كيف ترى دول الخليج الاتفاق الأميركي - الإيراني؟

دول مجلس التعاون ستعيد التفكير في طبيعة منظومتها الأمنية والسياسية مستقبلا

رويترز
رويترز
سفن في مضيق هرمز، كما ترى من مسندم، عمان، 16 يونيو 2026

كيف ترى دول الخليج الاتفاق الأميركي - الإيراني؟

من المبكر الحديث بتحليل معمق حول انعكاس الاتفاق الأميركي-الإيراني على دول الخليج العربي تحديدا، كذلك من المبكر تقديم قراءة تحليلية وافية حول طبيعة الاتفاق ومضمونه الكلي، لكن ذلك لا يمنع من رؤية تأثير الحرب وانعكاسها على دول المنطقة وما يترتب على أي اتفاق يُنهي هذه الحرب الكبرى في الخليج، والتي تعدّت بأضرارها إيران لتشمل جميع دول المجلس بشكل متفاوت.

على ذلك فحين أعلن التوصل إلى اتفاق بين الطرفين رحبت دول الخليج العربي بذلك، مع تخوف بعضها من أن تقوم إسرائيل بإفشال الأمر وإعادة التوتر الحربي من جديد. وحتما يأتي ترحيب دول الخليج لكون ذلك سيعيد حالة الاستقرار إلى المنطقة، ويعيد وتيرة العمل البحري بشكل سلس، ويفتح الباب لوصول مصادر الطاقة بهدوء إلى العالم، كما يعيد جذب الاستثمارات للمنطقة بما يخفف من حدة الخسائر التي تعرضت لها بعض الدول الصغرى في الخليج.

على أن ذلك بمجمله سيفرض على دول مجلس التعاون الخليجي أن تعيد التفكير في طبيعة منظومتها الأمنية والسياسية مستقبلا، وأن تعيد النظر في استراتيجيتها الدفاعية بشكل جَدي، وتهتم بتطوير صناعاتها العسكرية المحلية، وتتوجه إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية مع روسيا والصين ومختلف القوى الآسيوية والأوروبية، مع الحفاظ على الشراكة الأميركية دون الارتهان لحيثياتها بشكل كلي مستقبلا.

كما يفرض عليها اقتصاديا إيجاد مسارات بديلة غير المسار البحري المباشر والذي يظل مُهدَّدا بإمكانية إغلاق مضيق هرمز في حال حدوث أي توتر أميركي-إيراني. وهنا يأتي التفكير بجدية لإيجاد منافذ بديلة صوب بحر العرب أو البحر الأحمر عبر مد خطوط سكة حديد واسعة في الأرجاء.

من جهة أخرى، فقد بات مهماً التأكيد على أن أمن الإقليم لا يمكن أن تقرره واشنطن وطهران، وأن دول الخليج العربي بمنأى عن أي اصطفاف عسكري وصراع مسلح بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يجب أن يكون واضحا في الإطار المستقبلي للعلاقات مع الجهتين، وبالتالي فلن يكون مقبولا أن تقوم إيران باستهداف دول مجلس التعاون الخليجي في حال احتدام الصراع العسكري بينها وبين الولايات المتحدة.

الصمت العربي وعدم الانخراط في الحرب لم يكن بسبب ضعف في القوة، أو خشية من الحرب، وإنما كان ولا يزال بسبب نضج عربي، وإيمان بأن هذه هي حرب إسرائيل التي تريد أن تقحم المنطقة فيها

في هذا السياق يمكن أن تستشعر دول الخليج العربي حالة من القلق من تنامي الشعور بالعظمة في ذهنية التيار المحافظ في إيران، لاسيما في حال رفع العقوبات عنها، وتحسن وضعها الاقتصادي، وهو ما يدعو هذا التيار إلى توسيع نفوذه الإقليمي، وزيادة دعمه لأذرع إيران في المنطقة، الأمر الذي يعيد الإشكال البيني إلى نقطة الصفر مع مجمل الدول العربية، ويُبقي حالة التوتر قائمة بين الطرفين.

كما تبرز الخشية من تعاظم الإحساس بالقوة لدى أولئك المتشددين من المحافظين الأصوليين في إيران إزاء دول الخليج العربي، جراء عدم ردها على استهداف قوات "الحرس الثوري"، بل وتقديم أموال كإتاوة لها من بعض الدول الصغيرة مقابل تجنب استهدافها كما رشح إعلاميا.

