ماريا دعدوش لـ"المجلة": أرفض أن يكون بطل قصصي عاجزا أو مستسلما

طريقة المعالجة هي التي تصنع الفارق الحقيقي

facebook- maria dadouch
facebook- maria dadouch

ماريا دعدوش لـ"المجلة": أرفض أن يكون بطل قصصي عاجزا أو مستسلما

حين تتحول التفاصيل اليومية إلى حكايات ويغدو الخيال جسرا بين المعرفة والمتعة، تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تضع بصمتها الخاصة في عالم الكتابة للأطفال واليافعين. ومن بين هذه الأسماء تبرز الكاتبة السورية ماريا دعدوش، التي نجحت في بناء مشروع سردي متميز، طوعت فيه أدواتها الفنية لتصنع مدرسة إبداعية متفردة تخاطب القارئ الصغير بعين تحترم ذكاءه وتساؤلاته.

تتجاوز مسيرة دعدوش (مواليد دمشق 1970) حدود الغزارة التي تجلت في أكثر من 80 عملا منشورا، لتقدم تجربة سردية متنوعة تنقلت فيها بين القصص المصورة والرواية وكتابة السيناريو ورسوم "الأنيميشن".

وقد توج منجز دعدوش، التي تقيم في سان دييغو وتحمل شهادة في الكتابة الإبداعية من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، بعدد من التكريمات والجوائز الرفيعة من بينها: جائزة الشيخ زايد للكتاب وجائزة كتارا للرواية العربية وجائزة خليفة التربوية وجائزة عبد الحميد شومان، كما نالت منحة "كلير كارمايكل" للرواية، وزمالة "هيدجبروك" الأدبية، ووصلت أعمالها القوائم النهائية لجوائز بارزة، فيما أدرجت بعض كتبها ضمن قائمة "White Ravens" العالمية ومختارات معهد العالم العربي "100 كتاب للشباب". هنا حوار "المجلة" معها.

كتبت للأطفال في مراحل عمرية متعددة، كيف تختلف أدواتك السردية ولغتك وموضوعاتك باختلاف الفئة العمرية المستهدفة؟

أشعر أن الحكايات تتشكل حولنا في كل الأوقات والأماكن، وتنبض بشخصيات من مختلف الأعمار والخلفيات. حكايات توقظ في الكاتب شغف تدوينها، ولهذا أجد نفسي جاهزة للكتابة لجميع الأجيال، فحين تتفاعل الشخصيات مع أحداث الحياة، فإنها تهبنا في الوقت ذاته حبكات قصصنا.

ولكنني أعتقد أن الفارق الحقيقي بين القصص يكمن في الأدوات التي يستخدمها ويوظفها المبدع، وفي مدى مراعاته للمعايير التي تحكم الكتابة لكل فئة عمرية، ولا سيما للأطفال واليافعين، فعندما نكتب للكبار تتسع مساحة الحرية وتصبح الضوابط ذاتية ترتبط برؤية الكاتب وخياراته الأخلاقية وفلسفته في الحياة. أما الكتابة لمن هم دون الثامنة عشرة، فتتطلب مراعاة أمور عديدة منها، مستوى استيعاب القارئ وقاموس مفرداته، وما يراه التربويون والمختصون النفسيون مناسبا للأطفال، فضلا عن أهمية الإيقاع السريع للأحداث، وحضور الفكاهة الضروري وغيرها من العناصر التي تسهم في بناء حكاية قادرة على إحداث التواصل والتأثير.

الخيال متعة وتعلم

ما أهم التحديات التي تواجه كاتب أدب العلوم للأطفال؟ وكيف يمكن تحويل المعلومة العلمية إلى حكاية تجذب القارئ الصغير وتغذي فضوله وتحفزه على اكتشاف المعرفة؟

أحد أبرز التحديات التي تواجه كاتب أدب العلوم للأطفال اليوم هو تراجع اهتمام الأطفال بالعلوم عموما، وبالقصص العلمية خصوصا، في ظل تغير أنماط تلقي المعرفة، فقد أصبحت الشاشات والمحتوى السريع أكثر حضورا، مما أضعف لدى غالبية الأطفال الميل إلى التساؤل والبحث والاكتشاف العلمي.

