بريطانيا... هل يطيح الصعود المتسارع لآندي بورنهام بكير ستارمر؟

عمدة مانشستر السابق يعود إلى البرلمان

أ ب
أ ب
مرشح "حزب العمال" البريطاني آندي بورنهام يتحدث إلى أنصاره بعد الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد في أشتون، ماكرفيلد، إنجلترا، يوم الجمعة 19 يونيو 2026

بريطانيا... هل يطيح الصعود المتسارع لآندي بورنهام بكير ستارمر؟

تعيش السياسة البريطانية أياما لافتة، وما حدث في دائرة "ميكرفيلد" يختصر الكثير من ملامحها. للوهلة الأولى، لم تكن الانتخابات الفرعية هناك سوى اقتراع عادي يغير هوية النائب عن دائرة واحدة. غير أن هذه الدائرة لم تكن عادية، ولا كان التغيير فيها عاديا. فبعد حصوله على أكثر من نصف الأصوات، ونجاحه في إحباط تقدم "حزب ريفورم"، أظهر آندي بورنهام أن وضع "حزب العمال" لم يبلغ حد اليأس.

بعد تسعة أعوام من الغياب عن وستمنستر، يعود بورنهام، عمدة مانشستر السابق واسع الشعبية، إلى البرلمان. وكانت محاولته السابقة للترشح قد تعثرت في ظل الحكومة الحالية برئاسة السير كير ستارمر، بعدما حال الجهاز التنفيذي في الحزب دون ترشيحه، في وقت كانت شعبية رئيس الوزراء تتراجع على نحو متسارع. واحتاج الأمر إلى استقالة النائب جوش سايمونز من مقعده في دائرة ميكرفيلد، بمنطقة ويغان في مانشستر الكبرى، كي تتاح لبورنهام فرصة ثانية.

كانت لدى بورنهام ورقة قوة أساسية، هي الاحترام الذي يحظى به محليا. أما ما كان يعمل ضده، فهو السجل الانتخابي الأخير للدائرة. فالقضية الطاغية في السياسة البريطانية اليوم هي صعود اليمين، ممثلا في "حزب ريفورم يو كيه" بزعامة نايجل فاراج، وفي حركة "ريستور بريتن" المنشقة بقيادة روبرت لو. وفي الانتخابات المحلية التي جرت في مايو/أيار، تلقى "حزب العمال" هزيمة قاسية على يد "ريفورم"، ولم يخرج ناخبو ميكرفيلد عن هذا الاتجاه. وبالنسبة إلى حكومة لم يمض على فوزها الكاسح عامان، كانت تلك لحظة خطر حقيقية، بلغت فيها الدعوات إلى رحيل ستارمر ذروتها.

كان وزير الصحة، ويس ستريتنغ، أول من غادر الحكومة. وقبل أيام قليلة فقط، لحق به وزير الدفاع جون هيلي. وقد شهدت بريطانيا هذا النمط من قبل، وخصوصا حين بدأت السلطة تنحسر عن بوريس جونسون. فمتى أخذت الأسئلة تدور حول قدرة رئيس الوزراء على البقاء، لا يطول الوقت قبل أن تتسع دائرة التشكيك. ومنذ أسابيع، وجد كير ستارمر نفسه في هذا الموقع الصعب. وهناك تضارب في الخيار الذي سيلجأ إليه ستارمر خلال الساعات القليلة المقبلة، فبينما ذكرت أنباء أنَّه من المتوقع أن يستقيل من منصبه، غدا الاثنين، ويُحدّد إطارا زمنيا لرحيله، قال مصدر حكومي إن ستارمر لا يزال يركز على المضي قدماً في مهام الحكم.

