كرة القدم من "الألتراس" إلى "التيك توك"

حين حلت شاشة الموبايل محل "القبيلة"

 Eoin Ryan
Eoin Ryan

كرة القدم من "الألتراس" إلى "التيك توك"

يحدث في الجهة الجنوبية من ملعب "بوروسيا دورتموند" قبل صافرة البداية، مشهد يخطف الأنفاس، فيه يرفع خمسة وعشرون ألف مشجع في "الجدار الأصفر" آلاف القطع الملونة دفعة واحدة، فيختفي البشر خلف لوحة ضخمة تتحرك بحركة واحدة. هذه لغة يقولها جمهور كامل في لحظة، لغة من اختاروا أن يصيروا أكبر من مجموع أفرادهم. وفي ملعب "آنفيلد" بمدينة ليفربول على بعد آلاف الأميال، ترتفع أغنية من عشرات الآلاف من الحناجر قبل أن تتحرك الكرة، فتذوب الأصوات في صوت جماعي واحد. التقى هؤلاء للمرة الأولى، وربما الأخيرة، لكن الدقيقة الواحدة تجمعهم في "نحن" يعجز الفرد عن صنعها وحده.

قبيلة "الألتراس"

ما يجري في المدرج أقدم من اللعبة نفسها. إنه تجمع يحول حشدا متفرقا إلى جسد واحد له نبض واحد، يدخله المرء فردا ويخرج منه جزءا حاملا في حلقه بقايا هتاف ردده دون قصد. هنا تعاش المباراة قبل أن تشاهَد، فيأتي الهدف انفجارا لدقائق من التوتر، تتقاسمه المدرجات في ثانية وتتعانق فيه أكتاف كانت قبل لحظة مجرد جيران في المقاعد. تبقى تلك الثانية في الذاكرة أطول من المباراة كلها.

في قلب هذه المدرجات تنمو قبيلة أشد صلابة تعرف بـ"الألتراس"، لها قوانينها الخاصة وترتيبها وذاكرتها وفنونها. منها تولد تلك اللوحات الضخمة (التيفو) في عمل صبور يمتد أسابيع، تصنعه أيد كثيرة لتراه عين واحدة. يقودها في المدرج رجل يولي ظهره للملعب ووجهه للجمهور، تطاع كلمته دون جدال. الانتماء إليها عهد لا مجرد اشتراك: تقف حيث يقفون، تردد ما يرددون، تدافع عن ألوان فريقك بكل ما تملك. لها عقيدة تقترب من الأخلاق، ترفض "كرة القدم الحديثة" وتجارتها، وترى ولاء المدرج ثابتا في الهزيمة والنصر معا.

جماعات تملأ منحنى المدرج بالرايات والأهازيج والشعلات الملونة في لوحات مبهرة، لكنها خاضت في الوقت ذاته معارك دامية

يكتمل هذا الولاء بالحضور: السفر خلف الفريق إلى مدن بعيدة، الوقوف على القدمين طوال المباراة، تحويل الجسد إلى حجر في جدار بشري. تنتقل أناشيدها من جيل إلى جيل، يحفظها الابن عن أبيه قبل أسماء اللاعبين. بعض هؤلاء يسافرون ليلة المباراة في حافلات مكتظة إلى مدن بعيدة، يمضون الطريق في الغناء ويصلون متعبين ليقفوا ساعات في البرد من أجل تسعين دقيقة. هذا الحضور الجسدي هو ما يصنع القبيلة ويميزها عن مجرد متفرجين.

اتخذت هذه الروح القبلية في أوروبا وجوها متعددة جمعت بين الإبداع والعنف. في إيطاليا ولدت ثقافة "الألتراس" نفسها: جماعات تملأ منحنى المدرج بالرايات والأهازيج والشعلات الملونة في لوحات مبهرة، لكنها خاضت في الوقت ذاته معارك دامية بين الفصائل ومع الشرطة، حتى دفع مقتل ضابط شرطة في ديربي صقلية بين ناديي "كاتانيا" و"باليرمو" عام 2007 السلطات إلى تشديد قوانين الملاعب.

 PETER POWELL / AFP
جماهير "ليفربول" ترفع الأوشحة قبل مباراة فريقها أمام "تشلسي" على ملعب "أنفيلد"، 2026

اشتد العنف أكثر في إنكلترا، إذ تقاتلت حول الملاعب عصابات منظمة من المشجعين عرفوا بـ"الهوليغانز" في السبعينات والثمانينات حتى لقبت ظاهرتهم بـ"الداء الإنكليزي"، وبلغت المأساة ذروتها في ملعب "هيسل" عام 1985، حين سقط تسعة وثلاثون قتيلا بعد تدافع وانهيار جدار، فحرمت الأندية الإنكليزية من المسابقات الأوروبية خمس سنوات. أما في يوغوسلافيا فتجاوز الأمر الرياضة كلها: تحولت مباراة "دينامو زغرب" و"ريد ستار بلغراد" عام 1990 إلى معركة في المدرجات صارت رمزا لحرب مقبلة، وانساق كثير من تلك الجماعات لاحقا إلى ميليشيات القتال.