ولذلك أرى أن التحدي الأول هو: كيف يمكن جذب قارئ غير مهتم أصلا بالموضوع العلمي؟ وهنا تبرز أهمية الأدوات السردية، إذ يتحول العلم إلى قصة عبر الخيال، ويصبح أكثر تأثيرا حين يرتبط بالتجربة الإنسانية ومشاعر الطفل وأسئلته، كما ينبغي تجنب تقديم العلم في صورة شرح مباشر أو معلومات جافة، لأن المعلومة تكتسب قوتها عندما تدمج داخل حكاية تتضمن شخصيات وأحداثا وصراعا يثير الفضول.

على الكاتب التمييز بين الحقائق المثبتة علميا وبين الترهات التي يبتدعها صناع المحتوى على "السوشال ميديا" لحصد المشاهدات

هناك تحد آخر يواجه الكاتب اليوم وهو ضمان دقة المعلومة العلمية، في ظل انتشار المحتوى غير الموثوق به، مما يفرض على الكاتب مسؤولية البحث والاعتماد على مصادر علمية موثوقة بها والتمييز بين الحقائق المثبتة علميا وبين الترهات التي يبتدعها صناع المحتوى على "السوشال ميديا" ثم يعطيها مظهرا علميا كي يحصد المشاهدات فقط.  

بعد هذه التحديات يواجه الكاتب تحديا جديدا، وربما ليس الأخير، وهو أن يرصد علاقة ما بين المعلومة العلمية وبين التجربة الحياتية للقارئ، ومن هنا يبدأ بتوظيف الخيال والسرد لربط العلم بالتجربة الإنسانية، فتتحول المعلومة من حقيقة مجردة إلى تجربة تدفع الطفل إلى الاكتشاف والتعلم.

التجربة الإنسانية

في قصتك "مكوك الشباب الدائم"، توظفين نظرية النسبية لتناول هاجس العمر، وهو موضوع يخص الكبار عادة. ما الذي دفعك لطرحه في عمل موجه للأطفال؟

في الأصل، جاءت قصة "مكوك الشباب الدائم" ضمن مبادرة علمية موجهة للأطفال تهدف إلى تبسيط المعرفة، حيث تسعى إلى شرح نظرية النسبية لآينشتاين، التي تعد من أبرز النظريات المؤسسة للفيزياء الحديثة، وتقديمها في إطار قصصي يجمع بين المتعة والمعرفة ويقرب الفكرة إلى القارئ.    

تتمحور الفكرة حول أحد المفاهيم الأساس في نظرية النسبية، إذ يتباطأ الزمن بالنسبة إلى الجسم كلما اقتربت سرعته من سرعة الضوء، فيتقدم في العمر بوتيرة أبطأ ممن بقوا على الأرض.  

ومن هذا المفهوم ولدت الحبكة، إذ تخيلت زوجة لا تريد التقدم في العمر، فتخوض رحلة فضائية تقترب من سرعة الضوء محتفظة ببريق شبابها، لكنها حين تعود تجد زوجها قد شاخ، فتتسع الفجوة بينهما رغم استمرار المحبة. من هنا تتحول الفكرة العلمية إلى تجربة إنسانية تتناول الزمن والعلاقات ومعنى التقدم في العمر. 

قد يبدو الموضوع يخص الكبار، لكنه كان مدخلي لتبسيط مفهوم النسبية وربطها بقصة إنسانية يتفاعل معها الطفل. ولهذا جعلت العمل قائما على علاقة حب، فالحب عاطفة يدركها الطفل بفطرته، وهو الجسر الأكثر عبورا الى قلب القارئ مهما كان عمره.