رويترز
مسؤولون كويتيون يتفقدون الأضرار داخل مبنى الركاب في مطار الكويت الدولي عقب هجوم ايراني بطائرة مسيرة وصاروخ، في مدينة الكويت، الكويت، 3 يونيو 2026

وواقع الحال، أن إيران إن وقعت في غرور القوة تكون قد ارتكبت أكبر خطيئة لها، ذلك أن الصمت العربي وعدم الانخراط في الحرب لم يكن بسبب ضعف في القوة، أو خشية من الحرب، وإنما كان ولا يزال بسبب نضج عربي، وإيمان بأن هذه هي حرب إسرائيل التي تريد أن تقحم المنطقة فيها؛ ولو قررت دول الخليج العربي الرد على الهجمات الإيرانية عسكريا وإعلاميا لتمكنت من إثخان الجراح الغائرة في الجبهة الإيرانية، ولأعطت الهجوم الأميركي شرعية دولية، وهو ما لم تحظ به القوات الأميركية منذ الابتداء وحتى اللحظة الراهنة.

وبالتالي فمهم أن يقرأ الإيرانيون الموقف الخليجي بوعي وإدراك، وهو ما يُرى في توجه الإصلاحيين الذين يؤمل أن يكون لهم دور فاعل في المرحلة المقبلة، حتى لا تقع إيران في جريرة خطئها القديم بتحجيم ومحاربة فكر الإصلاحيين حين نجح خط المتشددين الأصوليين في إقصاء منهج وفكر السياسي الإسلامي التنويري مهدي بازركان، فهل سيتم اختطاف إيران مُجدَّدا من قبل أولئك المتشددين؟ أم سيتمكن الإصلاحيون برئاسة مسعود بزشكيان وبعض فريقه الحكومي، من الخروج بإيران إلى خط الاعتدال والسلام مع الجار العربي ممثلا في دول مجلس التعاون الخليجي؟

هذه الحرب كانت ولم تزل هي حرب إسرائيل بالدرجة الرئيسة، سواء الحرب الأولى والتي عرفت باسم حرب الـ12 يوما عام 2025، أو هذه الحرب التي نعيش خواتيمها

والإشارة هنا إلى أهمية أن تستفيد إيران من قوة ومحورية جارها العربي، وأن تعمل على تعميق علاقتها به وتجاوز كل الإشكالات السابقة، مع تبنيها لسياسة "صفر مشاكل" لتتمكن من النهوض مجددا، والاستفادة من قدرات دول الخليج العربي الاقتصادية والسياسية أيضا. وحتما سيسمح لها ذلك بالدخول في التحالف الإقليمي الذي تتشكل ملامحه بين المملكة العربية السعودية وباكستان علاوة على تركيا وفق تصريح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في يناير/كانون الثاني 2026 بأن المناقشات والمحادثات جارية مع السعودية وباكستان لدخول تركيا في التحالف الدفاعي؛ ويقينا فإن ذلك سيحدُّ مستقبلا من مواجهة تنامي الخطر الإسرائيلي في المنطقة، وبخاصة مع تعنتها المستمر في رفض مبادرة السلام العربية (بيروت عام 2002)، ورفضها الصريح  لنتيجة المفاوضات الحالية بين الولايات المتحدة وإيران.

رويترز
تصاعد النيران والدخان في الفجيرة، نتيجة لحطام ناتج عن اعتراض الدفاعات الجوية لطائرةٍ مسيّرة، وفقا لما أفاد به المكتب الإعلامي للفجيرة،الإمارات العربية المتحدة، في 4 مارس 2026

جدير بالذكر أن هذه الحرب كانت ولم تزل هي حرب إسرائيل بالدرجة الرئيسة، سواء الحرب الأولى والتي عرفت باسم حرب الـ12 يوما عام 2025، أو هذه الحرب التي نعيش خواتيمها، وفي الحربين عمد بنيامين نتنياهو إلى تصدير القوات الأميركية ووضعها في الواجهة، الأمر الذي أغرق الرئيس دونالد ترمب في أتون لهب مشتعل لم يعرف كيف يخرج منه بهدوء ونصر حاسم، حيث أعلن الرئيس الأميركي فور إعلانه الحرب على إيران بأنها ستنتهي بسرعة كبيرة، لكنه لم يدرك أن النهاية إن لم تكن حاسمة فلا يستطيع تحديد مدتها وزمنها. وهو ما غرق فيه الرئيس ترمب وفريقه الحكومي طوال هذه الأشهر، وأدركوا وجع هذه الحرب مثلما أدركه الإيرانيون، واستوعب هو وفريقه مؤخرا أنهم قد وقعوا في فخ نصبه لهم نتنياهو، وبات الرئيس ترمب يستشعر الضغط الشعبي والسياسي والإعلامي في مختلف الأوساط الأميركية، حتى من قبل أعضاء رئيسين في مجموعة "ماغا"، وهو ما جعله وفريقه يستمرون بتمديد الهُدن، ويعملون على الوصول إلى حل يُرضي جانبا من غروره الذاتي، حيث أعلن الوصول إلى أفضل اتفاق مع إيران بمناسبة ذكرى مولده.

font change