"بلد متنقل" لعبد الهادي سعدون والنجاة عبر الحكاية

المنفى وطن آخر للذاكرة

"بلد متنقل" لعبد الهادي سعدون والنجاة عبر الحكاية

اشتغل الكاتب العراقي عبد الهادي سعدون عبر تجربته السردية والشعرية على استحضار التفاصيل الصغيرة التي تصنع حيوات البشر، مانحا شخصياته حساسية إنسانية عالية، وقدرة على تحويل اليومي والعابر إلى مادة أدبية مشبعة بالتأمل والمرارة والسخرية، حيث تتقاطع في أعماله خبرة الرحيل مع انشغال دائم بفكرة الهوية، وأثر الأمكنة الأولى في تشكيل الوعي واللغة والعلاقات. لذلك تأتي نصوصه مشحونة بإيقاع المدن البعيدة، وبصور العراقي الذي يعبر الأزمنة والأمكنة حاملا ذاكرته فوق كتفيه.

تتحرك المجموعة القصصية "بلد متنقل"، الصادرة عن "دار سامح" في السويد (2026)، داخل مساحة سردية تتوزع بين بغداد ومدريد ومدن أخرى، غير أن الأمكنة جميعها تبدو امتدادا لمركز واحد: العراق بوصفه ذاكرة وجرحا وصوتا داخليا يرافق الشخصيات في تنقلها الدائم، إذ يغدو عضوا ملتصقا بالجسد، ينتقل مع الإنسان أينما ارتحل.

تتسم قصص المجموعة بقدرتها على إنتاج شكل سردي مفتوح، إذ يمكن قراءتها بوصفها قصصا مستقلة ذات أجواء متقاربة، كما يمكن التعامل معها كرواية مفككة تقوم على وحدة الشعور والمنفى والذاكرة، وهو ما يمنح النصوص تماسكا داخليا يتجاوز الحدود المألوفة للفصل بين الأجناس الأدبية. فالحكايات هنا تتجاور كما تتجاور محطات الرحيل في ذاكرة المنفي. كل قصة تحمل أثر الأخرى، وكل شخصية تبدو امتدادا لشخصية سبقتها أو ستأتي بعدها.

يمضي الكاتب بعيدا في تفكيك مفهوم المنفى، فيبدو حالة ذهنية مستمرة يعيشها الفرد حتى داخل أكثر المدن أمنا وهدوءا. لذلك تظهر مدريد مثقلة بأطياف بغداد، وتتحول شوارعها إلى أمكنة تتسرب إليها أسماء عراقية ووجوه قديمة وروائح بعيدة.

تسير الشخصيات في المدن الأوروبية بأقدامها، غير أن أرواحها تبقى معلقة في الأزقة التي خرجت منها يوما تحت ضغط الحرب أو الخوف أو الانهيار. وتتجسد هذه الفكرة في قصة "بلد متنقل" بصورة رمزية. فالهاتف المحمول الذي ينقل الناس من بغداد إلى مدريد يتحول إلى استعارة كبرى عن الهجرة الحديثة، وعن ذلك الخيط الخفي الذي يبقي المدن متداخلة داخل روح المهاجر. وتتحول التكنولوجيا إلى باب عجائبي يبتلع المسافات، غير أن النتيجة لا تمنح خلاصا كاملا، لأن المدينة التي هرب منها البطل تبدأ بملاحقته داخل المدينة الجديدة، إذ تصل بغداد إليه بأصواتها ووجوهها وضجيجها وذكرياتها الثقيلة، وكأن المنفى نفسه يعجز عن توفير قطيعة حقيقية مع الماضي. يقول: "في المرة الأخيرة وأنا وسط بوابة الشمس في مدريد بحثا عن الشمس أو ما يشبهها، ما إن رمشت بعيني طردا للغبار، مثلا- وفتحتهما ثانية، حتى رأيت واجهة البلدية تتغير معالمها وتختفي ألوانها وأعلامها وزخرفتها الهندسية التي تعود للقرن الثامن عشر وتحل محلها ما يشبه طاولة حجرية عملاقة كتب تحتها على قطعة من الحديد: نصب الحرية".

يبتعد عن النبرة الرثائية المباشرة، ويختار بدلا منها لغة مشبعة بالمفارقة والتهكم الأسود

يكشف هذا المشهد كيفية تبدل الأمكنة داخل عين المنفي، ويصبح الواقع هشا أمام قوة الذاكرة، إذ تختفي مدريد للحظة لتحل محلها بغداد، وكأن الزمن الشخصي أقوى من الجغرافيا الفعلية.

غلاف "سُعال كلب"

يكتب عبد الهادي سعدون عن الحروب والمنفى والاقتلاع، غير أنه يبتعد عن النبرة الرثائية المباشرة، ويختار بدلا منها لغة مشبعة بالمفارقة والتهكم الأسود، مما يمنح نصوصه طاقة حيوية ويمنعها من السقوط في الإنشاء العاطفي.