فمن هو آندي بورنهام، ولماذا تكتسب عودته إلى البرلمان كل هذه الأهمية؟

الرسالة المركزية في حملة بورنهام هي ميكرفيلد نفسها. ففي مخاطبة ذكية للناخبين المحليين، أوضح أن معياره للحكم بسيط: أن لا تمضي الحكومة إلا في السياسات التي تحسّن حياة أناس يشبهون ناخبيه

لفهم ذلك، ينبغي أولا التوقف عند الجغرافيا السياسية لبريطانيا. والاختزال المألوف هنا هو الانقسام بين الشمال والجنوب، وهو انقسام غالبا ما يرد إلى عهد مارغريت تاتشر. وهذا، بالتأكيد، هو تشخيص بورنهام نفسه. فقد تحدث مرارا عن الإرث القاسي لتاتشر: الخصخصة، والهجوم على نفوذ النقابات العمالية، والطريقة التي بدت فيها قراراتها منحازة إلى الجنوب على حساب القلب الصناعي المتراجع في الشمال. وقد أصبحت هذه الموضوعات مألوفة إلى حد يكاد يوازي شيوع الحديث عن الانقسام نفسه.

ما يبدو أن بورنهام يقدمه، بلكنته الشمالية التي لا تخطئها الأذن، هو بالضبط ما سماه بوريس جونسون ذات يوم "الارتقاء بالمناطق المهمشة"، وأخفقت حكومته المحافظة في الوفاء به. فقد ظل الشمال يعاني تراجعا نسبيا، فيما بقيت الثروة والنفوذ السياسي متركزين في لندن والجنوب الأكثر ازدهارا. ومن هنا اكتسب لقب "ملك الشمال"، الذي أُطلق على عمدة مانشستر السابق، دلالته الخاصة؛ فهو لا يعبر فقط عن شعبية محلية، بل عن النظر إليه زعيما قادرا على تمثيل المناطق التي شعرت طويلا بأنها تُركت خلف الركب. ولهذا بات بورنهام، في نظر كثيرين داخل "حزب العمال"، الأمل الجدي الأخير في قلب هذا المسار وإعادة التوازن إلى البلاد.

أ ف ب
يصل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (يمين) برفقة وزير العدل البريطاني ونائب رئيس الوزراء ديفيد لامي (يسار) في زيارة إلى مشروع سكني في شمال غرب لندن في 19 يونيو 2026

وليست لكنة بورنهام الشمالية افتعالا. فقد وُلد على بعد أميال قليلة من ميكرفيلد، ولم يقطع صلته بالمنطقة يوما. وقد احتفت حملته بـ"السياسة المانشسترية"، التي يرمز إليها إحياؤه النقل المحلي عبر تعاون بين القطاعين العام والخاص، كما استمدت شيئا من حيويتها من المشهد الموسيقي في المدينة. فمانشستر، ثالث مدن بريطانيا، قامت على ثروات الثورة الصناعية، ولا يزال هذا الإرث باديا في فخامة عمارتها المدنية. غير أن انتقال رأس المال إلى أماكن أخرى جعل سكان المدينة يدفعون الثمن. وعندما يتحدث بورنهام عن إعادة التصنيع، قد تبدو لغته مشوبة بحنين يشبه ذائقته الموسيقية. وحتى نجاح فرق مثل "أويسيس" (واحدة من أشهر فرق الروك البريطانية) لم يكن كافيا لمحو الشعور الأعمق بأن المدينة تُركت خلف الركب.

غير أن الرسالة المركزية في حملة بورنهام بقيت ميكرفيلد نفسها. ففي مخاطبة ذكية للناخبين المحليين، أوضح أن معياره للحكم بسيط: أن لا تمضي الحكومة إلا في السياسات التي تحسّن حياة أناس يشبهون ناخبيه.

وقال: "سنأخذ طاقة هذه الحملة ونحملها إلى الأمام من أجل تغيير السياسة البريطانية نحو الأفضل، وجعل هذا الجزء من البلاد، إن شئتم، اختبار ميكرفيلد، في قلب السياسة البريطانية. وعندما تُطرح السياسات، فإن لم تكن صالحة للناس هنا [...]، وإن لم ترفعهم، فلا ينبغي أن تمضي أصلا."

