العلاقات التركية - الإسرائيلية... من الشراكة الاستراتيجية إلى القطيعة المفتوحة

تبادل اتهامات ونزاع قانوني وانتقام رمزي

إدواردو رامون
إدواردو رامون

العلاقات التركية - الإسرائيلية... من الشراكة الاستراتيجية إلى القطيعة المفتوحة

في أواخر يونيو/حزيران، مضت الحكومة الإسرائيلية في اتجاه الاعتراف رسميا بالإبادة الجماعية للأرمن، منهية عقودا من التردد الرسمي. وجاء القرار في لحظة بلغت فيها العلاقات التركية-الإسرائيلية أدنى مستوياتها منذ سنوات، بعد انهيار تدريجي طويل غذته حرب غزة، والضغوط الاقتصادية التركية، والمواجهة القانونية المتصاعدة بين الجانبين.

ندد المسؤولون الأتراك بالخطوة ووصفوها بأنها سياسية، واتهموا إسرائيل بمحاولة صرف الأنظار عن الحرب في غزة، فيما قدمها المسؤولون الإسرائيليون على أنها تصحيح أخلاقي وتاريخي تأخر طويلا. وفي الواقع، حملت الخطوة بعدين متداخلين: إعلان موقف مبدئي، ورسالة تفيد بأن تل أبيب لم تعد ترى جدوى استراتيجية من مواصلة التريث مراعاة لأنقرة.

عمليا، كان القرار إعلانا لموقف مبدئي ورسالة مفادها أن إسرائيل لم تعد ترى جدوى استراتيجية في مواصلة ضبط النفس مراعاة لأنقرة. وبعد أسابيع قليلة فقط من الاعتراف، ذهب نتنياهو خطوة أبعد، فدعا الرئيس ترمب علنا إلى عدم السماح ببيع مقاتلات "إف-35" الشبحية لتركيا، ما وضعه عمليا في مواجهة مع الرئيس الأميركي، بعدما كان الأخير قد لمح إلى احتمال تراجع الولايات المتحدة عن قرارها السابق باستبعاد تركيا من برنامج المقاتلة.

والخلاصة الأوسع واضحة، فقد اعترفت إسرائيل بالإبادة الجماعية للأرمن في يونيو/حزيران 2026 لأن القيود الاستراتيجية التي منعتها من اتخاذ هذه الخطوة لعقود طويلة تراجعت إلى حد بعيد. فعندما صوّت مجلس الوزراء على القرار، كانت تركيا قد علقت التجارة بالفعل، وشددت القيود على النقل، ودعمت إجراءات قانونية ضد إسرائيل، وجعلت الخطاب المناهض لها ركنا رئيسا في موقفها الإقليمي. لم يصنع الاعتراف الشرخ، وإنما أكد أن الشرخ كان عميقا من الأصل، وأن أيا من الطرفين لا يتوقع ترميما قريبا للعلاقة.

من الشراكة الاستراتيجية إلى القطيعة السياسية

خلال معظم تسعينات القرن العشرين، كانت إسرائيل وتركيا من أقرب الشركاء الاستراتيجيين في الشرق الأوسط. قامت العلاقة بينهما على التعاون العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والقلق المشترك من تهديدات إقليمية، وفي مقدمتها سوريا والجهات المسلحة غير الحكومية. ومنحت هذه الشراكة كلا الطرفين نفوذا إقليميا، وساعدت على تثبيت تركيا داخل الفضاء الأمني الغربي.

قرار الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن يعكس قلقا إسرائيليا أعمق من دفء العلاقة بين واشنطن وأنقرة

بدأت العلاقة تتغير بعد وصول رجب طيب أردوغان و"حزب العدالة والتنمية" إلى السلطة عام 2002. ثم تصاعد التوتر بعد حادثة "مافي مرمرة" عام 2010، حين صعدت قوات كوماندوز إسرائيلية إلى سفينة كانت متجهة إلى غزة. أظهرت محاولة التطبيع المحدودة عام 2022 أن التعاون البرغماتي لا يزال ممكنا، غير أنه ظل قائما على أرضية هشة، ولم ينجح في تجاوز انعدام الثقة السياسي الأعمق بين القيادتين.

رويترز
السفينة التركية "مافي مرمرة"، التي تقل نشطاء مؤيدين للفلسطينيين أثناء مغادرتها للمشاركة في قافلة إنسانية، من ميناء سراي بورنو في إسطنبول، تركيا، في 22 مايو 2010

دفعت حرب غزة، التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، العلاقة بين البلدين إلى مسار مختلف تماما. تبنى أردوغان خطابا علنيا حادا، وأشاد بأعضاء "حماس" ووصفهم بـ"المجاهدين"، وقارن مرارا السلوك الإسرائيلي في غزة بجرائم النازية. وفي أبريل/نيسان 2024، فرضت تركيا قيودا على مجموعة واسعة من المنتجات المتجهة إلى إسرائيل. وفي مايو/أيار 2024، علقت أنقرة علاقاتها التجارية مع إسرائيل بالكامل، بعدما كانت قيمة هذه العلاقة تبلغ نحو 7 مليارات دولار سنويا. من وجهة نظر إسرائيل، لم تعد تركيا شريكا صعب المراس، وإنما تحولت إلى فاعل إقليمي يجاهر بعدائه، ومستعد للجمع بين الخطاب والتدابير الاقتصادية والضغط القانوني.

