بريطانيا... الشهرة تطرق أبواب مواطني ميكرفيلد الصالحين

من الآن وحتى منتصف يونيو... لن يجدوا مكانا يختبئون فيه

رويترز
رويترز
عمدة مانشستر الكبرى آندي برنهام المرشح عن حزب العمال بين مؤيديه اثناء حملة الانتخابات الفرعية في ميكرفيلد في 22 مايو

بريطانيا... الشهرة تطرق أبواب مواطني ميكرفيلد الصالحين

بعد أحداث هزيمة "حزب العمال" في الانتخابات المحلية وما لحق بسلطة كير ستارمر من ضرر، يمكن القول إن البلاد تقترب من لحظة كبرى في تاريخها. غير أن هذه اللحظة، خلافا لكثير من محطات الماضي، لن تكون تتويجا ملكيا أو جنازة عاهل. فهذا الحدث التاريخي لن يحظى بكل ذلك الصخب والاستعراض والمواكب التي اعتادت عليها لندن.

والواقع أنه لن يقع في لندن أصلا، وإنما في مكان لم يكن قد سمع به، حتى هذا الأسبوع، سوى من يعيشون فيه، اسمه ميكرفيلد، ويقع في مكان ما على أطراف مانشستر. بالطبع، كانت ميكرفيلد هناك طوال الوقت، ولم تكن غافلة عن بلد كان غافلا عن وجودها. كل ما في الأمر أنها أجرت انتخاباتها المحلية الخاصة.

شهدت الانتخابات المحلية في السابع من مايو/أيار، تقدما كبيرا للأحزاب الصغيرة، "الخضر" و"حزب الإصلاح" البريطاني، بينما تعرض حزبا "العمال" و"المحافظين" لرفض واسع في مساحات شاسعة من المملكة المتحدة. ففي ويلز، رفض الناخبون "حزب العمال"، بعد عقود من الهيمنة، وفضلوا عليه "حزب بلايد كامري". وفي اسكتلندا، احتفظ القوميون بالسلطة رغم هيمنتهم الطويلة والمضطربة. أما في إنكلترا، ولا سيما في الشمال، فتلقى "حزب العمال" ضربات موجعة من اليسار واليمين معا.

وفي ميكرفيلد، التي لم تكن معروفة تقريبا حتى وقت قريب، ذهب كل جناح انتخابي إلى "حزب الإصلاح". فقد تحدى سكان ميكرفيلد، الذين كانوا يوما أوفياء لحركة العمال، العرف الموروث، وصوتوا لحزب يميني يقوده نايجل فاراج، تعززت صفوفه أخيرا بانضمام عدد من نواب "المحافظين" الساخطين.

هل كانت الانتخابات المحلية في أي وقت أشد وقعا على الحزب الحاكم؟ حتى الآن، ألقت هذه الانتخابات بذلك الحزب في ما يشبه حربا أهلية، ويبدو أنها أصابت رئيس وزرائه إصابة قاتلة سياسيا. والجدير بالتأمل أن أمرا كهذا لم يحدث لـ"حزب العمال" من قبل. فالإطاحة بالزعماء وهم في السلطة ظلت تقليدا محافظا خالصا.

لا توجد، حرفيا، سابقة لما جرى خلال الأسابيع الماضية. فالسير كير ستارمر لم يُكمل في منصبه العامين بعد. لقد وصل إلى الحكم بأغلبية كاسحة بعدما اعتمد تكتيكا يقوم على السير بحذر شديد، وكأنه يحمل مزهرية ثمينة من أسرة مينغ بين يديه الآمنتين ويمشي على أرضية ملساء. كان يمكن أن يكون فرط الحذر شعاره السياسي.

لكن حكومته أظهرت، منذ البداية، افتقارا إلى هذا الحذر. فقد حاصرتها مشكلات كثيرة، من الهدايا المجانية التي قدمها أحد الأثرياء من أعضاء مجلس اللوردات، إلى التراجعات المتكررة، والنمو الاقتصادي الهزيل. أضيف إلى ذلك أداء باهت لرئيس الوزراء، واتصال سياسي رديء، والأسوأ من ذلك كله، اختيار كارثي لمنصب السفير في واشنطن. ولفترة من الوقت، قفزت فضيحة إبستين كلها فوق الأطلسي متجسدة في اللورد ماندلسون. وإذا كان ستارمر قد نجح في إبقاء المزهرية سليمة حتى بلغ داونينغ ستريت، فإنه أسقطها بقرار تعيين واحد سيئ التقدير.

