"ساكنة في حركة" لسميرة نقروش... لكل شاعرة ثورتها

مختارات شعرية مكثفة

غلاف "ساكنة في حركة: مختارات شعرية"

"ساكنة في حركة" لسميرة نقروش... لكل شاعرة ثورتها

قبل عشرين سنة، حين وقعت الشاعرة الجزائرية سميرة نقروش أول كتاب شعري لها "ليس الوهن في القول" La faiblesse n'est pas de dire، بدت خجولة وهي ترى القراء يأتون تباعا للظفر بتوقيعها. بدت أشبه بطفلة صغيرة مندهشة تمسك لأول مرة بلعبتها، لا لكي تخفيها عن الأنظار بل لتتباهى بها وتعرضها بعفوية وبراءة على الآخرين.

خلال عشرين سنة، نمت تجربتها الشعرية في الصمت كما قالت أخيرا في "بودكاست"، غير أنها ظلت وفية للعبة معقدة وصعبة، في جزائر ضاعت معانيها في ليل الإرهاب والخصومات والحسابات والمصالح، والقنوط واللامبالاة، وغيرها من التوترات التي لم تخرج بعد من النفق المنهك والمظلم. في كل هذا، ظلت لعبتها هي هي، أن تكتب دون توقف أو يأس.

حضور شعري دائم

بقيت نقروش حاضرة بنصها، لم تغرد خارجه إطلاقا، تحبك خيوطه الشفافة بين الحركة والسكون، في لعبة أخرى تتلاوح بالمتضادات والمتناقضات. فجمعت مختارات من نتاج العشرين سنة الماضية في كتاب عنونته "ساكنة في حركة" J'habite en mouvement. فبين السكون والسكن علاقة متشابكة، مثيرة كما هي عادة اللغة العربية عندما تحيل وتنزاح، تجرك إلى أكثر من معنى يتقاطع ويندمج وينصهر.. الهدوء، السكينة، الثبات، الاستقرار، فكيف إذا أقامت فيه الشاعرة، تشعل وتطفئ فيه شرارة الحركة كما شاءت وأينما شاءت؟ هنا ترتجف المعاني، وتهاجر إلى أقاصي المغامرات الشغوفة بالمجاهيل، التي لا سقف لها ولا حد، مثلما فعل شعراؤها المفضلون رامبو ورينيه شار وغيرهما ممن يتجلون في مساحات واسعة من تجربتها ورؤيتها، وفهمها للحظة الحياة المتقاطعة بسطوع البدايات.

  17 قصيدة تشكل منجزها الشعري، متفرعة الرؤى والهواجس، وحتى في أزمنة وأمكنة كتابتها

تدرك نقروش أنها لن تنتهي في نصوصها، بل يظل الإحساس الطاغي وأنت تتجول في جغرافيات هذه المختارات، أن الشاعرة تدفعك إلى النبع، ثم تقطع سيلانه، ثم تغريك مرة أخرى، لتتقدم حتى تقنعك أنك قبضت على النهايات، فإذا بك تدور وتدور، وهكذا دواليك. لن تتعبك، بل ستدهشك، وتخبئ لك في الظلال نصوصا أخرى بمتع متنوعة، كأنك لم تقرأها من قبل.

17 قصيدة تشكل وتختزل منجزها الشعري، متفرعة الرؤى والهواجس، وحتى في أزمنة وأمكنة كتابتها، مختارة بعناية فائقة، كطبيب ينظر إلى مريضه وفي رأسه نوعية الدواء الذي سيشفيه الى الأبد كي لا يزور الداء مرة أخرى جسد المريض (في المناسبة، الشاعرة سميرة نقروش تخصصت في الطب، ولكنها لم تكمل الدراسة وتفرعت للكتابة). كذلك فعلت في هذه المختارات، فكي تفهم نصها، كان عليها أن تسأل إلى أين وصلت؟ وأين ستذهب في المستقبل؟ وأي قارئ سيتعرف اليها من جديد؟ هل هو قارئ مجموعتها الأولى أم الثانية؟ هل تحول؟ هل هو نفسه الذي سيمرن عينيه على هذه النصوص وسيتذكر أنها هي التي كتبت "الأوبرا الكونية" (2003)، و"في ظل غرناطة" (2006)، و"جاز الزيتون" (2010)، و"رصيف 211" (2019)، و"آثار" (2021)، و"محطات" (2023).

غلاف "جاز الزيتون"

ربما راودتها هذه الأسئلة وهي تتأمل هذين العقدين من الإبحار في تخوم الشعر، وفي بيئة تكاد تكون فيها، من بين الشاعرات اللواتي يكتبن بالفرنسية، الأكثر لفتا للانتباه بحضورها الدائم وحركيتها ضمن مسار الكتابة النسوية في هذا المجال، إذ يندر أن تجد شاعرة غزيرة الإنتاج من الشاعرات الفرنكوفونيات، مثلما هي عليه. وهذه السمة التي تميزها، وللمفارقة، نجدها بارزة عند الشاعرات اللواتي يكتبن باللغة العربية، فهن منتشرات بكثرة، إما عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال بعض دور النشر القليلة التي تغامر بطباعة أعمالهن الشعرية، على تفاوت في النبرة والمستوى والقيمة.