تمتلك السخرية عنده وظيفة مزدوجة، فهي من جهة وسيلة لمقاومة الفقد، ومن جهة أخرى طريقة للكشف عن عبث العالم، ولذلك تبدو شخصياته معلقة دائما بين الضحك والانكسار، حتى أكثر اللحظات مأسوية تتسلل إليها نبرة خفيفة تجعل القارئ يشعر بأن الإنسان لا يزال قادرا على النجاة عبر الحكاية نفسها.

في قصة "نصيحة وتنشتاين" يتحول العجز عن الكتابة إلى مادة ساخرة تكشف أزمة الكاتب المنفي وعلاقته باللغة والواقع، إذ يفكر السارد في الكتابة الصوتية، ويخترع حلولا غرائبية لإنقاذ نصوصه، ثم تنتهي الرواية كلها إلى أرشيفات فارغة لا تحتوي سوى طنين يشبه صوت حشرة. المفارقة هنا تتجاوز حدود الطرافة لتصبح تعبيرا عن شعور عميق بالضياع، وكأن التجربة الإنسانية نفسها تتبخر قبل أن تصل إلى الورق.

الحكاية كبديل من الوطن

تحتل الحكاية في هذه المجموعة مكانة مركزية تتجاوز دورها السردي المألوف. فالشخصيات تروي لأنها تخشى الاختفاء، وتحكي لأنها تدرك أن الحكاية هي الشكل الوحيد الممكن لحفظ الذاكرة. لهذا، تتكرر صورة الحكواتي والمنصت والسارد، إذ تعلن المجموعة منذ الإهداء والاستشهادات الأولى، انحيازها لفكرة الحكي بوصفه فعلا وجوديا. ففي افتتاحية "توستالا" يظهر الحكواتي الحر الذي يضيف ويحذف ويعيد تشكيل القصص كما يشاء، وكأن عبد الهادي سعدون يقدم عبره بيانا غير مباشر لفلسفته السردية: "الحكايات لا تنضب، قال توستالا، الحكايات تتجدد في كل أمسية".

توجز هذه الجملة جوهر قصص المجموعة، فالحياة مهما امتلأت بالموت والخراب، تظل قادرة على الاستمرار عبر الحكي. لذلك تتحول القصص إلى نوع من النجاة الرمزية، ويغدو السارد حارسا لذاكرة جماعية يخشى عليها من التآكل.

تشتغل المجموعة بكثافة على فكرة الهوية الهاربة والمتغيرة، فكثير من الشخصيات تحمل أسماء زائفة أو جنسيات منتحلة أو سيرا قابلة للتبديل، فالمنفى هنا لا يقتلع الإنسان من مكانه فقط، وإنما يعيد تشكيل صورته عن نفسه أيضا. لذلك يظهر العراقي في هذه النصوص كائنا متعدد الوجوه، يعيش داخل سلسلة من التحولات المستمرة كي يتمكن من النجاة.

في قصة "حكاية الرجل الذي قص علي حكاية يعتقد أنها تهمني"، تبدو الهوية لعبة مؤلمة، فالرجل الذي يبدل أسماءه وجنسياته يكتشف في النهاية أن الذات نفسها أصبحت قابلة للتآكل. فهو يختبئ من الموت عبر الانتحال، غير أن هذا الاختباء يقوده إلى فقدان ملامحه الأصلية، وهنا تتجلى براعة الكاتب في تحويل التجربة السياسية إلى سؤال وجودي عميق، إذ يغدو المنفى امتحانا لمعنى الفرد نفسه.

يظهر العراقي في هذه النصوص كائنا متعدد الوجوه، يعيش داخل سلسلة من التحولات المستمرة كي يتمكن من النجاة

كما أن الحكايات داخل هذه القصة تتداخل بطريقة مراوغة، بحيث يصبح من الصعب الفصل بين الراوي والشخصية والمؤلف. الجميع يسرق حكايات الجميع، والجميع يعيد سرد الألم بصيغ مختلفة، وكأن الكاتب يريد القول إن مآسي العراقيين المتناثرين في المنافي باتت متشابهة إلى حد يصعب معه تمييز الحدود الفردية بينها.

تبقى بغداد الشخصية الأكثر حضورا في المجموعة على الرغم من تعدد الأمكنة، فالمدينة تظهر كطيف دائم وكمرآة داخلية تنعكس على كل شيء، حتى حين تغيب جغرافيا، تبقى لغتها وأصواتها وشوارعها حاضرة في وعي الشخصيات.

