دمشق- لم يكن صباح الثلاثاء عادياً في دمشق. فبينما كانت العاصمة تستعد لبدء المراسم الرسمية لأول زيارة لرئيس فرنسي منذ سنوات، وأول زيارة لزعيم من "الدول السبع" منذ ولادة "سوريا الجديدة"، دوى انفجاران قرب الفندق الذي يقيم فيه الرئيس إيمانويل ماكرون، بعد لقائه مجموعة من ممثلي المجتمع المدني السوري صباحا وجولة في دمشق القديمة ورموزها في الليلة الماضية.
خلال دقائق، انتقلت أنظارنا من برنامج الزيارة، ومجلس رجال الأعمال، والاتفاقات المنتظرة، إلى سؤال واحد: هل نجحت العبوتان اللتان شاهدنا دخانهما ولهيبهما، وسمعنا دويهما وصداهما بعد حوالى عشر دقائق من مغادرة ماكرون الفندق متوجهاً إلى القصر الرئاسي، في خطف مشهد الزيارة التاريخية؟
الجواب جاء سريعاً، ليس من البيانات الأمنية وحسب، بل من قرار سياسي. فقد أصرّ ماكرون على المضي في برنامج الزيارة كاملاً قبل توجهه والرئيس أحمد الشرع إلى قمة "حلف شمال الأطلسي" (ناتو) ولقاء الرئيس دونالد ترمب الأربعاء.
عقد ماكرون في القصر جلسة محادثات مطولة مع الشرع، ووقّع البلدان إعلان إطار للتعاون الشامل، وأُعلنت اتفاقات في مجالات الموانئ والطاقة والطيران والتعليم والصحة والثقافة، إلى جانب قرار إعادة تبادل السفراء بين دمشق وباريس.
لم يتغير جدول الأعمال، ولم يُختصر، وكأن الرسالة كانت أن مستقبل سوريا لا يمكن أن تحدده عبوتان ناسفتان. قد يكون الانفجاران حادثاً أمنياً بالنسبة إلى الأجهزة المختصة التي طوّقت موقع التفجيرين، واهتمت بالجرحى، وتحقق في هوية المنفذين ودوافعهم. لكنهما، سياسياً، كانا أكثر من ذلك بكثير. فقد وضعا سوريا أمام صورتين متناقضتين في اللحظة نفسها: صورة "سوريا الجديدة" المصممة على العودة إلى العالم عبر الشراكات والاستثمارات وإعادة بناء المؤسسات، وصورة أخرى تريدها جهات تسعى إلى إبقاء البلاد رهينة العنف والاضطراب والخوف، وإعادة إنتاج "سوريا القديمة" ومآسيها على شعبها وجوارها.
كان المشهد في "شارع بيروت" أشبه بمواجهة بين مشروعين. مشروع يحمل ملفات الاستثمار والعقود والشراكات، ومشروع لا يملك سوى العبوات الناسفة. فبعد استهداف القصر العدلي في دمشق يوم الخميس، جاء تفجيران على أطراف الطوق الأمني المحيط بمقر إقامة ضيف رئاسي كبير. مشروع يريد أن يقنع العالم بأن سوريا أصبحت بيئة قابلة للاستقرار والاستثمار والشراكات، وآخر يحاول أن يقول إن شيئاً لم يتغير، وإن كلفة الانفتاح على دمشق لا تزال مرتفعة.


