باتي سميث تجمع شتات العمر في "خبز الملائكة"

AFP
AFP
باتي سميث خلال مقابلة على هامش مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP21) في باريس

باتي سميث تجمع شتات العمر في "خبز الملائكة"

حين نفتح كتاب الأميركية باتي سميث الجديد، "خبز الملائكة"، ونبدأ في قراءته، نشعر أننا ندخل مرة أخرى إلى الورشة الداخلية لفنانة لم تتوقف يوما عن التأمل في حياتها وتحويلها إلى مادة أدبية.

فمنذ كتابها الشهير، "مجرد أطفال" (2010)، الذي وثقت فيه علاقتها الاستثنائية بالمصوّر روبرت مابلثورب، مرورا بـ"قطار إم" (2015) و"عام القرد" (2019)، دأبت سميث على بناء مشروع سيرذاتي متشعب تتداخل فيه الذكريات بالشعر والتأملات الفكرية.

كتابها الجديد، الذي يتزامن صدوره في نيويورك عن دار "راندوم هاوس" مع صدور ترجمته الفرنسية في باريس عن دار "غاليمار"، يمثل أكثر حلقات هذا المشروع طموحا واتساعا. إذ يمتد على ما يقارب ثمانية عقود من حياتها، من ذكرياتها الأولى خلال طفولة فقيرة ومضطربة، إلى تأملاتها الراهنة وهي تقترب من الثمانين.

وإذا كانت كتبها السابقة تميل إلى التركيز على مرحلة بعينها أو على شخصيات محددة لعبت دورا حاسما في حياتها، فإن "خبز الملائكة" يسعى إلى رسم لوحة بانورامية لمسار كامل، كأن الكاتبة قررت أخيرا جمع الخيوط المتناثرة التي وزعتها على كتبها السابقة.

والنتيجة نص بصير يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية، ليقدم قراءة عميقة للمسار الذي تشكلت عبره هذه الشخصية الفنية والأدبية التي ظلت على مدى عقود عصية على التصنيف، موزعة بين الشعر والموسيقى والتصوير والكتابة.

إهداء

اختارت سميث تاريخا ذا دلالة خاصة لإصدار الكتاب: الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني، وهو اليوم الذي توفى فيه زوجها فريد "سونيك" سميث عام 1994، ويوافق أيضا يوم ميلاد روبرت مابلثورب. وكأن المذكرات تُهدى منذ صفحتها الأولى إلى الرجلين اللذين تصف أحدهما بأنه "حب حياتها"، والآخر بأنه "فنان حياتها". لكن الحزن، على كثافة حضوره، لا يهيمن على الكتاب. فهو محاولة لفهم كيف استطاعت صاحبته مواصلة السير بعد سلسلة طويلة من الفواجع.

يبدأ السرد من طفولة تكاد تبدو خارجة من رواية اجتماعية أميركية عن سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية. هكذا نعرف أن سميث ولدت عام 1946 في عائلة عاملة عانت ضيق الحال والتنقل المتكرر من مسكن إلى آخر، وأن والدها كان جنديا سابقا خرج من الحرب مثقلا بآثارها النفسية والجسدية، فيما عملت والدتها في وظائف متواضعة لإعالة الأسرة. خلال السنوات الأولى من حياتها، تنقلت العائلة مرات عديدة بين بيوت متهالكة ومبانٍ مهددة بالإزالة، قبل أن تستقر أخيرا في جنوب نيوجيرسي.

هذه التجربة المبكرة ستترك أثرا دائما في تكوينها النفسي والجمالي، وتفتح لها نافذة على عالم الكتب والأحلام والتأمل

وما يلفت الانتباه في هذه الصفحات، أكثر من البؤس الاجتماعي بحد ذاته، هو الطريقة التي تستعيده بها سميث. فهي تنظر إلى طفولتها بعين الشاعرة أكثر من عين المؤرخة. الأحياء الفقيرة، أكوام الفحم، المباني المتداعية، كلها تتحول إلى عناصر في أسطورة شخصية عن ولادة الخيال.

ومن هذه العناصر، ندرك أنها كانت طفلة مريضة في معظم الأوقات، عانت الحمى والعزلة وفترات النقاهة الطويلة. لكن هذه التجربة المبكرة ستترك أثرا دائما في تكوينها النفسي والجمالي، وتفتح لها نافذة على عالم الكتب والأحلام والتأمل.

