من "الغضب الملحمي" إلى غضب الناخب... حرب إيران ومصير الكونغرس 2026

"مطرقة ترمب" الجديدة

رويترز
رويترز
عجلة الحرية 250 تعمل خلال افتتاح معرض الولايات الأميركية العظيم في ناشونال مول، مع ظهور مبنى الكابيتول في الخلفية، في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة الأميركية، 25 يونيو 2026

من "الغضب الملحمي" إلى غضب الناخب... حرب إيران ومصير الكونغرس 2026

لم تكن عملية "الغضب الملحمي" التي شهدناها في شهري فبراير/شباط ومارس/آذار من عام 2026 مجرد استعراض عسكري تقليدي للقوة الصلبة في منطقة الشرق الأوسط، بل مثلت تحولاً جذرياً في مفهوم استخدام الآلة العسكرية الأميركية، لتصبح بمثابة "مطرقة ترمب" الجديدة التي أعادت إلى الأذهان إرث هاري ترومان في تشكيل ملامح الردع العالمي، وإن كان ذلك باختلاف جوهري في الدوافع والفلسفة.

فبينما كان ترومان يسعى لبناء مؤسسات دولية وهيكل تحالفات راسخ بعد الحرب العالمية الثانية، يبدو نهج ترمب أكثر ميلاً إلى الصدمة أحادية الجانب والاعتماد على هيبة القوة العسكرية المطلقة. غير أن هذه الحرب، وفي سابقة تستحق التوقف أمام أبعادها الاجتماعية والسياسية، لم تعد مجرد صراع دولي يدور في فلك السياسة الخارجية وصناعة القرار الخارجي فحسب، بل تحولت في غضون أشهر قليلة إلى عامل داخلي حاسم يعيد تشكيل الخريطة السياسية الأميركية وتوجهات الناخبين ونحن نقترب بخطى متسارعة من استحقاق الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

يطرح هذا المشهد الاستثنائي تساؤلاً مركزياً حول اتجاهات المزاج العام الأميركي اليوم وفي ظل الانقسام الجذري غير المسبوق: هل ستكون هذه الحرب رافعة انتخابية لـ"الجمهوريين" تعزز صورتهم كحماة للأمن القومي الاستراتيجي كما يأمل صقور الحزب، أم ستتحول تدريجياً إلى عبء انتخابي ثقيل يعاقب الحزب الحاكم في صناديق الاقتراع كما يراهن "الديمقراطيون" والتيارات الانعزالية المتصاعدة؟

كشفت تفاعلات حرب إيران عن انقسام جذري وتصدع أيديولوجي داخل "الحزب الجمهوري"، مفرزة صراعاً داخلياً مريراً بين تيارين رئيسين يتنازعان على توجيه بوصلة الحزب المحافظ

وما بين هذه التجاذبات الداخلية الحادة في أروقة واشنطن، تقف دول الخليج العربي أمام معادلة معقدة ومتعددة الأبعاد، تتطلب قراءة دقيقة لكيفية ترجمة هذه الديناميكية الأميركية الداخلية إلى فرص حقيقية لانتزاع استقلالية استراتيجية أكبر، أو مخاطر قد تعيد صياغة مفهوم الشراكة والتحالف من جذوره.

التأثير الاقتصادي على الناخب الأميركي

من منظور اجتماعي واقتصادي متعمق، لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل خيارات الناخب الأميركي عن واقعه المعيشي اليومي، فالسياسة الخارجية في نهاية المطاف تمر عبر بوابة الاقتصاد المحلي. لقد أدى التصعيد العسكري الأخير إلى اضطرابات حادة في سلاسل التوريد وأسواق الطاقة العالمية، مما دفع أسعار النفط لتتجاوز حاجز 90 إلى 120 دولاراً للبرميل. هذا الارتفاع ليس مجرد رقم يُتداول في البورصات العالمية وشاشات التداول، بل هو ضريبة مباشرة وملموسة يدفعها المواطن الأميركي في محطات الوقود وفي فواتير السلع الأساسية، وتترجم فوراً إلى موجات تضخمية ترهق كاهل الطبقات الوسطى والطبقات العاملة، لا سيما في الولايات المتأرجحة صناعياً.

