"قمة السبع"... شراكة دولية ناشئة تحقق النجاح

بين قيادة العالم وتحديات الواقع

أ.ف.ب
أ.ف.ب
صورة جماعية خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان، شرق فرنسا، في 16 يونيو 2026

"قمة السبع"... شراكة دولية ناشئة تحقق النجاح

شهد الخامس عشر من يونيو/حزيران حدثا دوليا بارزا تمثل في قمة مجموعة السبع في فرنسا، غير أن وهجها تراجع قليلا تحت تأثير الحماس المصاحب لمباريات كأس العالم لكرة القدم، وفوز فريق نيويورك نيكس في دوري كرة السلة الأميركي، والدراما السياسية المرتبطة بوقف إطلاق النار مع إيران. ومع ذلك، يبقى هذا الاجتماع، بعيدا عن العناوين العاجلة ومقاطع الأخبار السريعة، حدثا ذا أهمية بمدى أبعد. فهو لم يقتصر على دول مجموعة السبع وحدها، بل ضم أطرافا رئيسة أخرى في ما يمكن تسميته "شراكة" دولية قائمة على التحالف الأمني مع الولايات المتحدة، والاندماج في النظام التجاري والمالي العالمي، وامتلاك ثقل إقليمي وازن. ومن بين هذه الأطراف دول عربية مثل مصر والإمارات وقطر، إلى جانب كوريا الجنوبية وأوكرانيا. وتحل هذه الشراكة المشتركة محل مفهوم "الغرب" الضيق جغرافياً وثقافياً، لتصف تجمعا عالميا واسعا ونافذا من الدول.

الاستعداد لمواجهة التحديات في أوراسيا

شاركت هذه الدول المنضوية في الشراكة لتحقيق أهداف واضحة: تأكيد دعمها للنظام الأمني والاقتصادي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، وإظهار استعدادها لتعميق التعاون داخل هذا النظام، حتى عندما تكون الولايات المتحدة في حال اضطراب أو تراجع في الحضور. والأهم أنها أعلنت استعدادها لمواجهة التحديات العسكرية في أوراسيا، ولا سيما روسيا وإيران، المنخرطتين في حربين ساخنتين من أجل الهيمنة، الأولى في أوروبا والثانية في الشرق الأوسط. وقد عبر البيان الختامي عن ذلك بوضوح حين شدد على ثلاثة مواقف: "دعم ثابت لأوكرانيا"، و"منع إيران من امتلاك سلاح نووي"، و"تأكيد معارضتنا لأي محاولات أحادية لتغيير الوضع القائم... عبر مضيق تايوان". كما اتفق الحاضرون على اتخاذ خطوات تجارية واقتصادية تجاه الصين، التهديد الخارجي الكبير الثالث، نظرا إلى ما تطرحه من تحديات تجارية وتكنولوجية، وربما عسكرية أيضا، في أوراسيا. وتحقق هذه الشراكة تقدما على مختلف الجبهات في مواجهة هذه التهديدات.

خلقت وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي والانتخابات والتحليلات الأكاديمية، خلال السنوات الماضية، انطباعا بأن منظومة الأمن الجماعي الدولية التي تقودها الولايات المتحدة مثقلة بالانقسامات الداخلية والإحباط العام

كان هذا المشهد سيبدو مفاجئا قبل أشهر قليلة. فقد خلقت وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي والانتخابات والتحليلات الأكاديمية، خلال السنوات الماضية، انطباعا بأن منظومة الأمن الجماعي الدولية التي تقودها الولايات المتحدة مثقلة بالانقسامات الداخلية والإحباط العام، وعاجزة عن التصدي للتهديدات الأمنية الخارجية. وأثار الغزو الروسي لأوكرانيا، ثم الهجوم الإيراني وهجمات وكلاء إيران في الشرق الأوسط، أسئلة جوهرية حول قدرة هذه الشراكة على الدفاع عن نفسها، في وقت تترقب فيه الصين فرصة للتحرك ضد تايوان وفي بحر الصين الجنوبي. وزاد من حدة هذا الانطباع الضعف الاقتصادي في كثير من دول الشراكة، والانقسامات الأيديولوجية العميقة بين المحافظين القوميين والأمميين التقدميين في أميركا الشمالية وأوروبا الغربية، فضلا عن النزعة الخلافية الخاصة التي يضيفها الرئيس ترمب إلى النظام الدولي الذي قادته بلاده، بصورة غير رسمية، طوال عقود.