تكتسب إذن هذه الصفحات أهمية خاصة لأنها تكشف الجذور البعيدة لحساسية سميث الفنية. فالقارئ الذي عرفها لاحقا بوصفها إحدى أيقونات موسيقى الـ"بانك"، يكتشف هنا طفلة منطوية، كثيرة التأمل، تميل إلى مراقبة العالم أكثر مما تميل إلى المشاركة فيه، وإلى نسج عالم موازٍ من الصور والقصص والأحلام.

ومن هذه المسافة المبكرة عن الآخرين نشأت تلك النظرة الشاعرية التي ستطبع أعمالها كلها، حيث تتجاور التفاصيل اليومية البسيطة مع أسئلة الوجود الكبرى.

PATRICK KOVARIK / AFP
باتي سميث خلال افتتاح معرض للمصور روبرت مابلثورب في باريس

يقظة

من أجمل فصول الكتاب، تلك التي تتتبع يقظة الحس الفني لدى الطفلة. إذ تروي سميث كيف فتحت لها القصص الخرافية الأيرلندية أبواب الشعر، وكيف قادتها السينما إلى البوذية، ثم جاءت الكتب لتمنحها إحساسا مبكرا بوجود عالم آخر خلف الواقع اليومي.

كانت مؤلفة "كتاب الأيام" تسعى إلى معايشة هذه الأعمال الفنية من الداخل أكثر مما تسعى إلى تفسيرها. ولهذا يبدو اكتشافها للشاعر الفرنسي رامبو لحظة تأسيسية حقيقية في حياتها. ففي الخامسة عشرة، وجدت في صاحب "الإشراقات" نموذجا للمتمرد والشاعر والرائي، فصار رفيقها الروحي الذي سيلازمها طوال العمر.

تنجح سميث في استعادة تلك الاكتشافات الأولى من دون أن تسقط في فخ الحنين الساذج. فبدلا من تقديم طفولتها باعتبارها زمنا ذهبيا مفقودا، تتناولها كمختبر مبكر لتكوين المخيلة. ولهذا تبدو الكتب والأفلام والأغاني التي تعبر الصفحات، شخصيات فاعلة في السرد، لا مجرد مراجع ثقافية. إنها محطات أساسية في تشكّل وعي فتاة كانت تبحث، بصورة غريزية تقريبا، عن لغة تستطيع من خلالها فهم العالم وإعادة خلقه.

يُظهر الكتاب أيضا أن نزوعها إلى الفن ارتبط منذ البداية بميل واضح إلى العصيان. فقد نشأت في بيئة دينية تأثرت بتعاليم شهود يهوه، وشاركت في طفولتها في النشاطات التبشيرية التي كانت والدتها تواظب عليها. لكن افتتانها بالرسم والشعر والموسيقى وضعها تدريجيا أمام خيار وجودي. وحين قيل لها إن الفن لا مكان له في "ملكوت الرب"، أدركت أن طريقها يتجه إلى مكان آخر.

 Cindy Ord / Getty Images via AFP
باتي سميث خلال ندوة في نيويورك

من هنا توجهها لاحقا إلى نيويورك، المدينة التي ستشهد تشكل شخصيتها الفنية. مرحلة تمر عليها بسرعة لأنها حظيت بمعالجة مستفيضة في "مجرد أطفال"، ولذلك لا تعيد رواية التفاصيل المعروفة عن صعودها داخل المشهد الفني البوهيمي، وتتجه نحو مناطق أقل استهلاكا في سيرتها.

كشف

عند هذه النقطة يكشف الكتاب أحد أكثر جوانبه إثارة للاهتمام. فقارئه يكتشف وجها آخر من حياة باتي سميث، بعيدا من أسطورتها كمغنية. يتعرف إلى السنوات التي أمضتها مع زوجها فريد سميث في ميشيغان، وبقيت طويلا محاطة بالتكهنات.

في هذه الصفحات، تقدم الكاتبة صورة هادئة لحياة عائلية متواضعة: بيت قرب قناة مائية، كتب مستعارة من المكتبة، موسيقى كلاسيكية، فنجان قهوة، وكتابة يومية على طاولة صغيرة. ومن خلال هذه الصورة، يبرز التحول الأهم في مسيرتها.