لماذا الاعتراف الآن؟

تصاعد التوتر بين الجانبين تدريجيا، وراح كل طرف يستخدم الآخر هدفا للهجوم الخطابي، ثم للضغط العملي على نحو متزايد. غير أن ذلك وحده لا يفسر الخطوة الإسرائيلية. فقرار الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن يعكس أيضا قلقا إسرائيليا أعمق من دفء العلاقة بين واشنطن وأنقرة.

الصداقة بين ترمب وأردوغان تأتي في وقت يتزايد فيه قلق الحكومة الإسرائيلية من الحضور التركي المتنامي في المنطقة، ولا سيما عبر علاقات أنقرة بالحكومة السورية الجديدة

شهدت العلاقات بين أنقرة وواشنطن توترا لافتا خلال العقد الماضي. فقد أدت قضايا بنيوية عدة إلى سلسلة من الأزمات، بدءا من حصول تركيا على منظومة دفاع جوي روسية، وهو ما أدى إلى إخراجها من برنامج المقاتلة "إف-35"، مرورا بموقف أنقرة الملتبس من روسيا عموما، إذ حافظت على علاقاتها التجارية معها رغم استمرار دعمها لأوكرانيا، وصولا إلى دعمها لـ"حماس"، وتصعيد إجراءاتها ضد المعارضة السياسية لأردوغان.

لكن عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض بدت كأنها بددت كثيرا من هذه المخاوف بضربة واحدة. فالرئيس الأميركي معروف بودّه الشديد لأردوغان، الذي وصفه من قبل بأنه "صديق جيد" و"رجل قوي". كما أن موقف ترمب من أوكرانيا، ومساعيه لترميم العلاقة مع روسيا، جعلا الأجواء أكثر ملاءمة لأنقرة. والأكثر لفتا أن الرئيس الأميركي لمح إلى إمكان تجاوز العقوبات السابقة المفروضة على تركيا، والمضي في بيعها مقاتلات من طراز "إف-35".

أ.ف.ب
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مراسم استقبال رسمية في مجمع بستبة الرئاسي بأنقرة، في 7 يوليو 2026، على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)

وقد كرر ترمب التلميح إلى احتمال بيع هذه المقاتلات المتطورة لأنقرة، ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى توجيه نداء علني ومباشر إليه. وتسعى إسرائيل منذ وقت طويل إلى الحفاظ على تفوقها العسكري على سائر القوى الإقليمية، وقد سبق أن أعربت عن قلقها من احتمال حصول الإمارات العربية المتحدة على هذه المقاتلات في إطار اتفاقات أبراهام. غير أن احتمال حصول تركيا عليها يثير مخاوف أشد، إذ باتت إسرائيل تنظر إلى أنقرة على نحو متزايد بوصفها خصما إقليميا لا حليفا، خلافا للإمارات، ما يجعل الصفقة المحتملة نذير خطر وتهديدا أمنيا مباشرا.

كذلك تعرض سفير واشنطن لدى أنقرة ومبعوثها الخاص إلى سوريا، توم باراك، لانتقادات متزايدة من شخصيات إسرائيلية وأخرى مؤيدة لإسرائيل، رأت أنه شديد القرب من أردوغان، ومندفع في تشجيع التطبيع السريع بين واشنطن والحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع. وعلى الرغم من أن الشرع اتخذ موقفا برغماتيا تجاه إسرائيل، فإن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ينظر إلى الزعيم السوري الجديد، الذي يوصف بأنه جهادي سابق أعاد تقديم نفسه سياسيا على أنه تهديد محتمل يفضل احتواءه مبكرا على الانخراط معه.

وما أثار دهشة إسرائيل أكثر أن معارضة تركيا الصريحة للحرب ضد إيران لم تستدع ردا يذكر من الرئيس ترمب. ففي حين وجه ترمب انتقادات حادة إلى حلفائه الأوروبيين لرفضهم تقديم العون أثناء النزاع، لم يثر انتقاد أردوغان للحرب أي تعليق مماثل من رئيس يتخذ في كثير من الأحيان من منشوراته الصاخبة على وسائل التواصل الاجتماعي قناة للدبلوماسية والضغط. بل إن بعض التقارير أشارت إلى أن تركيا أسهمت في إفشال محاولة أميركية لتهريب أسلحة إلى جماعات كردية في غرب إيران، ضمن ما وصفته تلك التقارير بأنه خطة أوسع للإطاحة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

هذه الصداقة بين ترمب وأردوغان حقيقية، وتأتي في وقت يتزايد فيه قلق الحكومة الإسرائيلية من الحضور التركي المتنامي في المنطقة، ولا سيما عبر علاقات أنقرة بالحكومة السورية الجديدة.