رويترز
رجل يدلي بصوته خلال الانتخابات التمهيدية للولاية لاختيار مرشحين لانتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، في تشابل هيل، بولاية كارولاينا الشمالية، الولايات المتحدة الأميركية، في 3 مارس 2026

إذا استعرنا المقارنات التاريخية مع حروب سابقة، مثل تداعيات حرب العراق في 2003 أو حتى أزمات الطاقة في أواخر السبعينات، نجد أن المغامرات العسكرية أو الأزمات الخارجية سرعان ما تفقد بريقها الأولي عندما تمس جيب المواطن وتهدد استقراره المالي. وتظهر الاستطلاعات الحالية والمؤشرات الديموغرافية تراجعاً ملحوظاً في تأييد سياسات ترمب، وتحديداً بين شريحة المستقلين والشباب والطبقة العاملة التي شكلت قاعدة صلبة لانتصاراته السابقة. في هذه الأوساط، تحول التركيز الشعبي من الإعجاب العابر بعمليات استعراض القوة وتأديب الخصوم، إلى القلق العميق من التكاليف الاقتصادية وتبعاتها الممتدة. في هذا السياق، ينظر قطاع واسع من الناخبين إلى هذه الحرب المتصاعدة باعتبارها تناقضاً صارخاً مع جوهر الوعد الشعبوي المتمثل في شعار "أميركا أولاً"، والذي قام بالأساس على سردية فك الارتباط بصراعات الخارج المكلفة للتركيز على بناء الداخل الاقتصادي وتأمين الحدود المادية للولايات المتحدة.

الانقسام الداخلي في الحزب الجمهوري

لقد كشفت تفاعلات حرب إيران عن انقسام جذري وتصدع أيديولوجي داخل "الحزب الجمهوري" نفسه، مفرزة صراعاً داخلياً مريراً بين تيارين رئيسين يتنازعان على توجيه بوصلة الحزب المحافظ. التيار الأول يمثله الصقور التقليديون، على غرار السيناتور ليندسي غراهام والمؤسسة الكلاسيكية، الذين ينظرون إلى ضرب القدرات الإيرانية وتفكيك شبكاتها كفرصة ذهبية وتاريخية لإعادة هندسة الأمن في الشرق الأوسط، واستعادة هيبة الردع الأميركي التي تآكلت في السنوات الماضية. هؤلاء يرون في القوة الخشنة امتداداً طبيعياً للدور الأميركي القيادي.

أما التيار الثاني فيمثله الانعزاليون والشعبويون المتشددون في حركة "ماغا" والقواعد الانتخابية ذات النزعة القومية المحلية، الذين يرون في هذا التدخل العسكري استنزافاً مالياً وعسكرياً خطيراً لا يخدم المصالح القومية المباشرة للمواطن الأميركي، ويمثل ارتداداً غير مبرر عن وعود الانعزال الحميد وإنهاء "الحروب الأبدية".

تفرز التحولات الأميركية الداخلية العميقة مزيجاً دقيقاً من الفرص الواعدة والمخاطر الاستراتيجية الجسيمة، مما يضع صناع القرار في دول "مجلس التعاون" أمام اختبار تاريخي غير مسبوق للتعامل مع واقع السيادة المتغير

هذا التصدع لم يبق حبيس الغرف المغلقة، بل أثر بشكل مباشر وحاد على التماسك الحزبي استعداداً للانتخابات النصفية، مما ينذر بتمردات داخلية وانقسامات في الانتخابات التمهيدية قد تضعف حظوظ المرشحين الجمهوريين، وتشتت مصادر التمويل في الدوائر الانتخابية المتأرجحة. وكما أشرت بتفصيل في تحليل سابق حول "العنف السياسي في أميركا والذئاب المنفلتة"، فإن الانقسام الحاد وتصعيد الخطاب لم يعد يقتصر على الصراع التقليدي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بل تغلغل بقوة إلى داخل البنية الحزبية الواحدة، مما يغذي التوترات ويجعل من السياسة الخارجية مادة دسمة وقابلة للاشتعال في المشهد الداخلي، مما ينذر بعواقب وخيمة على السلم الأهلي والاستقرار السياسي.