ثم جاءت الانتخابات المحلية، التي تعامل معها كثير من الناخبين بوصفها فرصة لإنزال عقاب مستحق بحكومة أدمنت خيبات الأمل. كانت كارثة معلنة سلفا. لم يشك أحد في أن "حزب العمال" سيتلقى ضربة موجعة. أما المفاجئ فكان ما أعقبها. فخلال أيام بدأت الأحاديث تدور حول قدرة ستارمر على النجاة. وألقى خطابا كان يفترض أن يحسم مصير رئاسته للحكومة، فجاء مثقلا بذلك الترهل الذي كان البلد قد رد عليه للتو بازدراء، وبالكاد حمل أي سياسة جديدة.

بدأت طيور الجيفة تحوم. وتريث معظمها بالقدر الذي يتيح للملك إلقاء الخطاب الذي يرسم أجندة البرلمان المقبل. في بريطانيا، حتى هذه الطيور تحترم اللياقة الدستورية، إلى حد ما. لكن ما إن غادر الملك في عربته المذهبة حتى بدا كأن ضبط النفس لم يعد ممكنا، إذ صار عبق الجيفة أقوى من أن يتجاهلوه.

وحين تقرر عقد اجتماع للحكومة لمناقشة الوضع، اصطف المعلقون ومذيعو قنوات الأخبار في "داونينغ ستريت". وما إن يظهر وزير حتى يبدأوا بالصراخ بالأسئلة، ويواصلوا الصراخ إلى أن يتمكن الوزير المرتبك من الانزلاق عبر عتبة الرقم عشرة: "هل هذه نهاية رئيس الوزراء، سيد لامي؟"، "هل بدأت تجهز مكتبك في داونينغ ستريت يا سيد ستريتينغ؟". وحين نجحت رايتشل ريفز، وزيرة الخزانة، بطريقة ما في تفادي هذا القصف، واسوا أنفسهم بفكرة أنهم سيتركونها للتحلية. وكانت بيث ريغبي من "سكاي نيوز" توقف تحليلها كلما ظهر وزير آخر، وتبدأ بالصراخ مع بقية الصحافيين. ثم علقت قائلة: "سيظن الناس أننا مجانين".

بدأت طيور الجيفة تحوم. وتريث معظمها بالقدر الذي يتيح للملك إلقاء الخطاب الذي يرسم أجندة البرلمان المقبل

وعندما اقترب بعض الوزراء من الصحافيين في ختام اجتماع الحكومة ليرددوا عباراتهم المحفوظة، خبا الحماس في الحال. فلنكن صريحين، إن إسقاط رئيس وزراء اتخذ من البلادة سمة لأدائه لا يبدو في الواقع مثيرا كما يوحي به على الورق. وبينما كان الصحافيون يلتفون حول الوزراء، تذكرت حوارا جمع روبرت سميث، المغني الرئيس لفرقة الروك البريطانية "ذا كيور" بوجهه الشاحب، بمحاورة حادة الصوت في حفل جوائز. اقتحمت المسرح صارخة: "هل أنت متحمس مثلي؟"، فرد عليها بجفاف: "حسنا، من نبرة صوتك، لا."
وهكذا هو حال "حزب العمال" الحديث، مهما ارتفعت أصوات المعلقين، فلن يستطيعوا أن ينفخوا فيه علامة حياة. وبدلا من ذلك يواصلون الشكوى من أن وستمنستر شرنقة وفقاعة وغرفة صدى معزولة عن الجمهور، فيما يقيمون هم أنفسهم داخل شرنقة وفقاعة وغرفة صدى تخصهم. تضج الاستوديوهات بأحاديث متحمسة عن مرشحي الاختبار، وعن أسماء المتسابقين وحظوظهم، وعن اليسار الناعم في مقابل اليسار الصلب، وعما إذا كانت المشكلة كلها مسألة اتصالات، أم إننا نشهد نهاية نظام الحزبين كما عرفناه. مادة لا تنتهي للمعلقين.
ويبقى لعجوز مفسد للمتعة مثل المعلق الشهير أندرو نيل أن يصف هذا بأنه وصول السياسة البريطانية إلى أقصى درجات العبث، وأن يحتج بأننا جميعا عالقون في التفافات بيروقراطية بيزنطية داخل الحزب الحاكم. ولعله على ذلك في حق، فأساليب "حزب العمال" في إدارة حربه الأهلية معقدة إلى حد مخيف. غير أن ذلك لم يكن يوما مشكلة للمعلقين الحقيقيين، الذين لو عاشوا في سالف الزمان لكانوا وجدوا متعتهم في الخلافات اللاهوتية في بيزنطة.

