيون فتحمي يمينه، ومن هناك يصبح مشهدها أكثر مهابة وجلالا، وتتجلّى بحلّة مختلفة عن صورتها التفاعلية من جهة أرنون، فتبرز انحداراتها الصخرية الوعرة كجغرافيا يصعب أن تجوسها الأقدام.

لهذا السبب ربما، تختلف علاقة أهل جنوب النهر وشماله مع القلعة، فهي عنصر متصل بمجتمع الشمال، بينما في جنوبه هي مكون يفرض العزلة، فينعكس ذلك خصوصية في العادات ونمط العلاقات وحتى اللهجة، وتولد هويتان أصيلتان للمنطقة.   

للقلعة أربعة أسماء متداولة، الأكثر شيوعا ورسمية هو قلعة الشقيف، أهل المنطقة يسمونها أيضا قلعة بوفور، وهو الاسم الفرنسي الذي أطلقه عليها الصليبيون حين استقروا فيها، ولها اسم ثالث محلي جدا هو شقيف أرنون نسبة إلى القرية التي تقع أسفلها، أما اسمها الرابع فهو صخرة جبل عامل الذي يحمل بعدا شاعريا وعاطفيا، والذي استخدمه الشاعر اللبناني جوزيف حرب في قصيدته العامية "إسوارة العروس" التي غنتها فيروز.

رويترز
جنود إسرائيليون ينفذون عمليات في مرتفعات قلعة الشقيف جنوب لبنان، في 31 مايو 2026

والشقيف مفردة آرامية الأصل يطلقها أهل المنطقة على الجبل الصخري ويصفون بها صاحب الرأي المتحجّر! أما الأراضي المحيطة بها فتسمّى حمى أرنون، لأنها كانت مناطق حماية متقدّمة عند السفح لمن يسيطر على القلعة.

شكّلت قلعة الشقيف إطارا ماديا وملاذا طبيعيا يحتمي به أهل المنطقة حين يشعرون بخطر وجودي، على قاعدة أن الجغرافيا المكانية غالبا ما تكون خط الدفاع الأول عن الهوية، خاصة الأقلوية، كالأقلية الشيعية في جبل عامل.

وانطلاقا من هذه الخصوصية، بُنيت قرى جبل عامل على التلال المرتفعة وقمم الجبال، أي حول القلاع التي منحتها بدورها ثقلا ديموغرافيا وسياسيا، وعززت سيطرتها على المكان، بينما استخدموا الأراضي المنبسطة المفتوحة لإنشاء المدن، مثل النبطية.

من القلعة يستطيع الإسرائيلي أن يحوّل الجنوب إلى كتلة من نار، كل الأهداف مهما بعدت أو قربت هي في متناوله، وبالسلاح الخفيف يمكنه أن يتحكم بمفاصل الجنوب من أقصاه إلى أقصاه

ورغم تعدد الأمم والجيوش التي مرت على القلعة منذ عصور ما قبل الميلاد إلى اليوم، تبقى الحقبة الصليبية هي الأكثر تأثيرا في نسيج المنطقة وذاكرتها، فقد استطاع الصليبيون تحويل احتلالهم العسكري إلى حضور اجتماعي، ومن حالة عداء واستنفار إلى عملية تفاعل واحتكاك سلمي نتجت عنه علاقات اجتماعية وتجارية وبصمة إنسانية ما زالت آثارها ماثلة في المنطقة  إلى اليوم.

يتناقل أهل المنطقة أن الجنود الصليبيين الذين أقاموا في القلعة انسجموا مع سكان القرى المحيطة لدرجة أن كثيرين استقدموا أسرهم وأسكنوهم فيها (منهم آل غندور عائلة جدتي في النبطية الفوقا)، إضافة إلى قصص الحب التي جمعت كثيرا من "فرسان الداوية"؛ وهو الاسم الذي أطلقه القرويون على الجنود الصليبيين، وفتيات قرويات وتكللت بالزواج، فنشأ نتيجة ذلك طبقة من المولّدين من أمهات محليات وآباء أوروبيين ذوي ملامح وألوان أوروبية تميز أهل المنطقة عن غيرهم، وبعد هزيمتهم أمام المماليك انسحب الصليبيون عسكريا من المنطقة وأخلوا القلعة، لكن الأصهار والمستوطنين من الأسر الأوروبية رفضوا المغادرة وتلبننوا مع من تلبنن من أقوام أخرى مرت على المنطقة.