فرص "الديمقراطيين" وديناميكيات الكونغرس

في ظل هذا المشهد المعقد والمضطرب، يجد "الديمقراطيون" أنفسهم أمام فرصة سياسية سانحة ربما لم تكن في الحسبان لاستعادة السيطرة على مجلس النواب، وربما إحداث اختراق في مجلس الشيوخ، مدفوعين بالاستياء الشعبي المتنامي من التداعيات الاقتصادية للحرب وتكاليفها الباهظة. لقد أثبتت الأشهر الماضية من رحم هذه الأزمة فشل ظاهرة "الالتفاف حول الراية" التي كانت تميز الرأي العام الأميركي تاريخياً في أوقات الأزمات الخارجية الكبرى والحروب. هذا الفشل في حشد الشارع يعود أساساً إلى حالة الانقسام المجتمعي الحاد وغياب الثقة بالمؤسسات، وهو ما جعل من الصعب جداً توحيد الأميركيين، بمختلف أطيافهم، خلف قيادة سياسية واحدة حتى في زمن الحرب المباشرة.

أ.ف.ب
مجلس النواب الأميركي بواشنطن العاصمة، 5 يناير 2023

إذا تحققت سيناريوهات السيطرة الديمقراطية على الكونغرس أو إحدى غرفتيه في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، فإن إدارة ترمب ستواجه واقعاً تشريعياً عسيراً ورقابة برلمانية صارمة. سيشمل ذلك بلا شك محاولات جادة ومكثفة لتقييد ميزانية المجهود الحربي، وتفعيل قوانين سلطات الحرب لغل يد السلطة التنفيذية. هذا الشلل التشريعي والرقابة الصارمة سيحدان بشكل كبير من مرونة البيت الأبيض في إدارة السياسة الخارجية، ويضعانه تحت ضغط هائل ومستمر إما لإنهاء العمليات العسكرية بشكل متعجل، أو تقليص نطاقها الاستراتيجي، وهو ما سيرسل إشارات متناقضة للحلفاء والخصوم على حد سواء.

التداعيات الاستراتيجية على أمن الخليج ومستقبل الشرق الأوسط

خليجياً، تفرز هذه التحولات الأميركية الداخلية العميقة مزيجاً دقيقاً من الفرص الواعدة والمخاطر الاستراتيجية الجسيمة، مما يضع صناع القرار في دول "مجلس التعاون" أمام اختبار تاريخي غير مسبوق للتعامل مع واقع السيادة المتغير. في الجانب الإيجابي، إذا أدت العملية العسكرية إلى تحجيم جذري وطويل الأمد للنفوذ الإيراني، وتدمير البنى التحتية العسكرية لطهران وتقليم أذرعها في المنطقة، فإن ذلك سيخلق بلا شك بيئة أمنية أكثر استقراراً في مياه الخليج ومضيق هرمز. هذا الاستقرار النسبي سيفتح آفاقاً لفرص استثمارية كبرى ويقلل من علاوات المخاطر، كما سيعزز في المدى القصير من متانة الشراكة المتجددة مع واشنطن ويمنح دول الخليج مساحة للتركيز على التنمية الداخلية.

تمثل حرب إيران وتداعياتها الانتخابية والاقتصادية المحك الحقيقي والاختبار الأقسى لـ"عقيدة ترمب" وللسياسة الخارجية الأميركية برمتها

ولكن على الجانب الآخر وفي المدى الاستراتيجي الأطول، تبرز المخاطر الجدية المرتبطة بتبعات الاستنزاف الأميركي وحالة الإنهاك السياسي الداخلي. فاحتمالية تراجع الالتزام الأميركي طويل الأمد بحماية أمن الخليج، تحت وطأة الضغوط الانتخابية والتشريعية في واشنطن والرفض الشعبي للتدخلات الخارجية، تضع دول الخليج أمام حتمية تاريخية لتسريع خطواتها نحو تشكيل تكتل دفاعي وأمني ذاتي لا يعتمد بشكل كلي على المظلة الأميركية. وكما أشرت في قراءة تحليلية سابقة لقمة المنامة 2025، فإن التحول من الاعتماد السلبي على التحالفات التقليدية القديمة إلى بناء تكتل تفاوضي أمني ودفاعي خليجي متماسك لم يعد ترفاً استراتيجياً يمكن تأجيله. سواء أسفرت حرب إيران عن انتصار سريع يعزز الحضور الأميركي المؤقت، أو تحولت إلى استنزاف يخلق فراغاً يفرضه تراجع واشنطن الاضطراري، فإن تنويع الشراكات الاستراتيجية مع قوى دولية كبرى وصاعدة كالصين وروسيا، وتفعيل مشاريع الدرع الصاروخي والبحري الخليجي المشترك، يمثلان المسار الأكثر عقلانية وواقعية.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة قبل صعوده على متن طائرة الرئاسة "إير فورس ون" المتجهة من مطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك، في 9 يونيو 2026

