من يسيطر على ملقا... هل يملك مفتاح التجارة العالمية؟

من حماية مضيق ملقا إلى تصدير الثقة في سلاسل الإمداد العالمية، ولماذا ينبغي للدول المعنية بتجارة الطاقة أن تنظر إلى الممرات البحرية كسلسلة واحدة؟

المجلة
المجلة

من يسيطر على ملقا... هل يملك مفتاح التجارة العالمية؟

ليست كل دولة تقع على مفترق طرق التجارة قادرة على تحويل موقعها الجغرافي إلى نفوذ اقتصادي واستراتيجي، لكن سنغافورة نجحت في ذلك. فمن موقعها عند الطرف الجنوبي لـمضيق ملقا، أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاما في العالم، بنت نموذجا اقتصاديا لم يقتصر على إدارة حركة التجارة العالمية، بل توسع تدريجيا ليشمل الخدمات التي تقوم عليها هذه التجارة، من التمويل والتأمين والتحكيم البحري إلى الرقمنة وإدارة سلاسل الإمداد، لتصبح مركزا لإدارة الثقة التي تستند إليها حركة التجارة الدولية.

بعد جائحة كوفيد-19، والحرب الروسية - الأوكرانية، واضطرابات البحر الأحمر، والتوترات المتكررة في مضيق هرمز، غدا المستثمرون يسألون عن الطريق الأكثر أمانا واستقرار، وليس على الطريق الأقصر. في عالم كهذا، تصبح الثقة سلعة استراتيجية، وتصبح سنغافورة أكثر من محطة لإعادة شحن الحاويات؛ تصبح مركزا عالميا لإدارة مخاطر التجارة البحرية.

من هذه الزاوية، جاء التأكيد المشترك الأخير بين سنغافورة وإندونيسيا على حماية مضيق ملقا وضمان بقائه مفتوحا وآمنا لجميع السفن، ليعكس إدراكا متزايدا للأهمية الاستراتيجية لهذا الممر في ظل تصاعد المخاوف في شأن أمن الممرات البحرية العالمية. وشدد الجانبان على حرية الملاحة، وتعزيز التعاون الأمني، ومواصلة التنسيق مع ماليزيا وتايلاند للحفاظ على سلامة وانسياب حركة التجارة، بما ينسجم مع قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وفي ظل اضطرابات سلاسل الإمداد خلال السنوات الأخيرة، باتت الأسواق تنظر إلى أمن الممرات البحرية باعتباره أحد الشروط الأساس لاستقرار التجارة والاقتصاد العالميين.

مضيق ملقا أصبح من أكبر نقاط الاختناق النفطية العالمية لجهة التدفقات البحرية

وفي 6 يوليو/تموز الجاري، قال الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ، في قصر الاستقلال (إستانا ميرديكا) بجاكرتا، والذي نُقل مباشرة عبر منصة "يوتيوب": "إندونيسيا وسنغافورة دولتان تتشاطران الحدود مع مضيق ملقا، ولدينا مصلحة في إبقاء مضيق ملقا ممرا مفتوحا أمام جميع الأطراف.".

حيث يلتقي نفط الخليج باقتصادات آسيا

تبدأ أهمية مضيق ملقا، الذي تحدّه كل من إندونيسيا وتايلاند وماليزيا وسنغافورة، من كونه الشريان الذي يصل حقول النفط في الخليج العربي بالمصانع والمدن الآسيوية. فمن خلاله تعبر شحنات النفط والغاز المتجهة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها من اقتصادات شرق آسيا، ولذلك يُصنّف كإحدى أخطر نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي، إذ إن أي اضطراب فيه يمتد أثره سريعا إلى أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

.أ.ف.ب
سفن تعبر مضيق ملقا بالقرب من سواحل سنغافورة، 23 مارس 2008

ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ متوسط تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر المضيق في النصف الأول من عام 2025 نحو 23.2 مليون برميل يوميا، أي 29 في المئة من تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم. وإلى جانب ذلك، تشير التقديرات إلى أن المضيق يستوعب نحو خمس إلى ربع التجارة البحرية العالمية، مما يجعله أحد أكثر الممرات الاستراتيجية تأثيرا في الاقتصاد العالمي، ومن أبرز نقاط الاختناق النفطية العالمية لجهة التدفقات البحرية.

