جماليات القراءة في كتاب "لذة الكلمة" لمحمد العباس

رحلة الكشف عن الأثر الأسلوبي في الشعر السعودي

غلاف "لذة الكلمة"

جماليات القراءة في كتاب "لذة الكلمة" لمحمد العباس

انشغل الناقد السعودي محمد العباس بتحولات الكتابة الحديثة وأسئلتها الجمالية والمعرفية، وأسهم عبر مؤلفاته المتعددة في ترسيخ حضور قراءة نقدية تقترب من النص الأدبي بوصفه فضاء مركبا تتقاطع داخله اللغة والرؤية والتجربة الإنسانية. وجمع في كتاباته بين العمق التحليلي والحساسية الجمالية، وهو ما منح خطابه النقدي حضورا مميزا داخل الثقافة العربية المعاصرة. عرف باهتمامه بالشعر على وجه الخصوص، إذ واكب تجاربه وتحولاته عبر عقود، متتبعا طرائق تشكل الصور والإيقاعات والأنساق التعبيرية داخل النصوص، ومستكشفا الكيفيات التي تنتج بها اللغة أثرها الجمالي والمعرفي في المشهد الشعري المعاصر.

في كتابه النقدي الجديد "لذة الكلمة: الأثر الأسلوبي في نصوص شعرية سعودية"، الصادر عن منشورات "أما بعد" في نجران (2026)، يوجه محمد العباس بوصلة القراءة نحو البنية الداخلية للنص الشعري، بعيدا من المقاربات المنشغلة بالمعطيات الخارجية أو بالسير الذاتية للشعراء، ويتركز اهتمامه على اللحظة التي تتخلق فيها الشعرية داخل اللغة، وعلى الآليات التي تعيد الكلمات عبرها تشكيل العالم في فضاء القصيدة. ومن هذا المنطلق يغدو الكتاب رحلة في أعماق الأثر الأسلوبي، عبر قراءات تتقصى الطبقات الدلالية والإيقاعية والصورية التي تصنع فرادة النص، وتكشف مصادر طاقته الجمالية وخصوصيته التعبيرية.

من متعة اللفظ إلى شهوة المعنى

يحمل عنوان "لذة الكلمة" رؤية جمالية متكاملة تجعل من الكلمة موضوعا للمتعة ومجالا للاكتشاف في آن واحد. فالمؤلف ينقل مفهوم اللذة من الحقل الحسي إلى الحقل اللغوي، لتغدو القراءة تجربة تذوق ومشاركة وجدانية ومعرفية تكشف وعيا عميقا بطبيعة العلاقة بين الشعر وقرائه. ويعبر عن هذه الرؤية بقوله: "يمكن النظر إلى هذا الكتاب باعتباره محاولة لتأسيس حوار نقدي مع نصوص من الشعر السعودي المعاصر... وتعده من خلال العبارة المركبة "لذة الكلمة" بتجربة لا تقرأ فقط بل تذاق". ومن هذا المنظور يغدو النص الشعري فضاء مفتوحا لإنتاج المتعة الجمالية واستنبات الدلالات، لا مستودعا لمعان جاهزة تنتظر من يستخرجها.

تتحول القراءة إلى عملية تكبير مجهرية تكشف أدق العلاقات بين العناصر الأسلوبية المختلفة

وتكتسب "اللذة" هنا معناها النقدي الأعمق، إذ تشير إلى تلك اللحظة التي يكتشف فيها القارئ قدرة اللغة على تجاوز وظيفتها التداولية المباشرة، لتشيد عالما من الدهشة والإيحاء والاحتمال. ومن هذه الزاوية تتأسس القراءة بوصفها فعلا من أفعال الاكتشاف، حيث تنبثق المعاني من حركة اللغة نفسها ومن العلاقات التي تنسجها داخل النص.

 REUTERS/Hamad I Mohammed
حشود تنتظر افتتاح أبواب مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) قبل حفل أوركسترا مارينسكي الروسية في الظهران، 2018

وفي هذا السياق يؤكد الكتاب أن الأسلوب يمثل تجسيدا للرؤية التي يحملها الشاعر تجاه الوجود والعالم. فبنية الجملة، وانتقاء المفردة، وتنظيم الإيقاع، وصوغ الصورة الشعرية، عناصر تكشف عن طريقة خاصة في إدراك الأشياء وتأملها. وتنبع أهمية هذا التصور من أنه ينقل مركز الاهتمام من مضمون القول إلى كيفية تشكله داخل النص. فالسؤال المحوري الذي يحكم قراءات المؤلف يتجه نحو الكيفية التي ينتج بها الشاعر أثره الجمالي، أكثر من انشغاله بما يصرح به من أفكار.

