الولايات المتحدة - إيران... نذر الانزلاق إلى حرب شاملة

الولايات المتحدة - إيران... نذر الانزلاق إلى حرب شاملة

استمع إلى المقال دقيقة

سيكون للتصعيد الحاد في المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز دور حاسم في رسم مصير هذا الممر المائي الحيوي خلال العقود المقبلة.

فقبل اندلاع حرب إيران في فبراير/شباط، كان المضيق خاضعا للقواعد المتعارف عليها في قانون البحار، ما أتاح للسفن التجارية المرور بحرية عبر هذا الممر الضيق الذي يعبره نحو عشرين في المئة من إمدادات الطاقة العالمية.

ظل هذا الاستقرار الملاحي قائما من دون عقبات تذكر، باستثناء الاضطرابات التي شهدها المضيق خلال الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينات القرن الماضي، إلى أن أطاحت الحرب الأخيرة بهذا التوازن الراسخ، عقب إطلاق واشنطن وتل أبيب حملتهما العسكرية المشتركة ضد النظام الإيراني.

وقد أدت المواجهات عمليا إلى شل الحركة في المضيق، بعدما آثرت غالبية السفن التجارية تجنب مخاطر الإبحار وسط صراع مستعر. وزادت طهران المشهد تعقيدا بمحاولتها تحويل الممر المائي إلى ورقة ضغط عسكرية، بل ذهبت أبعد من ذلك، حين ادعت السيادة على هذا الشريان الملاحي الدولي.

وتواجه مساعي طهران لفرض سيطرتها على المضيق، وتلميحاتها إلى اعتزامها فرض رسوم عبور على السفن التجارية، رفضا دوليا واسعا، إذ ينظر إلى هذه الخطوات باعتبارها ضربا من الابتزاز يمارسه نظام يكافح من أجل تفادي الانهيار.

وكما كان متوقعا، قوبلت المناورة الإيرانية بمعارضة حادة من إدارة ترمب والقوى الإقليمية الرئيسة، التي تصر على إعادة المضيق إلى وضعه المحايد المعهود فور التوصل إلى تسوية سلمية.

بعدما أعلن ترمب أن واشنطن تعتزم تقاضي رسوم لقاء حماية السفن العابرة للمضيق، تراجع عن موقفه، معلنا إلغاء تلك الرسوم "استنادا إلى محادثات مثمرة للغاية مع قيادات في الشرق الأوسط"

ويشكل ضمان حرية الملاحة عبر المضيق أحد المرتكزات الأساسية في مذكرة التفاهم المؤلفة من أربعة عشر بندا، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الصراع، إلى جانب أولوية أخرى تتمثل في وضع حد لبرنامج طهران للأسلحة النووية.

ورغم تأكيد الوسطاء إحراز تقدم ملموس في هذين الملفين خلال جولات التفاوض التي عقدت في جنيف وقطر، دفعت الاتهامات المتواصلة لإيران باستهداف السفن داخل المضيق واشنطن إلى تبني موقف أكثر حزما، بالتزامن مع الإبقاء على وجود عسكري مكثف في المنطقة.

ورغم أن المواجهة بدأت بتبادل ضربات متكافئة بين واشنطن و"الحرس الثوري" الإيراني، فإنها باتت تنذر بالانزلاق إلى حرب شاملة، ولا سيما بعدما عبّر ترمب عن استيائه من بطء مسار المفاوضات بسلسلة من التصريحات التي لم تفعل سوى زيادة تعقيد المشهد.

ففي الوقت الذي يصر فيه ترمب على أن طهران لا تزال راغبة في التفاوض لإنهاء الصراع والتوصل إلى اتفاق سلام نهائي، يتباهى في المقابل بقدرة بلاده على إلحاق هزيمة عسكرية ساحقة بها، بما يجعل مواصلة الحوار أمرا لا طائل منه.

وفي موازاة هذا التناقض، أدلى الرئيس الأميركي بتصريحات متضاربة بشأن أهدافه النهائية من الترتيبات المستقبلية للملاحة في مضيق هرمز.