هذا الثمن بلغ ذروته في العالم العربي: تمرس "ألتراس" مصر في صدامات شبه يومية مع الشرطة حتى وقفوا في الصفوف الأولى بميدان التحرير عام 2011، ثم جاءت مذبحة بورسعيد مطلع 2012 حين سقط نحو أربعة وسبعين قتيلا بعد مباراة بين الأهلي والمصري، فتلاها تضييق ومنع، كادا ينهيان وجود هذه الجماعات.

صوت الإنسان العادي

خلف هذا العنف يقف وجه آخر هو سر بقاء الظاهرة وانتشارها. المدرج في أبهى لحظاته عمل فني حي: آلاف يحركون الألوان واللافتات في تناغم مدروس، وتتصاعد الأهازيج طبقات فوق طبقات، فيغدو المكان مشهدا يتنفس وأوركسترا بلا قائد. هنا يجد الإنسان العادي صوتا يسمع وانتماء يخصه ولحظة قوة نادرة في حياته. في العالم العربي صار المدرج مساحة يقول فيها الشبان رأيهم بحرية يفتقدونها خارجه، يهتفون لما يحبون وضد ما يكرهون بعيدا عن أعين السلطة بعض الوقت. هذا الوجه المبدع، لا العنف وحده، هو ما جعل ملايين الشبان يرون في فريقهم عائلة وهوية ووطنا صغيرا.

هذا الوجه المبدع، لا العنف وحده، هو ما جعل ملايين الشبان يرون في فريقهم عائلة وهوية ووطنا صغيرا

حتى من لم يدخل ملعبا قط، عاش كرة القدم كتجربة جماعية. في زمن المذياع كانت العائلة تجلس حول صندوق خشبي تتابع صوت المعلق وترسم المباراة في خيالها. ورث التلفزيون تلك السهرة ووسعها، فجمع الحي كله أمام شاشة واحدة في موعد يعرفه الجميع. كانت المباراة الكبرى تشاهَد في مقهى مزدحم ترتفع فيه الصيحات من طاولات تجمع غرباء، أو في بيت يلتف فيه الجيران حول جهاز واحد، أو في حارة تخلو شوارعها لأن الجميع خلف الشاشة نفسها.

وفي ليالي المنتخب الوطني كانت المدينة كلها تتنفس على إيقاع مباراة، فيخرج الفرح أو الخيبة إلى الشارع حدثا يعيشه الناس معا. تختلط أصوات الأبواق بالأهازيج ويتبادل الغرباء التهاني في الطرقات، فتصير المدينة كلها مدرجا مفتوحا بلا أسوار يلتقي فيه من تجمعهم ليلة واحدة وفريق واحد. هذا جمهور من نوع آخر أوسع من المدرج وألطف، تحكمه قاعدة واحدة منذ نشأة اللعبة: أن تشاهد الكرة يعني أن تشاهدها مع أحد.

REUTERS/Massimo Pinca
كريستيانو رونالدو يلتقط صورة مع مشجعين لدى وصوله إلى المركز الطبي لنادي "يوفنتوس" في تورينو، 2021

اللاعب علامة تجارية

دخل المشهد جهاز صغير غيّر كل شيء بصمت، إذ وضع الكرة في الجيب وجعلها متاحة في كل لحظة، وهذا ما كسر شرط الموعد والحضور الذي قام عليه التشجيع القديم. يبدأ الفتى المكتشف اللعبة اليوم من هاتفه، وحده في غرفته، قبل المدرج وقبل شاشة العائلة. يتعرف إلى اللاعبين أولا داخل لعبة فيديو، يحركهم بأصابعه ويختار منهم فريقه، فيملك نجمه لاعبا في اللعبة قبل أن يراه على أرض حقيقية. يتابعه بعد ذلك على حسابه الشخصي متابعة صديق: يتابع كريستيانو رونالدو وحده أكثر من 600 مليون شخص على "إنستاغرام"، عدد يفوق ما وسعه أي ملعب في التاريخ، لكن كل واحد منهم يتابعه وحده أمام شاشته.