ولهذا تبدو مقالات الكتاب شديدة الحساسية تجاه التفاصيل الدقيقة، إذ يتوقف المؤلف عند فعل نحوي، أو تكرار لفظي، أو فراغ طباعي، أو انزياح دلالي، ثم ينسج من هذه الجزئيات رؤية أوسع تكشف جوهر التجربة الشعرية.

وينسجم هذا المنهج مع طبيعة اختياراته النصية، حيث يعتمد على المقاطع الشعرية المكثفة أكثر من اعتماده على القصائد الكاملة، فهو يتجه نحو ما يسميه "عضلات النص"، أي المواضع التي تتجمع فيها الطاقة الشعرية بأقصى درجاتها. فثمة نصوص تختزن روحها في بضعة أسطر، وثمة صور شعرية تمتلك قدرة تمثيلية تتجاوز مساحات طويلة من الشرح والتفصيل. لذلك يختار المؤلف اللحظات الأكثر كثافة داخل النصوص، تلك التي تتعانق فيها اللغة والصورة والإيقاع لتشكل مركز الجاذبية في التجربة الشعرية.

ومن خلال هذا الأسلوب تتحول القراءة إلى عملية تكبير مجهرية تكشف أدق العلاقات بين العناصر الأسلوبية المختلفة، فتتضح الروابط الخفية التي تشد أجزاء النص بعضها إلى بعض، ويغدو كل تفصيل مفتاحا لقراءة التجربة الشعرية في كليتها، بما تحمله من رؤى وأبعاد جمالية ودلالية.

شعرية الأشياء البسيطة

يكشف الكتاب عن قدرة الشعر على تحويل التفاصيل اليومية إلى رموز وجودية كثيفة الدلالة، إذ يبرهن المؤلف عبر قراءاته المتعددة أن الأثر الجمالي يمكن أن ينبثق من أكثر المشاهد اعتيادية. ففي قراءته لنص ماجد العتيبي: "يجب أن يتوقف أبي/ عن الشيخوخة/ ويعود إلى البيت/ بشعر أسود/ وكيس فاكهة". ينطلق المؤلف من هذه الصورة الموجزة ليكشف شبكة واسعة من المعاني الكامنة فيها، فكيس الفاكهة يغدو علامة على الأبوة والعطاء ودفء الذاكرة المنزلية، فيما تتحول الشيخوخة إلى هاجس يهدد استمرارية العلاقة الحميمة بين الأب وابنه. ومن خلال اللغة المكثفة تنفتح القصيدة على فضاء مشحون بالحنين والخوف والتطلع إلى استعادة زمن يتوارى تدريجيا.

وتبرز هذه القراءة قدرة الشعر على استنطاق التفاصيل الصغيرة واستخراج أبعاد إنسانية رحبة منها، فجوهر القصيدة يتجلى في مشهد عائلي عابر يحمل في أعماقه أسئلة الزمن والفقد والمحبة، ويمنح اليومي العادي قيمة رمزية تتجاوز حدوده المباشرة.

يتجه الكاتب نحو تتبع الكيفية التي تصوغ بها كل تجربة هويتها الخاصة وصوتها المميز، من خلال علاقتها باللغة والإيقاع والصورة

وفي السياق نفسه، يتعامل المؤلف مع اللغة بوصفها المحرك الأساس للشعرية ومصدر طاقتها التعبيرية. لذلك تتكرر في الكتاب مفاهيم مثل التكرار والانزياح والتوازي التركيبي والإيقاع الداخلي والفراغ النصي والحقل الدلالي، ضمن قراءة حية تتجاوز حدود التنظير المجرد. فهذه المفاهيم تؤدي وظيفة إجرائية تسهم في كشف البنية العميقة للنص وإضاءة جمالياته، ويحرص المؤلف على تتبع أثرها داخل التجربة الشعرية نفسها، الأمر الذي يمنح القارئ فرصة لمعاينة كيفية تشكل المعنى داخل اللغة. ومن هنا تكتسب الدراسة بعدا تعليميا مهما، لأنها تقدم نموذجا تطبيقيا لقراءة الشعر من داخله، وتكشف الطاقات الكامنة في أبسط التراكيب اللغوية والصور.