 Facebook-Abdul Hadi Sadoun
الشاعر والمترجم والروائي العراقي عبد الهادي سعدون

تطارد بغداد أبناءها أينما ذهبوا، لذلك تتكرر صور المقاهي القديمة والأحياء والجنود والباعة وأصوات الحرب والوجوه المنهكة. غير أن الكاتب يتجنب تحويل المدينة إلى رمز بكائي مجرد، فهو يكتبها بكل تناقضاتها، بكل قسوتها وحميميتها معا. تتجسد هذه العلاقة الملتبسة مع الوطن بوضوح في قصة "مأتم عراقي"، اذ يعلن السارد رغبته في الانقطاع عن أخبار العراق، ويحاول الابتعاد عن العراقيين أنفسهم، غير أن الموت يعيده إلى الجماعة التي هرب منها. فيتحول المأتم إلى لحظة استعادة جماعية للمنفى والذاكرة والهوية، وكأن العراقي يظل مربوطا بخيط خفي إلى أبناء بلده مهما حاول الابتعاد.

.

  AHMAD AL-RUBAYE / AFP
نقش آشوري حجري معروض في المتحف الوطني العراقي في بغداد، 2025

الواقعي والمتخيل في سياق واحد

تتأسس قصص المجموعة على المزج بين الواقعي والعجائبي، فالهاتف الذي ينقل البشر بين البلدان، والمدن التي تتحول فجأة إلى بغداد، والنصوص الصوتية التي تختفي، والشخصيات التي تراوغ الموت لعقود، كلها عناصر تمنح السرد طابعا غرائبيا، غير أن هذا الغرائبي يبقى متصلا بواقع سياسي ونفسي شديد القسوة.

هذا التداخل يجعل النصوص أقرب إلى حلم طويل أو كابوس متقطع، حيث تتجاور التفاصيل اليومية العادية مع أحداث تبدو خارقة. غير أن القارئ يتقبل هذه العناصر بسبب قوة البناء النفسي والرمزي، فالغرائبي هنا أداة للكشف عن واقع تجاوز منطقه الطبيعي بفعل الحروب والهجرة والانهيارات المتتالية.

تمتلك لغة عبد الهادي سعدون خصوصية واضحة داخل المجموعة، إذ تتحرك بخفة وإيقاع مرن يتيح لها الانتقال من التهكم إلى الحزن بسلاسة عالية، بينما تبدو الجملة السردية في كثير من المقاطع قريبة من حديث يومي عابر، ثم تنفتح فجأة على تأمل وجودي عميق يكشف طبقات الشخصيات الداخلية وهواجسها الخفية. ومن خلال هذه المرونة يكتسب النص حيوية لافتة، ويشعر القارئ بأنه يجلس في مواجهة راو حي يروي حكايته مباشرة بكل ما تحمله من حرارة وصدق.

غلاف "بلد متنقل"

ويوظف الكاتب أيضا اللهجة والتعابير الشعبية داخل النسيج السردي بصورة منسجمة مع البناء العام للنص، الأمر الذي يمنح الشخصيات حضورها الإنساني المقنع. فالشخصيات العراقية تتحدث بلغتها الخاصة، وتحمل معها نبرة الأمكنة التي خرجت منها وإيقاعها اليومي، مما يعزز حضور بغداد في النص حتى في اللحظات التي تنتقل فيها الأحداث إلى مدريد أو إلى مدن أخرى.

الأمكنة تتجاوز دور الخلفية السردية لتتحول إلى كيانات حسية نابضة، تتحرك مع الشخصيات، وتتغير ملامحها تبعا لتحولات الذاكرة

وتتجلى قوة اللغة كذلك في كثافتها التصويرية، ولا سيما عند رسم التحولات النفسية والمكانية، فالأمكنة عند الكاتب تتجاوز دور الخلفية السردية لتتحول إلى كيانات حسية نابضة، تتحرك مع الشخصيات، وتتغير ملامحها تبعا لتحولات الذاكرة وما يعتريها من انكسارات وحنين.

عالم مليء بالخسارات

تنتمي الشخصيات في "بلد متنقل" إلى عالم مليء بالخسارات، غير أنها تمتلك قدرة مذهلة على الاستمرار. الجميع هنا ناجون بطريقة ما: ناجون من الحرب، ومن المنافي، ومن الفقر، ومن العزلة، ومن الموت ذاته. غير أن النجاة لا تمنحهم الطمأنينة، وإنما تدفعهم إلى مزيد من الترحال الداخلي.

الرجل الذي يهرب من الموت في إحدى القصص يتحول إلى صورة رمزية لجيل كامل عاش تحت وطأة الحروب المتعاقبة، فتغدو النجاة مهمة يومية، ويعتاد الإنسان مطاردة الخطر حتى بعد اختفائه، لذلك يبدو الأبطال مرهقين من ذاكرتهم أكثر من تعبهم من الحاضر.

font change