لكن أهمية هذا الممر هي أيضا مصدر هشاشته. فعلى امتداد نحو 900 كيلومتر، يضيق المضيق عند قناة فيليبس قرب سنغافورة إلى نحو 2.7 كيلومتر فقط، ليشكل عنق زجاجة طبيعيا لحركة الملاحة العالمية. ولذلك فإن أي حادث تصادم، أو جنوح سفينة، أو تصعيد أمني، أو إغلاق مؤقت، يمكن أن يزيد مخاطر التصادم والجنوح والتسربات النفطية، كما أن أي إغلاق أو تعطيل يفرض على السفن الالتفاف عبر مضيقي لومبوك أو سوندا، مما يطيل الرحلات ويرفع تكاليف الشحن والتأمين.

لهذا لم يعد أمن مضيق ملقا شأنا آسيويا خالصا. فالمضيق يمثل أقصر طريق بحري يربط منتجي النفط والغاز في الخليج العربي بأسواق شرق آسيا، وتعبره الحصة الكبرى من صادرات الطاقة الخليجية المتجهة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من الاقتصادات الآسيوية.

 لم تعد سنغافورة تبيع الأرصفة فقط، بقدر ما غدت ضمانا، بل كذلك اليقين بأن التجارة ستستمر حتى عندما تضطرب السياسة

ولذلك، فإن أي اضطراب فيه لا يهدد أمن الطاقة في آسيا فحسب، إذ ينعكس أيضا على المنتجين الخليجيين عبر ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتقلب تدفقات التجارة وأسعار الطاقة.

لماذا أصبحت سنغافورة أهم من موقعها؟

الجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ. ما فعلته سنغافورة هو تحويل موقعها إلى منظومة بحرية متكاملة تضم الخدمات المالية، والتأمين البحري، والخدمات القانونية والتحكيم التجاري، وإدارة السفن، والرقمنة وتبادل البيانات، وتمويل السفن، إضافة إلى تطوير الوقود البحري المنخفض الانبعاثات والبنية التحتية اللازمة له. ولم يعد مصدر قوة سنغافورة يقتصر على موقعها عند مضيق ملقه، بقدر ما تتيحه هذه المنظومة التي تمنح شركات الشحن والمستثمرين بيئة عالية الكفاءة والموثوقية، وتسهم في خفض تكاليف المعاملات والمخاطر وتعزيز استقرار سلاسل الإمداد العالمية.

تؤكد الأرقام هذا التحول. في عام 2025 تعامل ميناء سنغافورة مع 44.66 مليون حاوية نمطية، وبلغت حركة السفن الوافدة 3.22 مليار طن إجمالي (GT)، وهو مقياس لحجم السفن لا لوزن البضائع، وارتفعت مبيعات وقود السفن إلى 56.77 مليون طن، من بينها نحو 1.95 مليون طن من الوقود البحري البديل، وذلك من ضمن مسار خفض الانبعاثات. وهكذا لم تعد سنغافورة تبيع الأرصفة فقط، بقدر ما غدت ضمانا بأن التجارة ستستمر حتى عندما تضطرب السياسة.

من ميناء عالمي إلى "بنك للثقة"

وصفُ سنغافورة بأنها "بنك أمن التجارة العالمية" لا يعني أنها تملك سلطة على التجارة. فهي تؤدي وظيفة تشبه وظيفة المصارف مثل إدارة الثقة، وخفض المخاطر، وتوفير بيئة مستقرة تسمح بتدفق الاستثمارات. ففي الواقع، لا تبحث الشركات عن الأرصفة وحدها، إذ إنها ترغب أيضا في منظومة قانونية مستقرة، وموانئ تعمل على مدار الساعة، وبنية رقمية متقدمة، وتحكيم وتأمين بحريين، وسرعة في القرار والتنسيق بين الدولة والقطاع الخاص.

رويترز
حاويات بضائع في ميناء سنغافورة، 14 فبراير 2012

هنا تصبح المرونة كلمة مفتاحية. لم يعد المطلوب بناء أسرع سلسلة إمداد فقط. فقد غدت السلسلة التي تتميز بالقدرة على الاستمرار ضرورة محتمة عندما تتعطل إحدى حلقاتها. 