رويترز
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع السفير البريطاني السابق الى الولايات المتحدة بيتر ماندلسون في واشنطن في 26 فبراير

وفيما كانت المجادلات اللاهوتية تحتدم، كان الواقع يمضي مسرعا في طريقه. وبعد وقت قصير من مسابقة الصراخ تلك، وبينما كان المعلقون يغادرون المكان، أقدم وزير الصحة على خطوته. لم تكن الضربة القاضية التي توقعها بعضهم، والتي مهدت لها استقالات حلفائه. كانت استقالة، وانتهى الأمر. وبسبب القواعد البيزنطية، يحتاج أي متحدٍ إلى تأييد نحو ثمانين عضوا من الكتلة البرلمانية لـ"حزب العمال". لم يكن ويس ستريتنغ يملك ذلك، فكتب بدلا من ذلك رسالة شديدة النقد إلى رئيسه، وصفه فيها، في الجوهر، بالفراغ، لكنه أوحى أيضا بأنه يريد إدراج منافسه الرئيس، آندي برنهام، على ورقة الاقتراع. هذا إذا جرت منافسة أصلا.
وبينما كانت النائبة السابقة لرئيس الوزراء أنغيلا راينر تسوي مشكلة صغيرة مع سلطات الضرائب بشأن ضريبة الدمغة، بدا أن هناك ثلاثة متنافسين رئيسين على منصب رئيس الوزراء. يجمعهم شعور بالإلحاح إزاء ضرورة استبدال زعيم فاشل، غير أنهم يختلفون كثيرا في السياسات. فـراينر مفضلة لدى الأعضاء، ولذلك تقف إلى يسار ستارمر بعض الشيء. أما ستريتينغ فينظر إليه عموما بوصفه يمينياً يجيد التواصل، لكنه مثقل بصلته ببيتر ماندلسون، وبشركة "بالانتير" في الآونة الأخيرة.
وهناك متنافسون محتملون آخرون. قد يظهر الوزير السابق إد ميليباند إذا ساءت الأمور بالنسبة إلى المرشحين اليساريين الآخرين، وإن كان بعيدا عن أن يكون رصاصة فضية لليسار، فقد سبق أن خسر الحزب انتخابات عامة عندما كان زعيما له. ثم هناك وزيرة الداخلية شبانة محمود، محبوبة اليمين، التي أسعدت السياسي المحافظ مايكل غوف. وبما أن غوف محافظ قديم، فلا رأي له في مسألة ترقيتها من منصب وزيرة الداخلية.
أما الشخصية الأهم حقا فهو آندي برنهام. فبصفته عمدة مانشستر الكبرى يتمتع بشعبية لا تستطيع إلا قلة في "حزب العمال" الحديث أن تدّعيها لنفسها، لكنه لم يعد بعد إلى البرلمان. وهنا يدخل المكان الذي لم يكن قد سمع به إلا سكانه. كي يعود برنهام إلى السياسة الوطنية، يحتاج إلى الفوز بمقعد، وبسرعة. ولفترة بدا من غير المرجح أن يجد مقعدا كهذا. كان يحتاج، في نهاية المطاف، إلى نائب حالي يتنحى. ثم عثر على مكان، مكان كان هو، على الأقل، قد سمع به، لأنه ولد على مرمى حجر منه، ميكرفيلد.