 REUTERS/Ahmed Yosri
زائر يتصفح كتبا خلال معرض الرياض الدولي للكتاب، 2021

ويزداد هذا المنحى وضوحا مع تنوع الأصوات الشعرية التي يضمها الكتاب، إذ تتجاور فيه تجارب تنتمي إلى أجيال واتجاهات مختلفة، من شعراء التفعيلة إلى شعراء قصيدة النثر، ومن الأصوات الغنائية إلى التجارب ذات النزعة التأملية أو البعد السردي. ومع هذا التنوع يحافظ الكتاب على وحدته الداخلية بفضل الرؤية النقدية التي تنتظم قراءاته كافة. فاهتمام المؤلف يتجه نحو تتبع الكيفية التي تصوغ بها كل تجربة هويتها الخاصة وصوتها المميز، من خلال علاقتها باللغة والإيقاع والصورة. ولهذا تأتي القراءات مترابطة ضمن مشروع نقدي واحد يرصد تحولات الأسلوب واختلاف طرائق التعبير، ويكشف الخصوصية الجمالية لكل تجربة من دون أن يفقد الكتاب انسجامه العام.

نص نقدي يجاور الشعر

يكتب محمد العباس النقد بلغة مشبعة بحساسية شعرية واضحة، حتى إن العناوين التي يختارها لقراءاته تبدو نصوصا قصيرة قائمة بذاتها، مثل: "ماجد العتيبي يصد الشيخوخة بكيس فاكهة"، و"أم عبدالله المحسن تنشر أبناءها وأحزانهم على حبل الغسيل"، و"بلسان المتصوف جاسم الصحيح يبني رؤية حب معرفية". وبهذا تكتسب العناوين وظيفة جمالية تتجاوز حدود التعريف والإشارة، لتصبح مدخلا فنيا إلى النص المقروء. وينسجم هذا الاختيار مع طبيعة المشروع النقدي برمته، فالناقد الذي يفتش عن لذة الكلمة في الشعر، يصوغ قراءته بلغة تمتلك بدورها وعيا بالإيقاع والصورة والدهشة. ومن ثم يشعر القارئ في كثير من المواضع بأنه أمام نص نقدي يلامس فضاء الشعر من حيث العناية بالصياغة وكثافة العبارة، مع حفاظه على دقته التحليلية ووضوحه المنهجي.

Wikipedia
الشاعر السعودي جاسم الصحيح

يجمع كتاب "لذة الكلمة" بين الدقة المنهجية والحساسية الجمالية، وبين المعرفة النقدية ومتعة القراءة، حيث يقدم الناقد العباس نموذجا للقراءة الأسلوبية التي تنفذ إلى جوهر التجربة الشعرية من داخلها، ساعيا إلى استكشاف آلياتها التعبيرية وطاقاتها الجمالية. ومن خلال تتبعه طيفا واسعا من الأصوات والتجارب، يكشف ثراء المشهد الشعري السعودي وتنوع مساراته، مع إضاءة الخصوصية الفنية التي تميز كل شاعر وتمنحه فرادته الأسلوبية.

كل قراءة يقدمها الناقد تفتح أفقا جديدا للتأمل في النص، وكل مقطع شعري يتحول بين يديه إلى مساحة تتفاعل فيها الجماليات والدلالات

ويعكس الكتاب احتفاء عميقا بالشعر بوصفه فنا قادرا على إعادة تشكيل العالم وصوغ رؤيته، فكل قراءة يقدمها الناقد تفتح أفقا جديدا للتأمل في النص، وكل مقطع شعري يتحول بين يديه إلى مساحة تتفاعل فيها الجماليات والدلالات. ومن هنا يغدو فعل القراءة تجربة معرفية ممتعة، تتقاطع فيها الرؤية مع الجمال، وتلتقي فيها الدهشة بمتعة الاكتشاف، لتظل الكلمة المركز الذي تتجمع حوله أسئلة الشعر وإمكاناته المفتوحة.

font change

مقالات ذات صلة