لا بد أن إيران نجحت جزئياً أو نسبياً في تفادي ما كان يبدو أنه السيناريو الأسوأ في صراعها المرير مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وذلك من خلال اتفاقٍ ينهي الحرب معها ويعالج قضايا أخرى كفتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية واستقرار أسعار الطاقة العالمية وعودة الهدوء إلى المنطقة، ذلك دونا وبدلا عن المعالجة الجذرية للأسباب الرئيسة للحرب التي كان في مقدمتها إسقاط نظام الحكم الإيراني والملفان النووي والصاروخي والنفوذ الإقليمي لطهران في كلٍ من لبنان والعراق واليمن.
من يتابع التفاعلات والمواقف في البلدان المشار إليها يجد حالة من الترقب من أن هذه الدول لم تربح شيئا من هذا الاتفاق، باستثناء أنها كانت متأثرة بهذا النزاع وليست لاعبا فيه بما يقود إلى تسويةٍ من خلاله تحقق لها مصالحها وتجلب حلولا ناجعة لمشكلاتها المزمنة وعلى رأسها استمرار وجود السلاح الإيراني لدى وكلاء طهران الذي جعل من كل هذه الأذرع دولا داخل دولها، فيما ربحت دول أخرى كالصين وروسيا وباكستان الكثير من هذا الاتفاق ماديا ومعنويا، بينما تبدو نتائج وآثار الاتفاق غير واضحة حتى الآن على الأقل بالنسبة لبعض دول الخليج العربية والأردن التي دفعت أثمانا كبيرة للحرب وبذلت جهودا حثيثة للتوصل إلى الاتفاق بين واشنطن وطهران.
صحيح أننا لا نعرف على وجه اليقين حتى اللحظة تفاصيل ما تم التفاهم بشأنه بين الطرفين الأميركي والإيراني وقد لا نعرف ذلك قريبا بشكلٍ كامل فحتما سوف تكون للإيرانيين سرديتهم الخاصة فهم كما هو معروف بارعون في إظهار ما لا يُبطنون، بينما يفترض أن الأميركيين أكثر شفافية عند الحديث عن اتفاقات استراتيجية من هذا النوع لكن الدستور الأميركي يجيز لهم عدم الكشف عن كل شيء أو بعض التفاصيل منعا لاتساع نطاق الجدل حولها بما قد يؤدي إلى فشل أو تعذر تطبيق الاتفاق.
هذا على الرغم من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن النص الكامل للاتفاق سوف يُنشر "قريبا جدا"، واصفا إياه، عند حضوره القمة السنوية لمجموعة الدول السبع في فرنسا بأنه "وثيقة بالغة الأهمية، وأريد نشرها. لذا، على الأرجح قريبا جدا".
بتعبيرٍ آخر أكثر وضوحا، يمكن القول إن الإيرانيين نجحوا إلى حدٍ ما في كسب الوقت، قدر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، في وجه استعجال الرئيس الأميركي لإنهاء الحرب عبر ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي والنفسي على إيران وإلحاق أكبر قدرٍ من الضرر بها ماديا وبشريا وسياسيا، ليس لأن الحرب حققت غاياتها ولكن لإنقاذ مستقبله السياسي إذا طال أمد الصراع المسلح بلا نتائج تذكر مع عدوٍ اتضح أن لا شيء يهمه أكثر من الاستمرار في الحرب لاستنزاف الخصم وربح الصراع مهما طال أو بلغت كلفته.
لم يكن الرهان على عامل الوقت ترفا أو خيارا لإيران لكنها كانت مضطرة إليه بحكم الخلل الكبير في موازين القوة العسكرية والعلمية والاستخبارية لصالح واشنطن وإسرائيل، وهو ما أجبر طهران على فتح جبهات أخرى ربما لم يكن مخططو الحرب الأميركيون يأخذونها على محمل الجدّ أو بعين الاعتبار كإغلاق مضيق هرمز والاعتداءات على دول الخليج العربية الحليفة وتكثيف هجمات "حزب الله" اللبناني على شمال إسرائيل وتحريك الفصائل الشيعية في العراق وجماعة الحوثيين، إلى حدٍ ما، في اليمن.