مع صمود العلاقات التركية-الأميركية، على الأقل في عهد ترمب، وتصاعد التنافس التركي-الإسرائيلي، وغياب أي مؤشر إلى أن تركيا تقترب من طي الحقبة الأردوغانية، بدأت إسرائيل تتخذ خطوات أكثر حدة، وتنتقل إلى مواجهة دبلوماسية أكثر صراحة

وتزيد المزاعم الإسرائيلية بشأن انخراط أنقرة في حملة "تضليل" متصاعدة ضدها من حدة التوتر. ففي بيانه الذي أعلن فيه قرار الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، انتقد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تركيا لترويجها "روايات كاذبة ضد إسرائيل". وقد كثفت وسائل إعلام مرتبطة بتركيا انتقاداتها لإسرائيل بالفعل. هذه الانتقادات ليست جديدة، لكنها باتت تبث باللغة الإنكليزية على نحو أوسع، ربما سعيا إلى تعميق التراجع المتزايد في صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة نفسها.

ثم يأتي العامل الأخير، وربما الأكثر جوهرية: بقاء أردوغان الطويل في الحكم. فعلى مدى سنوات، تجنبت إسرائيل بعض أشد الخطوات ضد تركيا، رغبة في إبقاء صلة ما مع الدولة التركية، وانطلاقا من تصور يرى أن الخطاب المعادي لإسرائيل سمة من سمات "حقبة أردوغان" التي قد تنتهي يوما. غير أن هذا التصور بات أقل إقناعا. فالرئيس التركي، رغم تقدمه في السن وتنامي المعارضة الداخلية، لا يزال ممسكا بمفاصل السلطة. فقد نجا من محاولة انقلاب عسكري، ومن معارضة أكثر جرأة، ومن زلزال مدمر، ومن سلسلة صراعات إقليمية وضعت السياسة الخارجية التركية تحت ضغط شديد. وفي الوقت نفسه، رسخ سلطته الرئاسية، وهمش البرلمان، وفاز في انتخابات متعاقبة، وشهد سجن أبرز منافسيه شعبية. يبدو أردوغان باقيا، ويبدو معه التنافس التركي الإسرائيلي مرشحا للبقاء.

أ.ف.ب
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، في 19 سبتمبر 2023

ومع صمود العلاقات التركية-الأميركية، على الأقل في عهد ترمب، وتصاعد التنافس التركي-الإسرائيلي على مستويي النفوذ والرواية السياسية، وغياب أي مؤشر إلى أن تركيا تقترب من طي الحقبة الأردوغانية التي تعاملت معها إسرائيل طويلا كمرحلة عابرة، بدأت إسرائيل تتخذ خطوات أكثر حدة، وتنتقل إلى مواجهة دبلوماسية أكثر صراحة.

ماذا سيأتي لاحقا؟

لا يزال قرار مجلس الوزراء بحاجة إلى موافقة الكنيست، إلا أن التقارير الإسرائيلية تشير إلى دعم واسع له في أعلى مستويات الحكومة، وفي مقدمتها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وإذا أقر القرار، فستنضم إسرائيل إلى قائمة متزايدة من الدول التي تعترف رسميا بالإبادة الجماعية للأرمن. غير أن أهميته الحقيقية سياسية أكثر منها قانونية، لأنه سيؤشر إلى اللحظة التي خلصت فيها إسرائيل إلى أن إبقاء هامش لتسوية مستقبلية مع تركيا لم يعد يستحق الكلفة.

أما تركيا، فلا تزال تملك خيارات للتصعيد، منها مزيد من الخفض الدبلوماسي، غير أن معظم الأدوات المهمة استُخدمت بالفعل. لذلك لا يبدو قرار يونيو/حزيران 2026 بداية أزمة جديدة بقدر ما يبدو تتويجا لأزمة ممتدة. ويبقى السؤال الأهم ما إذا كان هذا الشرخ سيتحول إلى سمة ثابتة في السياسة الإقليمية، أم أن تغييرا مستقبليا في القيادة داخل إسرائيل أو تركيا أو واشنطن قد يعيد فتح الباب أمام التطبيع.

في الوقت الراهن، يبدو الجواب واضحا. فالعلاقة التي جمعت ذات يوم قوتين إقليميتين كبيرتين في اصطفاف استراتيجي، اختُزلت اليوم في تبادل اتهامات، ونزاع قانوني، وانتقام رمزي.

font change