في مجموعته الجديدة "انبش الفجر"، الصادرة حديثا في باريس عن دار "لا رومور ليبر"، يفتح الشاعر الفرنسي اللبناني الأصل ميشال قصير خرائط متداخلة للذاكرة والجغرافيا واللغة، تخلخل مفهوم الديوان التقليدي.
منذ الصفحات الأولى يبدو القارئ أمام كتابة تتحرك باستمرار بين القارات والأزمنة والأصوات، وتنقب في طبقات العالم وكأنها تبحث عن فجر مدفون تحت ركام الحروب والضجيج والخراب المعاصر.
وليس من السهل فهم هذا الأفق الشعري من دون التوقف عند مسار صاحبه. فميشال قصير ينتمي إلى ذلك النوع النادر من الشعراء الذين يصعب اختزالهم في هوية واحدة: شاعر فرنسي من أصول لبنانية، ولد في مصر، ونسج عبر عقود علاقة حميمة بثقافات أميركا اللاتينية وآدابها وأساطيرها.
هذه الخلفيات المتعددة تغدو في نصوصه جزءا من البنية الداخلية للقصيدة أكثر مما هي زينة ثقافية أو إشارات عابرة. فالشاعر يكتب من منطقة عبور دائمة، من تخوم مفتوحة على أكثر من وطن ولغة وصورة للعالم.
وربما لهذا السبب لا يمكن قراءة هذا الديوان باعتباره مجموعة من القصائد المنفصلة. فالنصوص، على اختلاف أشكالها، تبدو كأنها أجزاء من رحلة واحدة طويلة. وثمة خيط خفي يصل بين الصحاري والبحار، بين المدن البعيدة والوجوه الغائبة، بين الذاكرة الشخصية والمصير الجماعي. أما ما يجمع هذه العناصر، فحركة البحث المستمرة عن معنى الوجود في عالم يتعرض لتصدعات متلاحقة.
طاقة
تتخذ المجموعة عنوانها من فعل يكاد يكون مستحيلا: نبش الفجر من باطن الأرض. وهو فعل شعري بامتياز، لأن الفجر يتحول هنا إلى طاقة مقاومة في مواجهة العتمة، فيتجاوز كونه مجرد لحظة زمنية.
أما إهداء الكتاب إلى الطفلتين فرح وفاطمة، اللتين قضتا تحت القصف في بيروت عام 2024، فيمنح هذا المشروع الشعري بعدا أخلاقيا واضحا. ذلك أن السؤال الذي يطرحه قصير في مستهل المجموعة: "ماذا تستطيع القصيدة أمام العنف؟" يظل يتردد في أرجائها، من دون أن يتحول إلى خطاب سياسي أو إلى شعار جاهز.
في قصائد الحرب تحديدا، يبتعد الشاعر عن الخطاب التعبوي وعن منطق المعسكرات. نص "هذه ليست الحرب" يهاجم افتتان البشر بالسلاح وبطولات الدعاية وأوهام النصر، ويحول العدو من شخصية محددة المعالم إلى صورة تتكاثر داخل النفوس والخطابات. ومن أجمل ما تحققه هذه القصيدة أنها تستبدل بلاغة الحرب بلغة الشك والتأمل، فتدعو إلى "الفرار" من منطق الكراهية قبل أن يتجذر.