ويبقى أن نرى ما إذا كان بورنهام سيظل متمسكا بعبارة "اختبار ميكرفيلد" بعد عودته إلى لندن. إذ لا يصعب عادة على السياسيين التخلي عن شعارات الحملات الانتخابية، لكن الأصعب هو التخلي عن القناعة بأن المحلي ينبغي أن يتقدم على الوطني:

"لم تُحكم البلاد على هذا الأساس من قبل. أماكن كهذه ظلت غالبا في الهامش. لقد تجاهلت وستمنستر مجتمعات هذه الدائرة... سأعمل على أساس المكان أولا، لا الحزب أولا."

حجم انتصار بورنهام يغير ميزان القوة بين الرجلين، ومعسكر بورنهام يقول الآن علنا، وإن بتهذيب، إنه يريد من ستارمر أن يقبل جدولا زمنيا لتسليم السلطة إلى عمدة ميكرفيلد الجديد

لو صدر هذا الكلام عن مرشح فائز عادي، لما بدا لافتا إلى هذا الحد. فالنواب يذكرون ناخبيهم عادة حين ينهضون للكلام في مجلس العموم. غير أن ما يميز هذه الحالة أن قلة من الناس صدقت أن بورنهام كان يطمح إلى العودة إلى وستمنستر لمجرد أن يصبح نائبا عاديا في الصفوف الخلفية. فقد كان طموحه إلى خلافة رئيس الوزراء واضحا للجميع، بمن فيهم الذين صوتوا له. وبهذا المعنى، تحولت هذه المنافسة، عمليا، إلى استفتاء على عهد كير ستارمر في الحكم.

أ ب
أندي بورنهام، مرشح "حزب العمال" البريطاني عن دائرة ماكرفيلد، يشير بيده أمام أنصاره خلال الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد، إنجلترا، يوم الخميس 18 يونيو 2026

جاءت انتخابات مايو/أيار، ومعها تصاعد القلق من الهجرة وصعود الأحزاب اليمينية، لتكشف لكثيرين في اليسار حقيقة مقلقة: الفوز الكاسح لم يكن كافيا في حد ذاته. فالبلاد تعيش شعورا عميقا بخيبة الأمل. وفي هذا السياق، منح سجل بورنهام في مانشستر الرجل سمعة رجل قادر على الإنجاز، في تباين حاد مع تراجعات ستارمر المتكررة وغياب أهداف سياسية واضحة. فمنذ صعوده، عجز ستارمر عن وقف الانزلاق نحو التطرف السياسي، يمينا ويسارا، ومعه خطر المضي- كما حذر بورنهام- في طريق "نحو مزيد من العتمة والانقسام، والانتهاء إلى مكان يشبه الولايات المتحدة الأميركية، حيث لا يتحدث الناس بعضهم إلى بعض في الشارع إذا اختلفوا في التصويت، أو في مكان العمل. لن نسمح بحدوث ذلك هنا. سنعيد جمع الناس من جديد."

ولا يكاد التوقيت يكون أفضل من ذلك. فالمنتخب الإنجليزي يواصل، حتى الآن، مسيرة جيدة في كأس العالم، وأعلام القديس جورج ترفرف في أنحاء البلاد، ليس هذه المرة بوصفها إشارة تهديد لمن يُنظر إليهم كغرباء، بل بوصفهم رمزا للوحدة. وهدف بورنهام هو أن يساعد بريطانيا على التصالح مع نفسها من جديد. غير أن ساكن الرقم 10 الحالي لا ينوي تمهيد الطريق لبورنهام، ولا لأي منافس آخر. ومع ذلك، وكما لاحظ أحد معلقي "الغارديان": "إن حجم انتصار بورنهام يغير ميزان القوة بين الرجلين، ومعسكر بورنهام يقول الآن علنا، وإن بتهذيب، إنه يريد من ستارمر أن يقبل جدولا زمنيا لتسليم السلطة إلى عمدة ميكرفيلد الجديد."

كان يقصد، بالطبع، نائب ميكرفيلد. وهو خطأ يسهل التسامح معه. ففي الأسابيع والأشهر المقبلة، قد نجد جميعا صعوبة في مجاراة صعود آندي بورنهام.

font change