أعادت الاعتداءات الأخيرة التي خصت بها إيران كلا من الكويت والبحرين إلى الواجهة سؤالا قديما يتجدد مع كل أزمة تشهدها المنطقة: هل ترتبط التوترات بين إيران ودول الخليج بظروف سياسية وأمنية مؤقتة، أم إنها تعكس خلافا أعمق يمتد إلى طبيعة الرؤى والمشاريع التي تحكم سياسات الطرفين؟
من الصعب النظر إلى هذه الاعتداءات باعتبارها أحداثا معزولة أو استثنائية، فهي تأتي ضمن سياق طويل من المواجهات والتهديدات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. فالكويت والبحرين كانتا على الدوام ضمن دائرة الاستهداف الإيراني المباشر أو غير المباشر، سواء عبر العمليات العسكرية أو من خلال الأذرع المرتبطة بطهران في المنطقة. ولذلك فإن ما يحدث اليوم لا يمثل تحولا جديدا في السياسة الإيرانية بقدر ما يمثل استمرارا لنهج قائم منذ سنوات طويلة.
تشير الوقائع والأحداث الجارية إلى أن الاستهدافات الإيرانية في النزاع القائم لم تقتصر على المنشآت العسكرية أو المواقع ذات الطبيعة الأمنية، بل امتدت في مناسبات مختلفة لتشمل أهدافا مدنية وبنى تحتية حيوية. ويُعد مطار الكويت الدولي مثالا بارزا على ذلك، إذ تعرض للاستهداف ثلاث مرات، إلى جانب منشآت مدنية وحيوية أخرى. الأمر الذي يؤكد أن الحسابات الإيرانية لا تقوم دائما على التمييز التقليدي بين الأهداف المدنية والعسكرية، بل تنظر أحيانا إلى المنشآت المدنية باعتبارها وسيلة لتحقيق أهداف سياسية وإعلامية ونفسية قد تفوق في تأثيرها استهداف المواقع العسكرية.
فالمتابع للعلاقة بين إيران ودول الخليج يلاحظ أن طهران لم تعتمد فقط على أدوات القوة الصلبة، وإنما سعت كذلك إلى بناء شبكات نفوذ سياسية وأمنية واجتماعية داخل عدد من المجتمعات الخليجية وحتى العربية. وقد شهدت الكويت والبحرين على وجه الخصوص حالات متكررة أعلنت فيها الأجهزة الأمنية عن ضبط خلايا مرتبطة بـ"الحرس الثوري" الإيراني أو متعاطفة معه. وهذه الوقائع ليست جديدة أو طارئة، بل تمتد جذورها إلى عقود مضت، الأمر الذي يشير إلى وجود رؤية استراتيجية إيرانية تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة إلى محاولة خلق أدوات تأثير طويلة المدى داخل المجتمعات الخليجية المستهدفة.


