سبقت كرة القدم ظهور الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بعقود. وترتبط صيغتها الحديثة بتأسيس الاتحاد الإنكليزي عام 1863، حين جرى توحيد قواعدها وفصلها عن ألعاب أخرى مثل الرغبي. وسرعان ما انتشرت في المدارس والجامعات والأحياء الصناعية والمدن مع اتساع نفوذ الإمبراطورية البريطانية والتحولات التي رافقت الثورة الصناعية.
وخلال أقل من نصف قرن تحولت اللعبة إلى ظاهرة عالمية، وانتشرت في أوروبا وأميركا الجنوبية، وظهرت مئات الأندية والاتحادات المحلية. كما سبقت المباريات الدولية المنتظمة تأسيس "الفيفا"، وشكلت بطولة الجزر البريطانية بين عامي 1883 و1884 أول مسابقة دولية في تاريخ اللعبة.
وأطلق تأسيس "الفيفا" في باريس عام 1904 مرحلة جديدة من التنظيم والتوحيد، بعدما فرض الانتشار المتسارع للعبة الحاجة إلى مرجعية دولية تشرف على القواعد والعلاقات بين الاتحادات وتنظم المنافسات الدولية. ثم جاء إطلاق كأس العالم في الأوروغواي عام 1930 ليمنح المؤسسة موقعا يتجاوز الإدارة الرياضية إلى سلطة رمزية عالمية تتقاطع مع السياسة والثقافة والهوية.
وسرعان ما تحولت كرة القدم إلى كناية مفتوحة عن العالم الحديث. فقدمت بديلا رمزيا وسلميا من الصراع بين الأمم والجماعات، وصنعت في الوقت نفسه لغة مشتركة عابرة للحدود. وتجاوزت المنتخبات الوطنية موقعها الرياضي لتغدو حاملة لصورة الشعوب ومكانتها.
غير أن اتساع سلطة "الفيفا" ترافق مع اتساع مساحة التنظيم والضبط والإدارة. تراكم أثر هذا المسار على شكل تراجع تدريجي لنزعات المغامرة والارتجال والمفاجأة لمصلحة الانضباط والتخطيط والتقنية والمنطق الحسابي. من هنا تكتسب ملاحظة السينمائي والشاعر الإيطالي بيار بازوليني أهميتها الخاصة، إذ رأى أن كرة القدم تنتج لغة ذات بنية دلالية تتأرجح بين الشعري والنثري، يدعم الأول المراوغة والاختراع ونشوة الهدف، بينما ينحاز الثاني إلى التنظيم والانضباط. وقد دفع "الفيفا"، عبر تراكم مراحل مختلفة من تاريخه، اللعبة نحو مزاج نثري أخذ يفرض حضوره تدريجيا على روحها.
تكشف سيرة المؤسسة عن انتقال الثقل من تنظيم المنافسات وصناعة الهوية العالمية لكرة القدم إلى الانسجام مع مطالب الرعاة وحقوق البث والإعلانات وسوق انتقالات اللاعبين. تفشى الفساد نتيجة تلك التحولات، فيما دفعت التقنيات التحكيمية وأنظمة التتبع والبيانات والخوارزميات اللعبة إلى مرحلة جديدة تتسع فيها السلطة التقنية على حساب العناصر التي صنعت سحر اللعبة.
قبل "الفيفا": الأساطير والبنى الرمزية
تشكلت كرة القدم من حاجة جماعية إلى الاحتفال والتنفيس وصناعة فضاء رمزي يخفف وطأة التفاوت الاجتماعي والسلطات القائمة. خرج ذلك الطقس الجماعي من قلب الأجواء الاحتفالية الشائعة في الثقافات الأوروبية ليمنح الناس مساحة تعبيرية عامة تكسر إيقاع الحياة اليومية.