وهنا، وفي هذا السياق الدقيق، تبرز بوضوح الفلسفة العميقة القائمة خلف "الرؤية السعودية 2030" ونظيراتها في المنطقة. هذه الرؤى الطموحة تدرك تماماً أن التنمية المستدامة والتحول الاقتصادي الهيكلي يتطلبان ضمانات أمنية مؤسسية دائمة ومستقرة، تبنى على المصالح الاستراتيجية المشتركة والمنافع الاقتصادية المتبادلة، ولا يمكن أن تكون مرتبطة بالتقلبات المزاجية للناخب الأميركي في ولايات "حزام الصدأ" أو خاضعة لتجاذبات كل دورة انتخابية في الكونغرس. التنمية تحتاج إلى بيئة لا تهتز مع كل أزمة سياسية في العاصمة الأميركية.

ماذا بعد؟

في المحصلة النهائية، تمثل حرب إيران وتداعياتها الانتخابية والاقتصادية المحك الحقيقي والاختبار الأقسى لـ"عقيدة ترمب" وللسياسة الخارجية الأميركية برمتها. فالسؤال الأبرز للفترة المفصلية ما بين 2026 و2028 هو ما إذا كانت أميركا تمتلك الإرادة السياسية والقدرة المجتمعية على استعادة دور "الشرطي العالمي" ولو لبرهة من الزمن لضبط الإيقاع الدولي، أم إن هذا الصدام العسكري العنيف سيسرع في واقع الأمر من وتيرة انسحابها النسبي وتراجع التزامها في الشرق الأوسط تلبية لنداءات الاستنزاف والضغوط الداخلية العنيفة.

وسط الصراع الأميركي المحتدم بين الكاريزما والمؤسسات، لا يمكن لدول الخليج، الباحثة عن مستقبل مزدهر ومستقر، أن تبني استراتيجياتها الدفاعية والسياسية طويلة المدى

إن الرسالة الاستراتيجية الموجهة لدول الخليج اليوم، وفي خضم هذا المخاض الدولي، باتت شديدة الوضوح، وهي أن الاستقلالية الاستراتيجية وتوسيع هامش المناورة الجيوسياسية أصبحا ضرورة وجودية ومطلباً أمنياً، لا مجرد خيار سياسي تكتيكي. وبالعودة إلى القراءة العميقة لفلسفة ماكس فيبر في السلطة، فإننا نشهد اليوم في واشنطن صراعاً جلياً وتاريخياً بين نموذج "السلطة الكاريزمية" الذي يجسده الرئيس والذي يميل لاتخاذ القرارات الصادمة والأحادية وغير المتوقعة لكسب الجماهير، وبين نموذج "العقلانية المؤسسية" والبيروقراطية الذي يحاول جاهداً كبح جماح تلك الكاريزما المندفعة عبر استخدام أدوات الرقابة التشريعية في الكونغرس وتوظيف الضغوط الاقتصادية وحملات الإعلام.

في وسط هذا الصراع الأميركي المحتدم بين الكاريزما والمؤسسات، لا يمكن لدول الخليج، الباحثة عن مستقبل مزدهر ومستقر، أن تبني استراتيجياتها الدفاعية والسياسية طويلة المدى على جاذبية الكاريزما السياسية في واشنطن وحدها أو على وعود الأفراد مهما بلغت قوتهم، بل يجب أن ترتكز بشكل لا لبس فيه على تعزيز صلابة المؤسسات الوطنية والإقليمية، وبناء التحالفات العقلانية البرغماتية، وتطوير قدرات ذاتية قادرة على الصمود وامتصاص الصدمات في وجه التحولات العالمية العاصفة وغير المتوقعة.

font change