أشار رئيس الوزراء السنغافوري السابق لي هسين لونغ، في حوار مع معهد تشاتام هاوس، إلى أن خطاب التجارة العالمية انتقل من التركيز على التجارة الحرة والمنفعة المتبادلة إلى إعطاء وزن أكبر للأمن والمرونة، مع ازدياد ميل الدول إلى قدر أكبر من الحماية الذاتية.

هرمز وملقا لم يعودا ممرين منفصلين، إذ أصبحا حلقتين في سلسلة واحدة

ورأى أن العالم دخل مرحلة تتجه فيها الدول إلى سياسات أكثر حمائية والى توظيف التجارة كأداة للقوة، مؤكدا أن على الدول الاستعداد لـ"العواصف" التي تضرب النظام التجاري العالمي والتكيف معها، بدلا من افتراض أنها اضطرابات مؤقتة سرعان ما تنتهي.

هذه ليست قصة سنغافورة وحدها. لقد بات "الأمن الاقتصادي" حاضرا في سياسات الدول والمؤسسات. وتشير تحليلات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن مرونة سلاسل الإمداد وأمن خطوط الملاحة لم يعودا مجرد مسألتين تقنيتين أو لوجستيتين، بل تحولا ركيزتين أساسيتين في استراتيجيات الأمن الاقتصادي والجيوسياسي. فمع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، أصبحت حماية الممرات البحرية والبنية التحتية التجارية جزءا من حسابات الأمن القومي، تماما كما كانت حماية مصادر الطاقة أو الحدود التقليدية في السابق.

ديانا إستيفانيا روبيو

لكن هذا الدور ليس مريحا دائما، إذ تتجاوز المخاطر التي تواجهه القرصنة والحوادث الملاحية إلى الحروب التجارية، والعقوبات، والهجمات السيبرانية، وقيود التكنولوجيا، والاضطرابات المناخية. لذلك، توسع سنغافورة مفهوم الأمن البحري ليشمل الأمن الرقمي، وأمن البيانات، واستدامة الوقود البحري، والذكاء الاصطناعي في إدارة حركة السفن.

من أمن المضائق إلى أمن الطرق التجارية

إذا كانت سنغافورة تعيد تعريف دورها بهذه الطريقة، فإن ذلك يدفع الدول والشركات المعنية بتجارة الطاقة وسلاسل الإمداد في آسيا إلى مراجعة مفهوم الأمن البحري، من حماية مضيق بعينه إلى حماية الطريق التجارية بأكملها.

إن مضيق هرمز مثل واضح على مركزية الممرات البحرية في أمن الطاقة العالمي. فالمضيق الذي يمر عبره نحو خمس الإمدادات النفطية العالمية، وما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، يظل أحد أكثر الممرات البحرية حساسية لأسواق الطاقة العالمية. لكن حماية التجارة لا تنتهي عند خروج الشحنات من هرمز. فقيمتها تتوقف أيضا على وصولها عبر المحيط الهندي وملقا إلى الموانئ الآسيوية في الوقت المحدد وبالتكلفة المتوقعة.

بعبارة أبسط، لم يعد هرمز وملقا ممرين منفصلين في الحسابات العملية، إذ أصبحا حلقتين في سلسلة واحدة. وأي اضطراب في أحدهما يرفع تكلفة التأمين، ويغير مسارات السفن، ويطيل زمن الرحلات، ويرفع أسعار الطاقة والسلع.

تناقش تايلاند مشروع "الجسر البري" لربط ساحليها على المحيطين الهندي والهادئ عبر موانئ وسكك حديد وطرق سريعة، بما قد يخفف جزئيا الاعتماد على ملقا إذا نجح المشروع

لهذا تتعامل مراكز الدراسات مع المحيط الهندي كفضاء أمني متصل. وفي تقدير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، لا ينبغي النظر إلى مضيقي هرمز وملقا كنقطتي اختناق منفصلتين، بل كجزء من مسرح استراتيجي واحد يمتد عبر المحيط الهندي، إذ تربط بينهما خطوط الملاحة التي تنقل الطاقة والتجارة بين الشرق الأوسط وشرق آسيا. ومن ثم، فإن أي اضطراب في أحد هذين الممرين يمكن أن يمتد أثره إلى الشبكة التجارية بأكملها، بما ينعكس على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

لا يعني ذلك أن على الدول المعنية بهذه التجارة توسيع حضورها العسكري في جنوب شرق آسيا، إنما ينبغي لها أن تبني شراكات لإدارة المخاطر، من تبادل المعلومات والإنذار المبكر مع الدول المطلة على ملقا، إلى الاستثمار في الموانئ والتخزين والخدمات البحرية ومشاريع الوقود البحري النظيف، والتعاون في التأمين وإعادة التأمين وإدارة المخاطر.