أ.ف.ب
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ في مراسم استقبال رسمية قبيل غداء عمل ضمن فعاليات قمة مجموعة السبع، في مدينة إيفيان، شرق فرنسا، في 16 يونيو 2026

ومع ذلك، تبدو الصورة في منتصف عام 2026 أفضل بكثير مما توحي به معظم النقاشات والتحليلات. فقد تماسكت هذه الشراكة، في المجمل، أمام تلك التحديات، بما في ذلك الأثر الداخلي المربك الذي خلفته ولايتا ترمب الرئاسيتان حتى الآن.

كبح اندفاع روسيا وإيران

وكان الأهم هو كيفية الرد على التحديين العسكريين الكبيرين منذ عام 2022. فلا يمكن التقليل من دلالة الهجوم الروسي على أوكرانيا، ولا من دلالة هجمات وكلاء إيران، ثم انخراط إيران نفسها لاحقا في قتال إسرائيل ودول أخرى في المنطقة، إضافة إلى أوروبا والولايات المتحدة. فقد خاضت موسكو وطهران صراعات "المنطقة الرمادية". بدأت روسيا ذلك عام 2008 في جورجيا، ثم واصلته في القرم وشرق أوكرانيا وسوريا وليبيا، بينما اتبعت إيران، منذ عام 2000، النهج نفسه في أنحاء المنطقة، غالبا عبر وكلاء، مستفيدة من النزاعات الداخلية في غزة واليمن وسوريا والعراق ولبنان لتعزيز مصالحها ومصالح حلفائها.

مع أن مذكرة التفاهم الخاصة بتنفيذ وقف إطلاق النار في النزاع مع إيران لا يمكن عدها هزيمة كاملة لطهران، فإن مجمل الصراع الممتد منذ عام 2023 ترك إيران في حال ضعف شديد

غير أن هجوم روسيا على أوكرانيا شكل خرقا خطيرا للنظام العالمي، وفتح الباب أمام موجة جديدة من الفوضى الدولية. فمنذ الحرب العالمية الثانية، انخرطت الدول الكبرى في صراعات كثيرة، من حروب التحرر من الاستعمار إلى الحروب الداخلية كما في كوريا وفيتنام وأفغانستان مرارا، لكنها كانت تتجنب على الدوام عدوانا يستهدف إسقاط دول كاملة، على غرار ما حدث في الطريق إلى الحرب العالمية الثانية مع ألمانيا واليابان والاتحاد السوفياتي. أما محاولة روسيا الواضحة عام 2022 محو أوكرانيا وضم أرضها وشعبها، فقد كانت عدوانا صارخا من دولة نووية كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن، وقد دفعت أوراسيا إلى أزمة عميقة.

وعلى نحو مشابه، تجاوز هجوم "حماس" على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حدود القصف الصاروخي المحدود والعمليات الإرهابية والاشتباكات القصيرة، إذ سعى إلى السيطرة على جزء من إسرائيل. وسرعان ما انضم إليه سائر وكلاء إيران، ثم إيران نفسها بحلول عام 2024 عبر هجومين كبيرين بالصواريخ الباليستية. وامتد القتال لاحقا إلى أنحاء واسعة من المنطقة، بدءا من الحملات البرية في غزة، ثم لبنان، وصولا إلى سوريا، مرورا بحرب جوية بحرية شاركت فيها الولايات المتحدة والحوثيون، وفي بعض الأحيان قوات بحرية أوروبية، قبالة سواحل اليمن، ثم بحملات قصف أميركية-إسرائيلية ضد إيران في عامي 2025 و2026، وما أعقبها من رد إيراني. وقد مثل ذلك مسعى إيرانيا للهيمنة الإقليمية لم تشهد المنطقة مثله منذ غزو صدام حسين للكويت عام 1990.