قد يكون الانتقام من تاتشر، وما أنزلته بالشمال من إنهاك، باهظ الكلفة. ففي 5 مايو، ذكرت "الغارديان" أن العائد على ديون الحكومة البريطانية لأجل عشر سنوات ارتفع بأكثر مما ارتفع في الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا

وكان النائب الحالي، جوش سايمونز، هو الرجل الذي خلف مورغان ماكسويني على رأس منظمة "ليبر توغيذر". وهناك قصة معقدة على نحو شيطاني يمكن روايتها عن تلك المنظمة. ولحسن حظي فقد رواها صحافيان بالفعل، أحدهما يدعى غابرييل بوغراند، في كتاب بعنوان "Get In" وباختصار شديد، يصف الكتاب الدسائس التي أوصلتنا جميعا إلى هذه الورطة.
وفي هامش من هوامش تلك الحبكة المتشابكة، استعان السيد سايمونز، على نحو غير موفق كما ذكرت "Private Eye"، بشركة علاقات عامة للتحقيق في مصادر تمويل منتقدي "ليبر توغيذر". واتهم التحقيق نفسه، الذي أجراه توم هاربر من شركة "APCO"، بالعمل لحساب روسيا، كما ألقى ظلالا من الشك على يهوديته. وبعبارة أخرى، كاد هاربر يعيد الحزب إلى قلب الجدل نفسه الذي كانت "ليبر توغيذر" قد أخرجته منه.
ونظرا إلى جسامة سوء التقدير الذي وقع فيه وكيل الوزارة البرلماني، هل يمكن أن يكون ستارمر قد أصيب بالذعر فضغط على سايمونز كي يستقيل، مضيفا إياه إلى قائمة طويلة من كباش الفداء الذين سقطوا من مواقعهم لحماية رئيس الوزراء؟ لا تزال التفاصيل ضبابية. كل ما نعرفه يقينا أن سايمونز استقال. غير أن السرعة التي عرض بها مقعده على برنهام توحي بأن رحيله كان مشوبا بقدر كبير من المرارة والضغائن.

رويترز
زعيم حزب الاصلاح نايجل فاراج خارج مركز انتخابي بعد ادلائه بصوته في الانتخابات المحلية في 7 مايو

هكذا، إذن، كان ذلك الزقاق الضيق والوضيع الذي قاد الطريق كله إلى ميكرفيلد عبر سلسلة من الإخفاقات والحسابات الصغيرة والمشاعر المسمومة. والمفارقة أن معاداة السامية القديمة، تلك الرذيلة نفسها التي كان ماكسويني قد عزم على تطهير الحزب منها، إلى جانب اشتراكيته، عادت لتطارد مشروع ستارمر.
وقد يكون المستفيد من الخلاف بين رئيس الوزراء ووكيل وزارته هو الرجل نفسه الذي حاول ستارمر عرقلة عودته بحجة أن العمدة ثمين جدا في الشمال. كانت تلك نسخة شبه حرفية من الذم بما يشبه المدح.
والحقيقة أن الجميع يعرفون أن برنهام هو سيد الكاريزما، ملك الشمال، وبطل أصحاب الكدح والعمل. فقد أعاد شبكة حافلات المدينة إلى السيطرة العامة. وإذا كان ثمة ما يلخص "مانشستريته"، فهو عكس مسار الخصخصة في كل المرافق العامة. قال لتوم ماكتاغ: "السيطرة العامة هي كل شيء."
والآن يريد المزيد: السيطرة على الإسكان، والطاقة، والمياه، والسكك الحديد، "أساسيات الحياة" كما يسميها. "لقد وصفت ما نفعله هنا بأنه تراجع عن إرث الثمانينات". هذا، إذن، هو آندي برنهام اليوم، "نقيض تاتشر، وانتقام الشمال" (نيو ستيتسمان، 24 سبتمبر 2025).
لكن ابن مانشستر الأشهر، قبل أي شيء آخر، رجل تواصل. ومن أبرز رسائله أن المملكة المتحدة ينبغي أن لا تكون "مرتهنة" لأسواق السندات. وبدلا من ذلك، وإلى جانب تأميم المرافق، ينبغي لحكومة عمالية أن تطلق برنامجا كبيرا لبناء المساكن البلدية، على أن يمول كله من خلال زيادة الضرائب على أصحاب الدخل الأعلى، وفرض رسم على المنازل الباهظة في لندن، واقتراض إضافي قدره 40 مليار جنيه إسترليني.
ومن علامات حساسية الأسواق أن خططا كهذه، صادرة عن عمدة مدينة كبرى، تسببت في ارتفاع العوائد في سوق ديون الحكومة البريطانية البالغة قيمتها تريليوني جنيه إسترليني. وحدث أمر مشابه عندما طرح برنهام نفسه مرشحا في الانتخابات الفرعية في غورتون ودنتون. في تلك المناسبة عرقلت اللجنة التنفيذية للحزب ترشيحه. وقد حرص ستارمر على ذلك.
وقد يكون الانتقام من تاتشر، وما أنزلته بالشمال من إنهاك، باهظ الكلفة. ففي 5 مايو/أيار، ذكرت "الغارديان" أن العائد على ديون الحكومة البريطانية لأجل عشر سنوات ارتفع بأكثر مما ارتفع في الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا ليتجاوز 5 في المئة، وهو أعلى مستوى منذ الأزمة المالية عام 2008، بعدما طالب المستثمرون بعائد أكبر لشراء الدين البريطاني. أما في الديون لأجل ثلاثين عاما، فقد صعد المعدل إلى أعلى مستوى منذ عام 1998.

