إيران واليمن... عواقب اللعب بالنار

لم تكن مجرد رحلة جوية بل رسالة سيادية وإقليمية بامتياز

رويترز
رويترز
أحد أنصار الحوثيين يحمل بندقية أثناء مظاهرة احتجاجية ضد الغارات الجوية على مطار صنعاء الدولي، في صنعاء، اليمن، 13 يوليو 2026

إيران واليمن... عواقب اللعب بالنار

بإمعان واضح أصرّت إيران على إعادة انتهاك سيادة اليمن للمرة الثانية عل التوالي، بإرسال طائرة مدنية لنقل وإعادة مجموعة من الأشخاص الموالين لها أوفدتهم جماعة الحوثيين المتحالفة معها بغية المشاركة في تشييع جنازة "مرشدها الأعلى" علي خامنئي الذي قالت إسرائيل علنا إنها هي من قتلته ردا على تهديده لها بالزوال.

أرادت إيران استغلال الهدوء الذي أعقب التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية لإجراء مراسم تشييع لجنازة خامنئي غير مسبوقة في العالم الشيعي لتبعث بأكثر من رسالة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب عموما تصب في مجملها على نقطة واحدة وهي إظهار أكبر قدر من التضامن معها في مصابها بمقتل أبرز مرجعياتها على يد إسرائيل.

لإيران الحق في أن تتصرف بطقوس ومراسم تشييع خامنئي كما تريد، ولكن أن تتحول هذه المناسبة إلى طريقة غير مناسبة لانتهاك سيادة بلد عضو في منظمة الأمم المتحدة هو اليمن فهذا غير مقبول، وكل ذلك لتبعث رسالة أخرى إلى الإقليم مفادها: "نحن هنا، ونستطيع اختراق سيادتكم متى نريد وبالوسائل والطرق التي نشاء وفي الأوقات التي نختارها".

حدث هذا في الوقت الذي تواصل طهران مهاجمة أغلب بلدان الإقليم بحجة الرد على مصادر الاعتداء الأميركي "المزعومة" من أراضيها. وفي هذا قول مردود عليه من كل تلك الدول بأبسط مبادئ المنطق السياسي والقانوني، وأهمها من الجانب اليمني أن اليمن البعيد عن إيران جغرافيا وعقائديا لا علاقة له بالصراع بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل واستهداف مصالح الأخيرتين في المنطقة، وهذا أمر لا شأن لليمن فيه من قريب أو بعيد.

ما حدث "لم يكن مجرد رحلة جوية، بل رسالة سيادية وإقليمية بامتياز. فالإصرار على تجاوز التحذيرات الرسمية، والمضي في الهبوط رغم الاعتراضات المعلنة، لم يكن مجرد تحد لإجراءات ميدانية، بل كان اختبارا لحدود السيادة اليمنية

الناشطة الحقوقية اليمنية هدى لقمان

واقعة الانتهاك الإيراني الأخير للسيادة اليمنية لم تكن الأولى ولا الأخيرة في سجل تاريخي طويل من الاعتداءات التي لم ولن تنساها ذاكرة اليمنيين، بل إن هذه الواقعة تشكل مثالا فقط على نظرة إيران العدائية تجاه اليمن.

تزامن الاختراق الإيراني للأجواء اليمنية مع تحرك عسكري للتحالف الداعم للشرعية اليمنية تمثل في تدمير مدارج الإقلاع والهبوط في مطار صنعاء، بحسب رواية الحوثيين، وذلك لمنع عودة الطائرة الإيرانية إليه بمن سبق أن أقلتهم منه إلى طهران، لكنه تم غض النظر، على ما يبدو، عن هبوطها في مطار الحديدة غربي البلاد، ومن جهة أخرى، أطلقت الميليشيات الحوثية صاروخا أو اثنين باتجاه الحدود الجنوبية للسعودية جرى التعامل معهما بسرعة وفقا لبيانات "التحالف".

أ.ف.ب
تظهر هذه اللقطة المأخوذة من لقطات فيديو، غارات جوية تستهدف مطار صنعاء في 13 يوليو 2026

ردود فعل

مجمل آراء الغالبية من اليمنيين على اختلاف انتماءاتهم ومواقفهم انصبّت كما تقول الناشطة الحقوقية اليمنية هدى لقمان مثلا على أن ‏ما حدث "لم يكن مجرد رحلة جوية، بل رسالة سيادية وإقليمية بامتياز. فالإصرار على تجاوز التحذيرات الرسمية، والمضي في الهبوط رغم الاعتراضات المعلنة، لم يكن مجرد تحد لإجراءات ميدانية، بل كان اختبارا لحدود السيادة اليمنية، ورسالة تتجاوز الداخل اليمني إلى الإقليم بأسره".

ثمة مشكلات في عمليات النقل الجوي من وإلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وهناك حاجة ملحة للتوصل إلى تسوية سياسية، شاملة مرحلية أو نهائية، لتفادي التصعيد العسكري

ما الهدف؟

سواء كان المقصود من الاعتداء الإيراني هو اختبار صبر التحالف الداعم للشرعية اليمنية أو جس نبض الإقليم كاملا أو فتح ملعب جديد للصراع في المنطقة فإن ما تفعله إيران لن يقود في نهاية المطاف سوى إلى مزيد من التصعيد الذي لا تحتمله المنطقة بل ينطوي على عواقب لن تحتملها إيران نفسها بعد كل الجراح والدمار الذي حل بها.