رويترز
مجند من اللواء الآلي المنفصل 118 التابع للقوات المسلحة الأوكرانية يشارك في تدريب عسكري قرب خط المواجهة، في منطقة زابوروجيا، أوكرانيا، 21 مايو 2026

لكن بحلول قمة مجموعة السبع، بات واضحا أن دول الشراكة هذه تمكنت من كبح اندفاع روسيا وإيران معا. فقد أوقفت روسيا فعليا على الجبهة الأوكرانية خلال العام الماضي، فيما أصابت ضربات المسيرات الأوكرانية أهدافا حيوية في قطاع الطاقة داخل العمق الروسي. وتحولت الحرب إلى حالة جمود، لا بفضل قيادة زيلينسكي وشجاعة الأوكرانيين وكفاءتهم القتالية فحسب، بل أيضا بفضل الدعم المالي والعسكري والاستخباري الذي قدمته أوروبا وتركيا والولايات المتحدة. ومع أن الرئيس ترمب أوقف الدعم المالي المباشر، واصلت واشنطن تزويد كييف بمعلومات استخبارية حيوية لتحديد الأهداف، واستمرت في إيصال الأسلحة إلى أوكرانيا وشركاء حلف شمال الأطلسي، وإن تباطأ ذلك إلى حد ما بسبب الحملة على إيران. كما أيدت، في بيان مجموعة السبع، فرض عقوبات قوية على روسيا. ونتيجة لذلك، بدأ بوتين خلال الأشهر الماضية يدعو إلى محادثات مباشرة مع أوروبا حول مآل الحرب.

ومع أن مذكرة التفاهم الخاصة بتنفيذ وقف إطلاق النار في النزاع مع إيران لا يمكن عدها هزيمة كاملة لطهران، في ضوء ما عرض عليها من تخفيف للعقوبات وتحويلات مالية أخرى، فإن مجمل الصراع الممتد منذ عام 2023 ترك إيران في حال ضعف شديد. فقد دمرت "حماس" أو كادت، وامتنع الحوثيون والميليشيات العراقية عن خوض أحدث حملة ضد إيران. أما الوكيل الوحيد الذي انخرط فيها، أي "حزب الله"، فقد تلقى هزيمة ساحقة على يد إسرائيل وأخرج من الجنوب. وبات لبنان اليوم يتفاوض مباشرة مع إسرائيل.

بفضل قطاع التكنولوجيا الأميركي، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي المشترك لأميركا الشمالية وأوروبا وتركيا والدول العربية ودول حافة شرق آسيا نحو نصف الناتج العالمي

وفي الوقت نفسه، رفض سياسيون عراقيون، تحت ضغط أميركي، أبرز مرشحين مقربين من إيران لرئاسة الوزراء، واختاروا علي الزيدي، الذي شدد على التعاون مع واشنطن. أما إيران نفسها، فقد خسرت جانبا كبيرا من عتادها العسكري وقدراتها الصناعية. ولم تتسبب هجماتها بالصواريخ والمسيرات إلا بأضرار طفيفة جدا في إسرائيل، وأضرار متوسطة في دول الخليج، التي نجحت على نحو لافت في اعتراض الغالبية الكبرى منها. ومع أن إغلاق إيران للمضائق أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة العالمية وإضعاف اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، فإن الأثر العام على الطاقة عالميا كان أقل بكثير مما حدث في حظر النفط عام 1974 وما تلاه من انقطاعات. كما عانت إيران نفسها كثيرا بعدما فرضت واشنطن حصارا على الشحنات المتجهة إليها والخارجة منها.

ولم يغب أثر هذا النجاح النسبي الذي حققته الشراكة عن الصين. فاليابان وتايوان وكوريا الجنوبية والفلبين تزيد إنفاقها الدفاعي، وتنسق في ما بينها على نحو أفضل لبناء دفاع عن سلسلة الجزر الأولى، بدعم قوي من الولايات المتحدة. وفوق ذلك، فإن تعثر الهجوم الروسي في أوكرانيا، والنجاح التكتيكي اللافت للسلاح الأميركي في النزاع مع إيران، وإن لم يواكبه دائما نجاح مماثل في الاستراتيجية الأميركية، يقدمان لبكين دروسا تحذيرية مهمة.

رويترز
سفن في مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان، 18 يونيو 2026

صحيح أن مذكرة التفاهم مع إيران قد تفشل، وقد تفشل معها أي عودة إلى الوضع الطبيعي. ولا أحد يعرف مدى صلابة الشعب الأوكراني وقواته المقاتلة بعد أربع سنوات من الهجوم الضاري. ولا يمكن استبعاد انهيار مفاجئ، وإن كان هذا الاحتمال واردا أيضا بالنسبة إلى روسيا، ولو بدرجة أقل. وقد يلجأ بوتين، إذا واجه الفشل، إلى التصعيد عبر شن هجمات على دول في حلف شمال الأطلسي، إذا افترض أن الرئيس ترمب لن يرد بسرعة وفاعلية. ومع ذلك، فإن الرهان الأرجح ينبغي أن يبقى على أن التحديين الروسي والإيراني العنيفين للنظام العالمي سيواصلان التراجع.