يكفي القول إن وسائل الإعلام ستجد صعوبة أكبر بكثير في انتزاع اقتباس مفيد من أهل ميكرفيلد مما وجدته مع وزراء الحكومة. وسيكون مجرد فهم لهجتهم المحلية تحديا بحد ذاته

وإلى جانب شكواه من أن السياسة البريطانية بلغت حد الاختزال إلى العبث، تحدث أندرو نيل عن أن الانقسام المستمر داخل الحزب الحاكم بدأ بالفعل يجعل أسواق السندات مضطربة. فمنذ ليز تراس وميزانيتها المصغرة، صار كل معلق سياسي يراقب بعين يقظة مزاج الأسواق. وقد اضطربت حين ذرفت وزيرة الخزانة دمعة على المقعد الأمامي، بما أوحى بأنها على وشك الاستقالة. وقالت ريفز لاحقا إن الأمر شخصي، ولا علاقة له بأي مشكلات تواجهها في وزارة الخزانة. فهدأت الأسواق كما ينبغي.
ونظرا إلى آراء آندي برنهام في الأسواق، وإلى الظل الطويل الذي تلقيه السيدة الحديدية، فإن قرار ميكرفيلد بشأن من يمثلها في البرلمان يحمل تبعات هائلة لبريطانيا العظمى. لا ضغط، إذن.
كيف يشعر ناخبو ميكرفيلد إزاء احتمال أن تهبط على عتباتهم أكوام من غبار النجومية السياسية؟ استنادا إلى أولى مقابلات الشارع التي أدلوا بها، وسيكون عليهم أن يعتادوا الإدلاء بالمقابلات، يبدو أن عددا لا بأس به منهم سيميل إلى معاقبة "حزب العمال" بالتصويت لحزب فاراج. مرة أخرى. وللتذكير فقط، فقد صوتوا لـ"حزب الإصلاح" في كل جناح انتخابي داخل الدائرة، ولذلك لن يتطلب الأمر حتى صراعا مع ضميرهم الجمعي. وباستعارة مصطلح من عالم الصيد، لقد ذاقوا الدم.
واستنادا إلى مقابلات الشارع، ومن دون ادعاء العلمية، يمكن القول إنهم جماعة كثيرة التذمر. بدا أحد من أجريت معهم مقابلة عدائيا، لكن لعل هذا مجرد انطباع جنوبي رقيق العود. ولا يمكن لومهم كثيرا إذا أنّوا تحت وطأة الدور الذي ألقي على عاتقهم في السياسة الوطنية. ولا أحسد مندوبي برنهام الانتخابيين وهم يحاولون بيع فكرة أنه سيكون نائبا محليا رائعا منشغلا بحفر الطرق في دوائرهم. ومع ذلك، ففي الجانب المضيء من الصورة، إنها فرصة تاريخية ليظهروا لستارمر أي نوع من الـ[قل ما شئت هنا] يعتقدون أنه هو. هل يدعمون آندي نكاية في كير، أم يدعمون كير نكاية في آندي؟ إنه خيار صعب حقا.