الزفت الأبيض

في رواية "الزفت الأبيض" تناولت قضية التدخين والمخدرات من خلال قصة موجهة لليافعين. في رأيك، كيف يمكن السرد أن يسهم في التوعية بمثل هذه القضايا الحساسة التي تواجه هذه الفئة العمرية؟        

تظل هذه الرواية من أقرب الأعمال إلى قلبي، فشخصياتها لا تزال تسكنني، حتى إنني كثيرا ما ألمح انعكاسها في وجوه العابرين بالأماكن العامة، وكأن البطل لا يزال يعيش بيننا. وقد حرصت على منحه ملامح إنسانية حقيقية وقريبة من القارئ، لتبدو عواطفه واختياراته تشبه أشخاصا نعرفهم في الواقع، مما يسهل التفاعل معه ومرافقته في رحلته.  

في هذه القصة، يعيش القارئ مع البطل صراعاته وانحداره التدريجي بعد الوقوع في فخ الإدمان. هذا التماهي هو ما يمنح الرسالة أثرها العميق، فالقارئ لا يتابع الأحداث من الخارج، وإنما يعيش التجربة ليتشكل لديه وعي حقيقي بمخاطر الإدمان المدمرة. 

إذا استطاعت الرواية أن تغير وعي شاب واحد، فإن ذلك يمثل النجاح الأكبر للكاتب

وقد أسعدتني كثيرا رسائل القراء وهم يتساءلون عن مصير هذا الشاب وكأنه إنسان واقعي، فهذا التفاعل هو الأثر الحقيقي الذي تتركه القصة في الوعي. وفي تقديري، إذا استطاعت الرواية أن تغير وعي شاب واحد، أو تحميه من الانزلاق إلى هذا الطريق، فإن ذلك يمثل النجاح الأكبر للكاتب.  

     

نافذة الأمل

حازت روايتك "القلب خلف الضلع تماما" جائزة الشيخ خليفة التربوية، لمعالجتها العميقة لقضايا الفقد والحنين إلى الوطن. كيف توازن الكتابة لليافعين بين عمق هذه الطروحات وجاذبية السرد؟   

الموضوعات العميقة مثل الفقد والانتماء والحنين إلى الوطن يمكن أن تكون جاذبة لليافعين إذا قدمت من خلال تجربة إنسانية حية، لا بوصفها أفكارا مجردة أو شعارات. المهم هو أن نقرب هذه المفاهيم من القارئ عبر قصة يستطيع أن يشعر بها ويتفاعل معها، لا أن يتلقاها بشكل مباشر أو خطابي.  

في هذه الرواية، حاولت أن أجعل التجربة مرتبطة بمصير البطل نفسه، بحيث يعيش فقدا شخصيا مؤلما منذ البداية، حين يفقد أمه خلال الغزو، ثم أخته لاحقا، وهو ما يترك داخله أثرا نفسيا عميقا يتحول إلى كابوس دائم وهاجس يرافقه في مراحل حياته.   

هذا الألم المستمر يصبح جزءا من تكوينه النفسي وقراراته، ويجعله يشعر طوال الوقت بأنه فشل في حماية من يحب، خصوصا أخته التي أوصته بها أمه.   

الإحساس بالذنب أو التقصير هو ما يخلق لدى القارئ مساحة للتعاطف، لأن كثيرا من اليافعين يمكن أن يربطوا بين هذه المشاعر وتجارب فقد أو خوف أو مسؤولية عاشوها بشكل أو بآخر.   

ومع تقدم الأحداث، يواجه البطل خيبة الغدر وخسارة الوعود، ثم يبدأ في إدراك أن استعادة ما فقد لا تأتي إلا من خلال المواجهة والمقاومة.  

وعندما يستعيد أخته ويتحقق له جزء من الانتصار، تتضح فكرة أن الألم لا يعني النهاية، وأن الطريق، رغم قسوته، قد يقود إلى استعادة الذات والوطن معا.   