تحديات الشراكة الغربية

وعلى نطاق أوسع، لا يزال الوضع الاقتصادي لهذه الشراكة قويا. فبفضل قطاع التكنولوجيا العالية الأميركي، الخلاق على نحو استثنائي، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي المشترك لأميركا الشمالية وأوروبا وتركيا والدول العربية ودول حافة شرق آسيا نحو نصف الناتج العالمي، مع امتلاك معظم موارد الهيدروكربون في العالم. أما الناتج المحلي الإجمالي لتحالف الخصوم، أي الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، فهو أقل من نصف ذلك. ولا تملك الدول الغنية الكبرى في الجنوب، مثل المكسيك والبرازيل وجنوب أفريقيا ونيجيريا والهند وإندونيسيا، مبدأ منظما أو قيما مشتركة أو مؤسسات مترابطة تتيح لها تشكيل كتلة دبلوماسية واقتصادية متماسكة.

الخطر الأكبر يكمن في احتمال أن يصغي قادة أميركيون مستقبلا إلى دعوات من اليسار واليمين السياسيين للتخلي عن الدور الاستراتيجي العالمي الذي اضطلعت به الولايات المتحدة منذ أربعينات القرن الماضي

ويتمثل التحدي الرئيس أمام هذه الشراكة الدولية غير الرسمية في الأشهر المقبلة في الانقسام الداخلي، لا في التهديد الخارجي. فالدول العربية منقسمة إلى حد ما في مقارباتها تجاه خصمها إيران، وكذلك تجاه حليفها غير الرسمي إسرائيل، ما دامت هذه الدولة، في ظل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تواصل سياساتها القمعية في الضفة الغربية. وتواجه أوروبا انتفاضات شعبوية حول سياسة الهجرة، والإجراءات الصارمة لمواجهة تغير المناخ، وتراجع الرعاية الاجتماعية الناتج من الأداء الاقتصادي الضعيف. وفي الوقت نفسه، تواجه تحديا أيديولوجياً من أميركا يحكمها حاليا أشخاص يتعاطفون مع الصعود الشعبوي الأوروبي. وتسعى الولايات المتحدة وأوروبا ودول شرق آسيا، في آن واحد، إلى كبح استغلال الصين المركنتيلية (المذهب التجاري) للعلاقات التجارية، مع الحفاظ، على الأقل في المدى القصير، على علاقات اقتصادية شديدة الربحية مع بكين.

ويظهر هذا التحدي بأوضح صوره في الولايات المتحدة، العضو الأقوى بفارق كبير داخل الشراكة، وقائدتها غير الرسمية منذ ثمانية عقود. فقد أثارت إدارة ترمب غضب القادة والشعوب، بتعاملها المتعالي مع الشركاء والحلفاء، وتشديدها على حدود ضماناتها الأمنية، وبعض خطواتها الأخرى، ما دفع إلى التشكيك في افتراضات أساسية حول موثوقية الولايات المتحدة. غير أن هذه المسائل تبقى، في معظمها، "تكتيكية". فترمب لم يتخذ أي خطوة جدية تمس الوضع العسكري الأميركي الذي يسند نظام الأمن الجماعي، ويشكل جوهر الشراكة. وباستخدامه المتكرر للقوة، تبعث أفعاله قدرا من الطمأنة، حتى وهو يثير الشكوك حول العلاقات والسلوكيات الأساسية، كما في قضية غرينلاند. غير أن الخطر الأكبر يكمن في احتمال أن يصغي قادة أميركيون مستقبلا إلى دعوات من اليسار واليمين السياسيين للتخلي عن الدور الاستراتيجي العالمي الذي اضطلعت به الولايات المتحدة منذ أربعينات القرن الماضي. وسيكون تفادي هذا الاحتمال المهمة الكبرى أمام هذه الشراكة الدولية في السنوات المقبلة.

font change

مقالات ذات صلة