تغيّر معنى الهدف نفسه حين انتقل إلى الشاشة الصغيرة. كان في الملعب ثمرة انتظار وصار على الهاتف لقطة من عشر ثوان

تحولت الأندية إلى شركات عالمية تبيع نفسها لجمهور بعيد لن يزور مدرجها، وصار اللاعب علامة تجارية يتابعها الناس عبر القارات. انتقل الولاء من المكان إلى الشخص. يهاجر المشجع خلف نجمه من ناد إلى ناد بعدما كان الانتماء يورث مع اسم المدينة. تنشأ علاقة حميمة من طرف واحد: يعرف المشجع تفاصيل يوم نجمه وملامح بيته ويجهله النجم تماما. يمرر الفتى إبهامه على عشرات المقاطع في الدقيقة، هدف هنا ومراوغة هناك، فتتقطع متابعته إلى ومضات سريعة. يتعود على المتعة الفورية التي تأتي بلا انتظار، ويفقد شيئا من صبر مَن كان ينتظر المباراة أسبوعا كاملا.

REUTERS/Pascal Rossignol
مشجعون فرنسيون يتابعون نهائي كأس العالم 2018 بين فرنسا وكرواتيا عبر هاتف محمول في منطقة المشجعين بباريس

تغيّر معنى الهدف نفسه حين انتقل إلى الشاشة الصغيرة. كان في الملعب ثمرة انتظار وصار على الهاتف لقطة من عشر ثوان، متعة سريعة بلا الصبر الذي كان يصنع قيمتها. على "تيك توك" يلتقي هذا الجيل بكرة القدم في صورتها الجديدة: مقطع عمودي من ثوان، مراوغة أو هدف على إيقاع أغنية رائجة، يمرره الإبهام صعودا فيأتي غيره. هنا يكتشف الفتى لاعبه أول مرة، في مونتاج لامع صنعه مشجع آخر، فيبحث عن اسمه ثم يصنع مقطعه الخاص ويضيف إليه لمسته. صار المشجع الشاب يصنع هتافه بيده، وتحول من مردد إلى منتج. تتدفق التعليقات تحت المقطع: يرد الغرباء بعضهم على بعض ويتبارون في النكتة والحماسة، فتصير خانة التعليقات ساحة يهتفون فيها بالكلمات. صارت النكتة المصورة فولكلور هذا الزمن، تنتقل من حساب إلى حساب ويضيف إليها كل ناشر لمسته، حتى أبدع المشجعون لغة جديدة يتفاهمون بها عبر الحدود بلا ترجمة.

الشاشة والإبهام

هذا الجيل يخترع طقوسه الخاصة بدل ما فقده. يشاهد المباراة وعينه على الشاشة الكبيرة وإبهامه على شاشة أصغر، يتابع تعليقات الآلاف تنهمر لحظة بلحظة، ويرد على نكتة يطلقها غريب في الطرف الآخر من الأرض. تحولت مجموعة الدردشة إلى مدرج مصغر، يهتف فيه الأصدقاء المتباعدون بالكلمات والرموز لحظة الهدف. مشاهدة تبدو منفردة لكنها جماعية في باطنها، تربط الغرف المغلقة بعضها ببعض. يجد المراهق في هذا الصخب بعض ما وجده والده في صخب المقهى، بصورة أبرد وأوسع وأكثر تشتتا. صار لكل مباراة كبرى جمهورها الموازي على الشاشات، يعلق ويهتف في الوقت نفسه.

يكمن التغيير الأعمق في موضع أبعد. عرف كل جيل سابق مباريات شاهدها الناس جميعا، ولحظات صارت ذاكرة مشتركة يتناقلها الجميع، حتى يكفي وصف بكلمات قليلة ليتذكر الكل هدفا واحدا. أما اليوم فتربح المنصات من بقاء كل مستخدم وحده أطول وقت ممكن، فتختار له الخوارزمية ما يحبه دون سواه، وتتآكل تلك الذاكرة المشتركة شيئا فشيئا. تتكاثر اللحظات وتتوزع على شاشات يصعب أن تلتقي، فيكبر الفتى على لقطات يعرفها وحده، ويكبر جاره على غيرها، فيلتقيان عند حب الكرة ويفترقان عند ذكرياتها. صار لكل واحد موندياله الخاص، وانحل ذلك الرباط الذي كان يجمع الملايين على المشهد الواحد.

يكبر الفتى على لقطات يعرفها وحده، ويكبر جاره على غيرها، فيلتقيان عند حب الكرة ويفترقان عند ذكرياتها

أوحى هذا التشتت بالفراغ حتى جاء خريف عام 2022 ليكذب الانطباع، يوم بلغ المنتخب المغربي الدور نصف النهائي كأول منتخب عربي وأفريقي يصل إليه، فعاش ملايين بين الدار البيضاء وبروكسيل والدوحة وبلاد المهجر أسابيع شعروا فيها أنهم عائلة واحدة. جمعتهم شاشات صغيرة أضاءت في الوقت نفسه، وصورة طارت في ثوان للاعب يركض بعد الفوز إلى أمه يحملها ويرقص معها. امتلأت شوارع المدن الأوروبية بشبان يلوحون بالعلم الأحمر، أبناء مهاجرين ولدوا بعيدا عن البلاد فأيقظ المنتخب فيهم انتماء نائما. هذا الشعور المولود على الشاشات نزل إلى الأرض وصار أجسادا تملأ الميادين، فاستيقظت القبيلة القديمة لحظة بلواغ الحماسة ذروته. هذه الحالة تتكرر كل بضعة أشهر، حول لاعب صاعد أو لقطة يعرفها العالم في ليلة، ثم تتفكك بهدوء حين تخفت الموجة.