غلاف "منحدر حاد"

عتبات الخيال والكتابة

في نصوص نقروش، يولد كل شيء يمكن أن تلتقطه وهي تكتب، إن كان حسيا أو مجردا، ملموسا أو محسوسا، بسيطا أو عميقا، عبثيا أو جديا، بياضا أو سوادا، عابرا أو ثابتا، حاضرا أو غائبا. لا تقف عند أي هاجس إلا ووراءه أكثر من معركة تأخذها إلى ذاكرة بكر أو أرض أخرى. المهم أن تذهب إلى الذروة، إمتثالا لوصايا متخيلة لرامبو:

"قال لي رامبو:

نحن أطفال أسطورة تعبرنا

حيث تدمغنا مأسي شعوبنا

نحن ظلال ميتة لمعركة مقبلة"

أو كما ترك لها الشاعر الجزائري الراحل جمال عمراني، الأب الروحي للشاعرة، وصية واحدة لمسلك واحد عليها أن تتخذه: "قال لي جمال عمراني: لكل ثورته".

رسم جمال عمراني وآرثر رامبو، بعضا من المغامرة الشعرية لنقروش، حتى لا نقول دلاها على هذه الحكاية الجميلة. اندست فيها ولم تغادرها رغم سيطرة الخوف والخراب والقلق والجراح والألم والفقد، على ذكرياتها الموشومة والمشروخة التي غدت عندها أصواتا ضد العتمة والظلام والنكوص وإرهاقات الأوقات العقيمة: "لو أنك تعرف كم من الوقت يعبرني، وأنا أعبرك".

سميرة نقروش في فعالية ثقافية

هكذا، بشيء من الانتباه النادر، تركا لها حرية الغوص في كل شيء، تصغي وتشرح وتفتل بين أصابعها لغة شعرية محمولة بكل الصفات والمقامات، من العادي إلى المدهش، إلى السوريالي، إلى الصوفي. تنقلها بيسر من حالة إلى أخرى، وبالكثير من التأمل. تأتي إليها مطواعة، وإن أرادت إعادة بنائها، فلن تشعرك أنها تتعثر في جملة أو حرف أو صورة. لذا، لا تتكرر لديها القصائد، فمجمل هذه الأخيرة داخل هذه المختارات لا تسير على نمط واحد، وفي مسطرة معنى واحد، بل تتعدد وتتفرد.

فسواء نزلت إلى "ذاكرة الأب"، أو حاورت في "سبع مونولوغات زهرة الياسمين"، أو ارتشفت على مهل "قهوة بدون سكر"، أو سمعت "جاز الزيتون"، أو توقفت عند "الآثار"، وهي بعض عناوين القصائد، فإننا في صدد مشاهد حية منذورة لنصوص تصنعها كحرفية، تسبكها، وتستعير لها ما تريد: قبعة، موسيقى، رائحة، ولونا، وترابا، وماء: "أريد أن أدخل إلى الأرض عبر الماء. وفي الماء عبر أثر الماء".

كما تكتب نقروش، تعيش في الخيال، لا فرق بينهما، فكلاهما مشتعل في رأسها وجسدها

كما تكتب نقروش، تعيش في الخيال، لا فرق بينهما، فكلاهما مشتعل في رأسها وجسدها. كثف الخيال فورة كتاباتها الشعرية، وزركشت الكتابة خيالها وثورتها، وحلت بين الحالتين لا بوصفهما دوافع للدوام على أرض تتحرك وتبتلع، وينظر ساكنوها إلى الشعراء كفائض معنى في الوجود و"سقط متاع" هائمين وحالمين. فما بالك بشاعرة مقتنعة تماما بجدوى الشعر، وبأنه جعلها تطلق الطب وهمومه، وتوجه حياتها كلها في اتجاه الترحال الشعري هنا وهناك، تهيم في عالم تعرفه وتستكشف غيره الذي لا تعرفه، ولو كان ذلك في الجنوب البعيد، "من على كرسي عالمي وبقلب يخفق"، كما قال الشاعر التشادي نمرود في تقديمه للمختارات. كل هذا من أجل أن تقرأ نصها أو تترنم بنوتة موسيقية نادرة، أو تشرد في تأمل لوحة فنية تضفي على حروفها الضوء والنور.

يحسب أيضا للشاعرة سميرة نقروش علاقاتها المتشعبة بشعراء وشاعرات من فضاءات لغوية أخرى، العربية خاصة، حيث ترجمت ووقفت على العديد من المشارب والتجارب، وهو ما منحها مساحة أخرى للسكن في عوالم متحركة لا تهدأ مثلما تحلم دوما.

font change