وكانت الأمم المتحدة قد قالت بعد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة التطورات في اليمن: "إن التطورات الأخيرة في اليمن تذكر أنه لا بديل عن عملية سياسية شاملة يقودها اليمنيون، مشددة على أنه يمكن لتسوية سياسية تفاوضية يتم التوصل إليها عبر الحوار برعاية الأمم المتحدة أن توفر حلا دائما ومستداما للنزاع".

وفي إحاطة أمام الاجتماع الطارئ للمجلس أكد خالد خياري، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط وآسيا ودول المحيط الهادئ بإدارتي الشؤون السياسية وعمليات السلام، على أنه "لا يمكن لليمن والمنطقة الأوسع تحمّل جولة أخرى من التصعيد". ودعا جميع الأطراف إلى الانخراط بشكل بناء في مفاوضات برعاية الأمم المتحدة، والذي وصفه بأنه "ضروري لضمان خفض التصعيد، وتعزيز الوصول الجوي المدني الآمن والمتوقع والمستدام، من بين أولويات أخرى".

أ.ب
أنصار الحوثيين يسيرون أمام ملصقات لبعض كبار العلماء الإيرانيين الذين قُتلوا في غارات إسرائيلية، في صنعاء، اليمن، 13 يوليو 2026

صحيح أن ثمة مشكلات في عمليات النقل الجوي من وإلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وأن هناك حاجة ملحة للتوصل إلى تسوية سياسية، شاملة مرحلية أو نهائية، لتفادي التصعيد العسكري وما يسفر عنه من تدمير لما تبقى من البنية التحتية والحفاظ على آخر "المسارات الإنسانية الهشة، وفي مقدمتها حركة المدنيين، وملف الأسرى، وكل الجهود الرامية إلى خفض التصعيد"، ولكن كيف يمكن الوصول إلى ذلك بعد أن أثبتت كل الجهود والمساعي الإقليمية والدولية أنه لا جدوى من كل ذلك، فالحوثيون لم يلتزموا بتنفيذ أي اتفاق أبرمه الداخل والخارج معهم.

ما المشكلة؟

المعضلة في الأمر واضحة منذ بدء نشأة هذه الجماعة كميليشيات ارتبط قرارها بقرار الممول الإيراني والمتعهد بالتسليح والتدريب والإمداد بكل الوسائل الضرورية، العسكرية أو اللوجستية، سواء للحرب أو المناورات السياسية، ولم يعد إثبات هذا الأمر يحتاج بعد كل هذه السنوات والتجارب إلى براهين.

للخلاص من خطر الميليشيات الحوثية هناك خياران اثنان لا ثالث لهما، إما إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية على عقيدة وأسس وطنية وتمكينها من الإمساك بكل زمام الأمور في عموم البلاد بنزاهة وشفافية، وإما التوصل إلى اتفاق "تاريخي" مع طهران

أهمية ما حدث في القرار الذي اتخذته الحكومة اليمنية في الاستعانة بالتحالف العربي لإعاقة هبوط الطائرة الإيرانية مرة ثانية في مطار صنعاء أنه أفشل المحاولة الأولى في "استراتيجية" التصعيد الحوثي للمرحلة القادمة، ولابد أن ميليشيات الجماعة بوغتت بقصف مدرجات مطار صنعاء ولم تتوقع استهدافها وتعطيلها خصوصا بعد أن بالغت الميليشيات خلال الأيام الماضية في رفع سقف مطالبها من خلال تهديد السعودية، ومن ثم الوعيد بأن  خط صنعاء-طهران سيستمر ولن يقتصر على وفد التشييع.

إعادة فتح مطار صنعاء ‏

الواضح من بيانات الحكومة الشرعية اليمنية أنها لا تمانع من حيث المبدأ في استئناف الرحلات من وإلى اليمن عبر مطار صنعاء بواسطة الناقل الوطني الرسمي، الخطوط الجوية اليمنية، وبناء جداول منسقة وترتيبات أمنية متفق عليها، لكن المشكلة هي في "إصرار الميليشيات الحوثية على أن يكون فتح المطار عبر الخطوط الجوية الإيرانية ومسار صنعاء-طهران"، كما يرى بعض الباحثين السياسيين والعسكريين في شؤون هذه الجماعة.

ويرى عدنان الجبرني أن كل هذا التصعيد الحوثي والتهديد والوعيد بمبرر إعادة فتح المطار الدولي في العاصمة اليمنية يمكن تلخيصه في جملة واحدة وهي أن "كلمة السر الأهم تكمن في أن هدف الجماعة ليس فتح المطار وتسهيل سفر المواطنين أو حتى تنفيذ استحقاقات خارطة الطريق؛ وإنما لأن الحوثي أصبح يعتقد أن هذه هي اللحظة المناسبة لفرض معادلات جديدة في المنطقة".

ما الحل؟

للخلاص من خطر الميليشيات الحوثية هناك خياران اثنان لا ثالث لهما، إما إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية على عقيدة وأسس وطنية وتمكينها من الإمساك بكل زمام الأمور في عموم البلاد بنزاهة وشفافية، وإما التوصل إلى اتفاق "تاريخي" مع طهران أو كما يصفه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بـ"صفقة كبرى"، وعلى الأرجح أن كلا الخيارين ضروري ومهم لكنه يحتاج إلى معجزة في زمن لم يعد قادرا على الحلم بأي معجزة.

font change

مقالات ذات صلة