FADEL SENNA / AFP
جماهير مغربية تشعل الشماريخ احتفالا بوصول المنتخب الوطني إلى الرباط بعد مشاركته التاريخية في كأس العالم 2022

ثوب جديد

هذا الاجتماع الجديد يقوم على الشعور قبل المكان. تتبع كرة القدم مجتمعها دائما، وقد مالت الحياة العامة كلها إلى الفردية فتبعها التشجيع. تنشأ جماعات حول لحظة أو نجم أو موجة إحساس، تشتعل بسرعة وتخبو بسرعة، ويستطيع المرء أن ينتمي إلى عدة منها في الوقت نفسه. هذا بالضبط ما لاحظه ميشال مافيزولي حين تحدث عن عودة الروح القبلية في ثوب جديد، عن قبائل يجمعها دفء اللقاء المؤقت ومشاعره المشتركة. على هذا المعنى بقيت قبيلة المدرج حية بعدما خلعت جدرانها وصارت سائلة، تتجمع حيث يقع الانفعال ثم تتفرق. يوزع المرء شغفه بلا حرج: يحب ناديا أوروبيا، يتابع نجما في دوري بعيد، يشجع منتخب بلده في المونديال، ينتقل بين الثلاثة في يوم واحد. صار الانتماء ذوقا متعددا ومتغيرا أكثر منه عهدا يدوم العمر.

يدفع هذا الاتساع ثمنه في العمق: القبيلة التي ينضم إليها المرء بإصبعه ويغادرها بإصبعه أخف من قبيلة كانت تطلب جسده وصوته وحضوره. حملت القديمة أسماء من فقدتهم وتواريخ معاركها وأغاني توارثتها الأجيال، أما الجماعة التي تولد على الشاشة فتذوب في مساء واحد وتترك أثرا قليلا. هناك دفء يشتعل ساعة ثم ينطفئ، و"نحن" تتألف من ملايين "أنا"، كل أمام شاشته، تتقاسم الشعور نفسه في اللحظة نفسها وتبقى الأكتاف متباعدة. يربح الجمهور الجديد اتساعا حرم منه القديم، ويخسر عمقا كان الحضور وحده يمنحه. يشعر المرء أنه قريب من الجميع وبعيد عنهم في الوقت نفسه، يقاسمهم اللحظة ويفترق عنهم بعدها مباشرة.

مع ذلك يبقى الحنين دليلا خادعا. المدرج القديم الذي نمجده كان عالما ذكوريا خشنا، خطرا في كثير من لياليه، يغلق بابه أمام النساء والأطفال ومن يخشى العنف. في المقابل فتحت الشاشة اللعبة لملايين، ما كان ذلك المدرج ليتسع لهم، فما خسره الجمهور في العمق ربح بعضه سعة وأمانا. بكى كل جيل على الجمهور الذي فقده، ثم بنى من أدوات زمنه الجمهور الذي يقدر عليه، والذين حزنوا على المذياع يوم حل التلفاز محله، حملوا اليقين نفسه الذي نحمله اليوم.

جمهور تفرقه الأرض ويجمعه في لحظة الهدف نفس واحد يحبس في كل الصدور

قد يكون ما نسميه فقدانا، مجرد تغير في شكل اللقاء: حاجتنا إلى أن نفرح معا ونحزن معا أقوى من أن تنهيها شاشة، وهي تبحث دائما عن وعاء جديد كلما ضاق القديم. ذلك الفتى الجالس وحده أمام شاشته موصول في اللحظة نفسها بملايين يشعرون بما يشعر عبر العالم كله. قبيلته بلا جدران، وفي ذلك حريتها وهشاشتها معا. يقف اليوم الجدار الأصفر وشاشة "التيك توك" على طرفي حكاية واحدة، لكل منهما دفؤه وخسارته، ولكل جيل أن يختار الطريقة التي يحب بها. مع انطلاق كأس العالم المقبلة، موزعة على ثلاث دول ومليار شاشة، تصير أول بطولة تخص هذا الجمهور المنثور بالكامل، وهو جمهور تفرقه الأرض ويجمعه في لحظة الهدف نفس واحد يحبس في كل الصدور.

font change