بعد سنوات طويلة من المواجهات العسكرية والتوتر تخللتها مراحل من الاستقرار الهش، جاء توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، برعاية الولايات المتحدة، ليشكل محطة سياسية جديدة، يحدد خلالها مستقبل لبنان أكثر مما يتحدد مستقبل إسرائيل. المفاوضات المباشرة برعاية أميركية بين الجانبين كانت مساراً لا بد منه، تم تأجيله مراراً يوم كان نظام الأسدين وبعده "حزب الله" يختطفان قرار الدولة اللبنانية ويتخذان القرارات التي أضرت بلبنان ليضمنا مصالحهما.
صحيح أن الاتفاق لا يرقى إلى معاهدة سلام، إلا أنه خطوة باتجاه إنهاء حالة الحرب المستمرة بين البلدين، ليبدأ مسار تفاوضي وصولاً إلى اتفاق أمني جديد. وأقول "اتفاق جديد" لأن مطالبة البعض بالعودة إلى اتفاق الهدنة لا يبدو مطلباً واقعياً اليوم، فالظروف تختلف بشكل كبير عن ظروف توقيع "اتفاق الهدنة" في عام 1949. والعامل الأبرز اليوم في المفاوضات لم يعد الاحتلال والانسحاب، بل سلاح "حزب الله". فالموقف الإسرائيلي على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكد أن انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان لن يتم إلا بعد نزع سلاح "حزب الله".
الاتفاق يأتي في وقت تواجه فيه الدولة اللبنانية ظروفاً داخلية وإقليمية وحتى دولية شديدة الصعوبة، حيث تحاول فرض سيطرتها على كامل أراضيها، واستعادة هيبتها لتتمكن من تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي. لا يكفي أن تُطالب السلطات اللبنانية بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها دون أن تستطيع هي أن تقنع العالم- وليس فقط إسرائيل- بأنها ستقوم بواجباتها وتفرض سلطتها وتضع آلية وجدولا زمنيا واضحا لسحب سلاح ميليشيا "حزب الله".
لا تبدو مهمة الدولة اللبنانية سهلة، وخصوصاً مع تعارض مصالح لبنان دولة وشعباً مع مصالح "حزب الله"، فقبل يومين رفض "الحزب" شرط انتشار الجيش اللبناني في "علي الطاهر" مقابل انسحاب إسرائيلي منها، وما كان على لبنان إلا أن ينقل رفض "الحزب" ليبقى الإسرائيلي مسيطراً على المنطقة.
يدرك "حزب الله" أن قدرته على المناورة تتقلص، كذلك يدرك حجم الضغوط الداخلية والخارجية وربط مصير لبنان ومستقبله بنزع سلاحه، ومحاولاته البائسة بُعيد توقيع "اتفاق الإطار" بالحشد والتظاهر والترهيب أمام السرايا الحكومية ومناطق أخرى في بيروت، أظهرت مدى هشاشته وتراجع شعبيته.
يرى بعض المحللين أن ما فعله "الحزب" هو محاولة امتصاص غضب بعضٍ من شارعه بينما هو موافق على ما تضمنه الاتفاق. وسواء وافق أم رفض، هو يدرك أنها نهاية مرحلة سيطرته على لبنان، وأن حقبة المساكنة بين الدولة والميليشيا شارفت على نهايتها. ولاحقاً، سيُطرح سؤال إمكانية تحويل "حزب الله" إلى حزب سياسي، وهو لم يكن يوماً منذ تأسيسه إلا ميليشيا مسلحة دخلت السياسة بقوة سلاحها، فهل سيلجأ اللبنانيون إلى مقايضة بعض بنود "اتفاق الطائف" بالسلاح؟ المؤكد أن مصير لبنان مرتبط بمصير السلاح، ولكي ينجو لبنان من أزماته الكثيرة لا بد من أن يُنزع أو يُسلم هذا السلاح للدولة.
نجاح الاتفاق مرتبط بمدى التزام الأطراف بتنفيذه، وقدرة الدولة اللبنانية على بسط سيطرتها في الجنوب، واستعداد إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية
يتخوف بعض اللبنانيين أن يقايض المجتمع الدولي ومعه إسرائيل موضوع السلاح داخل لبنان بتسليم الصواريخ، أي أن يبقى سلاح بيد "حزب الله" لا يهدد أمن إسرائيل ولكنه يبقى خاطفاً للدولة والشعب. معركة السلاح هي معركة اللبنانيين قبل غيرهم، معركة استعادة دولتهم وقرارهم والأهم مصيرهم ومستقبلهم، وعلى اللبنانيين الانتقال من التلقي إلى الفعل، كي لا يحصل اتفاق بين دول كبرى يدفع ثمنه مجدداً اللبنانيون.
نجاح الاتفاق مرتبط بمدى التزام الأطراف بتنفيذه، وقدرة الدولة اللبنانية على بسط سيطرتها في الجنوب، واستعداد إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية كي تتمكن الحكومة اللبنانية من القيام بواجباتها. لكن إنقاذ لبنان مرتبط بالخطوات العملية التي ستقوم بها الدولة اللبنانية بجدول زمني واضح لتنتهي حقبة سيطرة الميليشيا على الدولة.