فبعدما أعلن أن واشنطن تعتزم الاضطلاع بدور "حارس" الممر المائي، مقابل تقاضي رسوم لقاء حماية السفن الدولية العابرة للمضيق، سرعان ما تراجع ترمب عن موقفه، معلنا إلغاء تلك الرسوم "استنادا إلى محادثات مثمرة للغاية مع قيادات في الشرق الأوسط".

وكان تهديده الأول بفرض رسوم عبور بنسبة 20 في المئة قد أثار موجة واسعة من الاعتراض، إذ أعربت الأمم المتحدة وقادة المنطقة عن معارضتهم الشديدة لهذه الخطوة.

في الوقت الذي يواصل فيه الجيش الأميركي استهداف مواقع إيرانية رئيسة قرب المضيق، أبلغ ترمب مسؤولين شاركوا في قمة دفاعية بأنه يريد عودة المفاوضين الإيرانيين إلى طاولة المحادثات الأسبوع المقبل

وفي بيان رسمي، أكدت المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة رفضها فرض أي رسوم على السفن التجارية مقابل عبور المضيق، فيما دعا قادة دول الخليج ترمب إلى إعادة حرية الملاحة التي كانت تتمتع بها السفن قبل اندلاع الحرب.

وأثارت تصريحات ترمب بشأن هذه الرسوم، خلال مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز،" قلقا واسعا، ولا سيما أنها جاءت عقب إعلانه إعادة فرض الحصار البحري الأميركي على إيران، إثر سلسلة من الهجمات الإيرانية على سفن تجارية.

وكتب ترمب لاحقا عبر منصة "تروث سوشيال": "نعيد فرض الحصار الإيراني، الذي سمي بهذا الاسم، لأنه لا يمنع سوى سفن إيران أو عملائها من الدخول أو المغادرة".

وأضاف أن الولايات المتحدة "ستُعرَف من الآن فصاعدا باسم حارس مضيق هرمز"، وأنها "من باب الإنصاف، ستتقاضى تعويضا بنسبة 20 في المئة من قيمة جميع الشحنات المنقولة، مقابل كل التكاليف اللازمة لأداء مهمة توفير السلامة والأمن في هذه المنطقة شديدة الاضطراب من العالم"، مؤكدا أن "الإجراءات والترتيبات ستبدأ فورا".

ويُنظر إلى تراجع ترمب عن قراره بوصفه مؤشرا على أن خياره المفضل لا يزال التوصل إلى تسوية تفاوضية تنهي الحرب، رغم تهديداته المتكررة بتصعيد الضربات الأميركية، وإدراج منشآت وجسور إيرانية حيوية ضمن قائمة الأهداف المحتملة.

وفي الوقت الذي يواصل فيه الجيش الأميركي استهداف مواقع إيرانية رئيسة قرب المضيق، أبلغ ترمب مسؤولين شاركوا في قمة دفاعية بأنه يريد عودة المفاوضين الإيرانيين إلى طاولة المحادثات الأسبوع المقبل.

وحول ذلك، صرح ترمب قائلا: "إنهم يرغبون بشدة في التوصل إلى تسوية. لا يعجبهم ما نفعله. وسنكتشف ما إذا كنا نريد التوصل إلى تسوية معهم، أم سننهي الأمر برمته". غير أن مدى استعداد طهران للقبول بمطالب ترمب المتعلقة بالترتيبات المستقبلية في مضيق هرمز يظل مسألة مختلفة تماما.

من جانبه، قال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف لوسائل الإعلام الرسمية إن طهران "لا تملك سببا" للالتزام بالاتفاق ما لم تجن منه فائدة، مشددا على أن مقتضيات الأمن القومي الإيراني تفرض الإبقاء على "الترتيبات الإيرانية" في المضيق، في إشارة إلى إعلان طهران السابق عزمها فرض رسوم عبور على السفن التي تستخدم الممر المائي.

وفي غياب أية مؤشرات إلى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة بشأن معضلة حرية الملاحة في مضيق هرمز، قد يستغرق التوصل إلى اتفاق نهائي أشهرا عدة، قبل حسم الجهة التي ستؤول إليها السيطرة على هذا الممر المائي الحيوي.

font change