مرة أخرى، أعاد "المجلس الانتقالي الجنوبي" (الذي تم حله) محاولته للظهور مجددا على الساحة اليمنية من خلال ما سماها "مظاهرة مليونية لرفض الوصاية ومناهضة الاحتلال" وذلك يوم الجمعة الماضي في مدن عدن والمكلا وسيؤون جنوب البلاد.
لم تمنع سلطات الحكومة الشرعية اليمنية المدعومة من قبل التحالف العربي الذي تقوده الرياض هذه المظاهرة "السلمية" رغم ما تخللها من فوضى وأعمال عنف واعتداءات، واقتصر الأمر على قيام قوات الشرطة والأمن بإطلاق بعض الأعيرة النارية في الهواء لتفريق المتظاهرين وفض الاشتباكات والصدام بينهم وبين جماهير أخرى داعمة للحكومة، بحسب مشاهد تداولها نشطاء كثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي.
مظاهرات مؤيدي "المجلس الانتقالي" رفعت صورا لرئيس المجلس عيدروس الزبيدي، بالإضافة إلى شعارات مناوئة للحكومة اليمنية وللمملكة العربية السعودية، في آن واحد معا، رفضا لدعم التحالف الذي تقوده الرياض للشرعية اليمنية وللجهود الكبيرة التي تبذلها لإعادة تطبيع الأوضاع السياسية والأمنية في شتى محافظات جنوب اليمن، ومن خلالها تمنح هبات مالية وعينية سخية لتعزيز موازنات الحكومة ولدعم الخدمات الأساسية وعلى رأسها المياه والكهرباء خصوصا خلال شهور فصل الصيف القائظ في تلك المناطق الصحراوية والساحلية.
عمل ناشطو "المجلس الانتقالي" كذلك على إفشال مظاهرات مقابلة لها في حضرموت وغيرها مؤيدة للحكومة وللتحالف العربي معها بقيادة الرياض، كما قام بعض هؤلاء من جانبهم بإنزال وتمزيق وإحراق صور الزبيدي وشعارات "المجلس الانتقالي".
برغم "الحماسة" التي طغت على مظاهرات "الانتقالي" الجمعة الأخيرة في عدن وحضرموت ومحاولة الاستخفاف بها من قبل خصوم المجلس الجنوبيين، فإن ذلك أثار أسئلة حقيقية عن الدافع لتكرار هذه المحاولة والجهة التي تمولها والتوقيت الذي انطلقت فيه.
خلت مظاهرات "الانتقالي" المطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله من أي تنديد بممارسات سلطة "الأمر الواقع" الانقلابية الحوثية المرتبطة بإيران في شمال البلاد، لكن هذا الحديث لا يفترض وجود أدلة موثقة على هذا الترابط بين ما يجري في شمال وجنوب اليمن بل يتحدث عن معطيات تجعل من تزامن هذه الأحداث دليلا على استمرار تدخلات خارجية تتجاوز محاولة التأثير السياسي والاجتماعي فيهما إلى خلق واقع جيوسياسي يخدم مصالح إقليمية على المديين المتوسط والبعيد.
كانت هيئة رئاسة "المجلس الانتقالي الجنوبي" قد أعلنت يوم الجمعة 9 من شهر يناير/كانون الثاني 2026 من العاصمة السعودية الرياض عن "حلّ المجلس وجميع هيئاته وأجهزته الرئيسة والفرعية"، كما أفاد بيان للهيئة بإلغاء جميع مكاتب المجلس في الداخل والخارج، والشروع في العمل على تحقيق "الهدف الجنوبي العادل" عبر الإعداد والتحضير لعقد مؤتمر جنوبي-جنوبي شامل برعاية السعودية.
يرى خبراء ورجال قانون كثيرون أن الظهور العلني الجديد لـ"المجلس الانتقالي" يمثل تراجعا عما سبق أن أعلنه من "حل لنفسه" ومخالفة لما كان قد تعهد به للعمل في إطار صيغة جديدة لخدمة "الهدف الجنوبي العادل" الذي تختلف حوله رؤى وأفكار وتصورات غالبية القوى السياسية والاجتماعية والقبلية الجنوبية التي لم تتمكن حتى الآن من عقد مؤتمرها الجنوبي-الجنوبي المأمول في الرياض رغم وجود أغلب ممثليها في العاصمة السعودية منذ عدة أشهر.
البعض كان قد اعتبر أن إعلان "المجلس الانتقالي" عن تفكيك هيئاته ومكاتبه داخل البلاد وخارجها يعني أن المجلس بات منذ صدور ذلك الإعلان "كيانا محظورا" تجب محاسبته على كل ممارساته خلال السنوات العشر الماضية التي قاد خلالها "تمردا مسلحا" ضد الحكومة الشرعية من داخل الحكومة التي كان رئيسه قد أصبح عضوا في أعلى مؤسساتها (مجلس القيادة الرئاسي) واستحوذ معظم أعضاء المجلس الانتقالي على غالبية الحقائب الوزارية في الحكومات المتعاقبة ونال أنصاره نصيب الأسد في التعيينات والمناصب القيادية في الداخل وسفارات البلاد في الخارج.