بهذا الشكل، تتحول القضايا الكبرى مثل الوطن والفقد والانتماء، إلى تجربة إنسانية يمكن اليافع أن يتعاطف معها، لأن القصة لا تفرض عليه الفكرة، ولكنها تجعله يعيشها من خلال البطل ومشاعره وتحولاته. 

       

لا نستطيع بعد !

يتزايد الحديث اليوم عن دور أدب الطفل في الدعم النفسي، ومساعدة الصغار في فهم مشاعرهم ومواجهة التحديات القاسية، كالحروب والتفكك الأسري والتنمر والتحرش. إلى أي مدى تؤمنين بقدرة الحكاية على تقديم هذه المساندة؟

كتبت بالفعل في عدد من هذه الموضوعات الحساسة، وأرى أن طريقة المعالجة هي التي تصنع الفارق الحقيقي في أثر النص على القارئ الصغير. من المهم ألا تكون القصص ثقيلة أو صادمة على نحو مباشر، بل يمكن أن نخفف حدة التجربة عبر بناء شخصية قريبة من الطفل، أحيانا تكون خفيفة الظل أو مرحة، حيث تمنح القارئ مساحة للتنفس أثناء التلقي، فبعض الأطفال، حين يواجهون نصا فيه ألم شديد، قد يحتاجون إلى لحظة ابتسام أو تفريغ بسيط يوازن التجربة السردية ويجعلها أكثر قابلية للاستيعاب.  

ماذا يخفي ياسر؟

لكن هذا الأسلوب في الكتابة لا يعني تقليل قسوة الواقع أو تبسيط معاناة الأشخاص بشكل مخل، بل على العكس، من الضروري احترام التجربة الحية للأطفال على الأرض وما يعيشونه فعليا، سواء في مخيمات اللجوء، أو تحت وطأة العنف الأسري، أو غيرها من الظروف الصعبة، فإذا طرحت هذه القضايا بطريقة تفقدها ثقلها الإنساني أو تقلل حجم الألم، فقد يكون الأثر عكسيا، وربما غير عادل تجاه التجربة الحقيقية للمتضررين.  

عندما يشعر القارئ بأن الشخصية قادرة على المواجهة، فإنه يتماهى معها ويستمد منها قوة نفسية، ويجد فيها سندا يخفف وطأة التجربة

لذلك، أرى أن التوازن ضروري، إذ يمكننا تقديم جرعة من الأمل تلائم عمر القارئ، دون إخفاء قسوة الواقع، مع الحفاظ دائما على مساحة للضوء حتى إن لم نملك حلولا جاهزة وكاملة، فالميزة الحقيقية لأدب الأطفال عن أدب الكبار، هي أنه لا يكتفي بعرض الألم، وإنما يفتح أمام الطفل نافذة الأمل لتساعده في التعايش والتجاوز، وتمنحه صلابة داخلية وتحميه من الإحباط.  

 

مؤلفات ماريا دعدوش

حتى لو لم نختر لبطلنا أن يكون مرحا لكن لا بد لنا، على الأقل، ألا يكون عاجزا أو منفعلا أو مغلوبا، ففي روايتي "كوكب اللامعقول"، مثلا، وهي أول تكريم حقيقي لي بعد فوزها بجائزة كتارا للرواية العربية عام 2018، تناولت موضوع الحرب السورية بصورة غير مباشرة، مع التركيز على آثار ما بعد الصدمة، لم تكن شخصية البطلة ذات طابع فكاهي بقدر ما كانت متمردة وحيوية، وهذا التمرد تحديدا هو ما منحها قدرتها على بث القوة في القارئ. 

عندما يشعر القارئ بأن الشخصية قادرة على المواجهة وعدم الاستسلام، فإنه يتماهى معها ويستمد منها قوة نفسية، ويجد فيها سندا يخفف وطأة التجربة، حتى وإن لم تقدم الرواية حلولا مباشرة. 

font change