شكّلت المعارك العسكرية الجزء الأكبر من ذاكرة القلعة وأهلها، وفي الصراع مع إسرائيل شهدت عمليات كر وفر وسيطرة وانسحاب متكررة واعتداءات وغارات جوية شبه يومية، دمرت قسما كبيرا منها وطمست بعض معالمها، كان أبرزها المعركة التي خاضتها "الكتيبة الطلابية" التابعة لحركة "فتح" الفلسطينية في عام 1982، وكذلك سيطرة إسرائيل عليها لأكثر من 22 عاماً، وأكثرها دراماتيكية هي عودة جيش الاحتلال إليها يوم الأحد 31 مايو/أيار وغرس علمه فوق أعلا أبراجها.

أ.ف.ب
علم إسرائيلي يرفرف فوق قلعة الشقيف التي تعود للقرون الوسطى، كما تظهر من منطقة مرجعيون في جنوب لبنان في 31 مايو، 2026

ميدانيا، لم يصل الجيش الإسرائيلي فجأة إلى القلعة، أهل المنطقة كانوا يراقبون على مدى الشهر الماضي تحركاته، فقد زحف من جهة عديسة ثم الطيبة والتف من جهة دير سريان وهبط إلى وادي راج رغم وعورة تضاريسه، ومدّ جسورا حديدية فوق النهر وعبر باتجاه زوطر الشرقية ثم يحمر ثم أرنون وصولا إلى القلعة، أي إنه لم يدخل عبر المسارات التقليدية التي اعتاد أن يسلكها، أو الإنزالات الجوية، فخدع "حزب الله" الذي على ما يبدو أن حساباته العسكرية لم تتطور.

من القلعة يستطيع الإسرائيلي أن يحوّل الجنوب إلى كتلة من نار، كل الأهداف مهما بعدت أو قربت هي في متناوله، وبالسلاح الخفيف يمكنه أن يتحكم بمفاصل الجنوب من أقصاه إلى أقصاه ومعه البقاع وجزين والساحل، ويعلن جنوب النهر منطقة محتلة بصورة نهائية، ويحاصر منطقة شمال النهر التي تضم قضاءي النبطية والزهراني ويعزلها عن محيطها.

يُقال إنه في الحروب لا شيء يوثّق لحظة الانتصار أكثر من مشهد رفع العلم، فهو بمثابة إعلان عن السيطرة الكاملة، وأن الموقع أصبح ضمن مناطق نفوذ الطرف صاحب العلم المرفوع عسكريا واستراتيجيا وجغرافيا وسياسيا. تاريخيا أيضا يعدّ رفع العلم فوق القلاع دلالة على انتصار طرف وهزيمة آخر.

في زمن ليس بعيدا عن زمن الاحتلال الإسرائيلي المتجدد، بالغ "حزب الله" كثيرا في استخدام الأعلام لغرس شرعيته في وعي "المشاهدين" بشكل مباشر، وفي لا وعيهم بشكل غير مباشر

ثمة ما يوازي هذا الإعلان في العصر الحديث، مثل صورة رفع الجنود السوفيات العلم الأحمر فوق مبنى الرايخستاغ، الذي كان بمثابة إعلان هزيمة النازية في معركة برلين عشية نهاية الحرب الثانية.

لذلك، سارع رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الاستعراض والتباهي باحتلال القلعة على غرار ما فعله آرييل شارون قبل 44 عاما حين احتلت إسرائيل لبنان، مما أحبط عزيمة "المقاومة" ومعنويات بيئتها، فسارع نائب "حزب الله" حسن فضل الله بدوره، إلى القول إن القلعة معلم سياحي تابع لوزارة الثقافة اللبنانية وليس موقعا عسكريا للمقاومة.

في زمن ليس بعيدا عن زمن الاحتلال الإسرائيلي المتجدد، بالغ "حزب الله" كثيرا في استخدام الأعلام لغرس شرعيته في وعي "المشاهدين" بشكل مباشر، وفي لا وعيهم بشكل غير مباشر، واستخدمها كوسيلة لتعميم البروباغندا الموجهة وكأداة لإنتاج الهيمنة السياسية، ولشدة ما زرع أعلاما إيرانية على طرقات الجنوب وجباله وتلاله وقلاعه صار الجنوبي يشعر بأنه في طهران، أو بالأحرى اقتنع بأن طهران انتصرت على دولته، فانقاد إلى خياراتها، ومنها هذه الحرب التي استدرجت هذا الاحتلال!

وتقول الروايات إن الجنرال الفرنسي هنري غورو بعدما تمكن من دخول دمشق على رأس جيشه صيف 1920، ذهب مباشرة إلى قبر صلاح الدين وقال عبارته الشهيرة: "ها قد عدنا يا صلاح الدين". وتشبه هذه العبارة في هولها وكابوسيتها ما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بعد رفع العلم الإسرائيلي فوق القلعة: "بعد 44 عاما من معركة بوفور... عاد جنودنا ورفعوا العلم الإسرائيلي من جديد"!

font change

مقالات ذات صلة