أ.ف.ب.
زوار على متن قارب في النهر في محاذاة أبراج في الحي المالي بسنغافورة، 6 مايو 2025

ويضاف إلى ذلك التعاون التكنولوجي في الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، وأنظمة الموانئ الذكية، والأمن السيبراني البحري. فهذه الأدوات أصبحت جزءا من أمن الملاحة الحديثة، ولم تعد كماليات تقنية.

ومن هنا تبدو سنغافورة شريكا طبيعيا للدول والشركات المرتبطة بتجارة الطاقة والسلع في آسيا، بخبرتها في إدارة الموانئ والخدمات البحرية والرقمنة والتخطيط اللوجستي.

هل يستطيع النموذج السنغافوري الصمود؟

مع ذلك، لا يبدو النموذج السنغافوري بمنأى من الضغوط. مع العلم أن حركة الملاحة عبر ملقا سجلت مستويات قياسية خلال عام 2025، ولا يزال نشاطه كبيرا بسبب التوترات التي لم تنفك تهدد هرمز. ويضيف التنافس الأميركي -الصيني وتوترات بحر الصين الجنوبي بعدا جيوسياسيا، فيما تناقش تايلاند مشروع "الجسر البري" لربط ساحليها على المحيطين الهندي والهادئ عبر موانئ وسكك حديد وطرق سريعة، بما قد يخفف جزئيا الاعتماد على ملقا إذا نجح المشروع.

من الواضح أن النفوذ البحري الذي كان يقاس في الغالب بالقواعد والأساطيل، بات اليوم يقاس أيضا بقدرة الدول على ضمان استمرار التجارة عندما تتعطل السياسة

تشير دراسات حديثة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إلى جانب أدبيات الأمن البحري السنغافورية، إلى أن أمن مضيقي ملقا وسنغافورة لا تصنعه الدوريات وحدها، بقدر ما تؤثر فيه الإدارة المستمرة للمخاطر، وتبادل المعلومات، والتنسيق بين الدول الساحلية، والاستثمار في التكنولوجيا، وتقليل نقاط الضعف التشغيلية قبل تحولها إلى أزمات.

ما بعد المضيق... رؤية أوسع لأمن التجارة

لا يعني ذلك نقل أولويات الأمن البحري من مضيق إلى آخر، إنما توسيع دائرة التفكير الاستراتيجي لكي تشمل كامل الممر البحري الذي يحمل الطاقة والسلع بين المنتجين والمستهلكين. قد يصبح التعاون مع سنغافورة وإندونيسيا وماليزيا في الأمن البحري، والرقمنة، والخدمات اللوجستية، والتأمين، وتبادل المعلومات، خلال السنوات المقبلة، جزءا من مقاربة أوسع لحماية التجارة والطاقة بين الشرق الأوسط وآسيا.

أ.ف.ب.
صفوف من الحاويات في محطة PSA Tuas بميناء سنغافورة، 27 مايو 2024

من الواضح أن النفوذ البحري الذي كان يقاس في الغالب بالقواعد والأساطيل، بات اليوم يقاس أيضا بقدرة الدول على ضمان استمرار التجارة عندما تتعطل السياسة. ومن هذه الزاوية، لم تعد سنغافورة تنافس على امتلاك أكبر ميناء، بقدر ما تسعى إلى الاستحواذ على أكبر قدر من الثقة، وإعطاء الضمان بأن السفن ستواصل الإبحار، والعقود ستنفذ، وسلاسل الإمداد ستبقى متماسكة.

من هنا، لا يبدو وصفها بأنها "بنك أمن التجارة العالمية" مبالغة بلاغية.  فكما تحفظ المصارف الثقة في النظام المالي، تؤدي سنغافورة وظيفة مشابهة في النظام التجاري عبر إدارة المخاطر، وتعزيز الاعتمادية، وتحويل الاستقرار إلى قيمة اقتصادية قابلة للتصدير.

font change