يحدث في الجهة الجنوبية من ملعب "بوروسيا دورتموند" قبل صافرة البداية، مشهد يخطف الأنفاس، فيه يرفع خمسة وعشرون ألف مشجع في "الجدار الأصفر" آلاف القطع الملونة دفعة واحدة، فيختفي البشر خلف لوحة ضخمة تتحرك بحركة واحدة. هذه لغة يقولها جمهور كامل في لحظة، لغة من اختاروا أن يصيروا أكبر من مجموع أفرادهم. وفي ملعب "آنفيلد" بمدينة ليفربول على بعد آلاف الأميال، ترتفع أغنية من عشرات الآلاف من الحناجر قبل أن تتحرك الكرة، فتذوب الأصوات في صوت جماعي واحد. التقى هؤلاء للمرة الأولى، وربما الأخيرة، لكن الدقيقة الواحدة تجمعهم في "نحن" يعجز الفرد عن صنعها وحده.
قبيلة "الألتراس"
ما يجري في المدرج أقدم من اللعبة نفسها. إنه تجمع يحول حشدا متفرقا إلى جسد واحد له نبض واحد، يدخله المرء فردا ويخرج منه جزءا حاملا في حلقه بقايا هتاف ردده دون قصد. هنا تعاش المباراة قبل أن تشاهَد، فيأتي الهدف انفجارا لدقائق من التوتر، تتقاسمه المدرجات في ثانية وتتعانق فيه أكتاف كانت قبل لحظة مجرد جيران في المقاعد. تبقى تلك الثانية في الذاكرة أطول من المباراة كلها.
في قلب هذه المدرجات تنمو قبيلة أشد صلابة تعرف بـ"الألتراس"، لها قوانينها الخاصة وترتيبها وذاكرتها وفنونها. منها تولد تلك اللوحات الضخمة (التيفو) في عمل صبور يمتد أسابيع، تصنعه أيد كثيرة لتراه عين واحدة. يقودها في المدرج رجل يولي ظهره للملعب ووجهه للجمهور، تطاع كلمته دون جدال. الانتماء إليها عهد لا مجرد اشتراك: تقف حيث يقفون، تردد ما يرددون، تدافع عن ألوان فريقك بكل ما تملك. لها عقيدة تقترب من الأخلاق، ترفض "كرة القدم الحديثة" وتجارتها، وترى ولاء المدرج ثابتا في الهزيمة والنصر معا.



