حين تتحول التفاصيل اليومية إلى حكايات ويغدو الخيال جسرا بين المعرفة والمتعة، تبرز أسماء قليلة استطاعت أن تضع بصمتها الخاصة في عالم الكتابة للأطفال واليافعين. ومن بين هذه الأسماء تبرز الكاتبة السورية ماريا دعدوش، التي نجحت في بناء مشروع سردي متميز، طوعت فيه أدواتها الفنية لتصنع مدرسة إبداعية متفردة تخاطب القارئ الصغير بعين تحترم ذكاءه وتساؤلاته.
تتجاوز مسيرة دعدوش (مواليد دمشق 1970) حدود الغزارة التي تجلت في أكثر من 80 عملا منشورا، لتقدم تجربة سردية متنوعة تنقلت فيها بين القصص المصورة والرواية وكتابة السيناريو ورسوم "الأنيميشن".
وقد توج منجز دعدوش، التي تقيم في سان دييغو وتحمل شهادة في الكتابة الإبداعية من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، بعدد من التكريمات والجوائز الرفيعة من بينها: جائزة الشيخ زايد للكتاب وجائزة كتارا للرواية العربية وجائزة خليفة التربوية وجائزة عبد الحميد شومان، كما نالت منحة "كلير كارمايكل" للرواية، وزمالة "هيدجبروك" الأدبية، ووصلت أعمالها القوائم النهائية لجوائز بارزة، فيما أدرجت بعض كتبها ضمن قائمة "White Ravens" العالمية ومختارات معهد العالم العربي "100 كتاب للشباب". هنا حوار "المجلة" معها.
كتبت للأطفال في مراحل عمرية متعددة، كيف تختلف أدواتك السردية ولغتك وموضوعاتك باختلاف الفئة العمرية المستهدفة؟
أشعر أن الحكايات تتشكل حولنا في كل الأوقات والأماكن، وتنبض بشخصيات من مختلف الأعمار والخلفيات. حكايات توقظ في الكاتب شغف تدوينها، ولهذا أجد نفسي جاهزة للكتابة لجميع الأجيال، فحين تتفاعل الشخصيات مع أحداث الحياة، فإنها تهبنا في الوقت ذاته حبكات قصصنا.
ولكنني أعتقد أن الفارق الحقيقي بين القصص يكمن في الأدوات التي يستخدمها ويوظفها المبدع، وفي مدى مراعاته للمعايير التي تحكم الكتابة لكل فئة عمرية، ولا سيما للأطفال واليافعين، فعندما نكتب للكبار تتسع مساحة الحرية وتصبح الضوابط ذاتية ترتبط برؤية الكاتب وخياراته الأخلاقية وفلسفته في الحياة. أما الكتابة لمن هم دون الثامنة عشرة، فتتطلب مراعاة أمور عديدة منها، مستوى استيعاب القارئ وقاموس مفرداته، وما يراه التربويون والمختصون النفسيون مناسبا للأطفال، فضلا عن أهمية الإيقاع السريع للأحداث، وحضور الفكاهة الضروري وغيرها من العناصر التي تسهم في بناء حكاية قادرة على إحداث التواصل والتأثير.
الخيال متعة وتعلم
ما أهم التحديات التي تواجه كاتب أدب العلوم للأطفال؟ وكيف يمكن تحويل المعلومة العلمية إلى حكاية تجذب القارئ الصغير وتغذي فضوله وتحفزه على اكتشاف المعرفة؟
أحد أبرز التحديات التي تواجه كاتب أدب العلوم للأطفال اليوم هو تراجع اهتمام الأطفال بالعلوم عموما، وبالقصص العلمية خصوصا، في ظل تغير أنماط تلقي المعرفة، فقد أصبحت الشاشات والمحتوى السريع أكثر حضورا، مما أضعف لدى غالبية الأطفال الميل إلى التساؤل والبحث والاكتشاف العلمي.
ولذلك أرى أن التحدي الأول هو: كيف يمكن جذب قارئ غير مهتم أصلا بالموضوع العلمي؟ وهنا تبرز أهمية الأدوات السردية، إذ يتحول العلم إلى قصة عبر الخيال، ويصبح أكثر تأثيرا حين يرتبط بالتجربة الإنسانية ومشاعر الطفل وأسئلته، كما ينبغي تجنب تقديم العلم في صورة شرح مباشر أو معلومات جافة، لأن المعلومة تكتسب قوتها عندما تدمج داخل حكاية تتضمن شخصيات وأحداثا وصراعا يثير الفضول.