أ ف ب
وزير الصحة البريطاني المستقيل ويس ستريتلينغ يصل الى مقر رئاسة الوزراء في داوننغ ستريت في 13 مايو

يكفي القول إن وسائل الإعلام ستجد صعوبة أكبر بكثير في انتزاع اقتباس مفيد من أهل ميكرفيلد مما وجدته مع وزراء الحكومة. وسيكون مجرد فهم لهجتهم المحلية تحديا بحد ذاته، لكنه تحد لا بد منه، إذ قد يكون الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما إذا كان محاورهم يتظاهر بالعدائية أم إنه على وشك أن يوجه ضربة رأس إلى فني الصوت.

بينما كانت النائبة السابقة لرئيس الوزراء أنغيلا راينر تسوي مشكلة صغيرة مع سلطات الضرائب بشأن ضريبة الدمغة، بدا أن هناك ثلاثة متنافسين رئيسين على منصب رئيس الوزراء

أمزح بالطبع. فأهل البلدة سيرتقون إلى مستوى اللحظة، كما يفعل البريطانيون دائما، بروح مرحة وخلق كريم. وهناك ما يدعو إلى الأمل في أن يصوتوا بهذه الروح أيضا، وليس فقط إذا كنت عضوا في نادي المعجبين بآندي برنهام. فالقرار الذي سيتخذونه سيكون محوريا على نحو لم تشهده أي انتخابات فرعية في تاريخ هذه الديمقراطية العتيقة. فإذا صوتوا لبرنهام فسيثبت ذلك قدرته على هزيمة "حزب الإصلاح"، وربما إنقاذ البلاد من سيناريو كابوسي يضع فاراج في "داونينغ ستريت" ويدفع البلاد إلى انقسامات لم تعرف لها مثيلا منذ عهد الملك تشارلز الأول.
أما إذا انتصر "حزب الإصلاح"، حسنا، عندها قد لا يكون ما ينتظر "حزب العمال" مجرد فترة قصيرة من الشلل تحت قيادة زعيم فاشل. قد تكون ثلاث سنوات طويلة في جناح المحكومين بالإعدام.
أيا يكن الخيار الذي سيحسمه مواطنو ميكرفيلد الصالحون، فسيكون ذا شأن كبير. إذا صوتوا لـ"حزب الإصلاح"، فلن تكون الأسواق وحدها في حال ذعر. وإذا صوتوا لبرنهام، فمن يدري؟ قد نشهد نهاية رايتشل ريفز وقواعدها المالية، ونهاية نظام الفائز الأول، وفرض ضرائب على الأثرياء تضاهي سياسات ممداني في نيويورك، ونوعا من الاشتراكية لم تعرفه البلاد منذ رئيس الوزراء كلمنت آتلي الذي حل بعد ونستون تشرشل في رئاسة الوزراء.
أو ربما لا.
بعد عامين من الإدارة الرمادية الباهتة، بات من شبه المستحيل تخيل تغيير لا يكون إما تدريجيا، كما قلتها يا سير كير، أو ضارا بصراحة.
بهذا الطريق أو ذاك، فإن المكان الذي لم يكن قد سمع به أحد ما لم يكن يعيش فيه سيصبح مشهورا قريبا، بدءا من وهج الدعاية الذي سيسبق الانتخابات في الأسابيع المقبلة. لقد فرضت عليهم العظمة، ومن الأفضل لهم أن يتأقلموا سريعا.
 

font change

مقالات ذات صلة