فالفنانة الشهيرة كانت قد بدأت تنظر إلى نفسها باعتبارها كاتبة قبل أي شيء آخر. وخلال سنوات الابتعاد عن الأضواء، أعادت ترتيب علاقتها باللغة والفن والزمن، وواظبت على الكتابة، فيما بدت الشهرة الموسيقية وكأنها مرحلة من مراحل الطريق، وليست غايته النهائية.

أعادت ترتيب علاقتها باللغة والفن والزمن، وواظبت على الكتابة، فيما بدت الشهرة الموسيقية وكأنها مرحلة من مراحل الطريق

مع ذلك، لا تخلو هذه المذكرات من بعض مواطن الضعف. فبينما تتألق الصفحات المخصصة للطفولة والتكوين الروحي، تبدو مراحل أخرى أكثر اختصارا مما تستحق، كما أن بعض الشخصيات التي لعبت أدوارا محورية في حياة سميث تظهر أحيانا في صورة لمحات سريعة، وكأن الكاتبة تفترض معرفة مسبقة بها لدى القارئ.

لكن هذه المآخذ ترتبط أحيانا بطبيعة المشروع الذي اختارته. إذ من الصعب ضغط حياة بهذا الثراء في كتاب واحد من دون المرور بسرعة على بعض المحطات. كما أن النزعة الاستطرادية التي تميز أسلوب سميث تبدو جزءا من شخصيتها الأدبية. فهي تكتب وفق منطق التداعي الحر أكثر مما تكتب وفق منطق السرد الخطي الصارم.

لذلك يتنقل النص أحيانا بين الأزمنة والذكريات والأفكار بطريقة قد تربك بعض القراء، لكنها تمنحه في المقابل نبرة حميمة تشبه جلسة طويلة مع راوٍ يستعيد حياته كما تتدفق في الذاكرة لا كما ترتبها كتب التاريخ.

من الملاحظ أيضا أن اللغة، على جمالها في كثير من المواضع، تنزلق أحيانا نحو قدر من المبالغة البلاغية. فسميث تكتب بوصفها شاعرة قبل أي شيء، وهذا يمنح النص سحرا خاصا، لكنه يدفعه أحيانا إلى حافة التزيين اللفظي. بعض المشاهد التي كان يمكن أن تكتسب قوتها من بساطتها تتحول إلى تأملات مطولة مثقلة بالصور والاستعارات.

Rich Fury / Getty Images via AFP
باتي سميث تحيي حفلا في كاليفورنيا

خسارات 


لكن تظل هذه الملاحظات محدودة الأثر أمام الغنى الإنساني الذي يحمله الكتاب. فالثلث الأخير منه مؤثر على نحو خاص، إذ تروي الكاتبة سلسلة الخسارات التي تعرضت لها: وفاة مابلثورب، ثم زوجها، ثم شقيقها، إضافة إلى أصدقاء وأحباء كثر. الموت حاضر في كل مكان داخل هذه الصفحات، باعتباره طرفا في الحوار المستمر بين الذاكرة والزمن، لا خاتمة نهائية له.

من أكثر مفاجآت الكتاب إثارة اكتشاف سميث المتأخر أن الرجل الذي ربّاها لم يكن والدها البيولوجي. لكن بدلا من تقديم هذا الكشف بوصفه انقلابا دراميا، تستثمره كركيزة لإعادة التفكير في معنى الهوية والانتماء. فالكاتبة تدرك أن ما صنع شخصيتها لم يكن العامل البيولوجي وحده، بل شبكة العلاقات والعواطف والاختيارات التي شكلت حياتها.

غلاف "خبز الملائكة"

أما عنوان الكتاب، فيحمل دلالة مركزية لفهم روحه. فـ"خبز الملائكة" بقدر ما يشير عند سميث إلى المعنى الديني التقليدي، يشير إلى تلك اللفتات الصغيرة من التعاطف والكرم التي صادفتها خلال حياتها. الأشخاص الذين ساعدوها في اللحظات الصعبة، الكتب التي وصلت إليها مصادفة، الكلمات التي أنقذتها من اليأس، كلها تتحول إلى "خبز" روحي أبقاها على قيد الحياة.

في النهاية، يصعب النظر إلى "خبز الملائكة" بوصفه سيرة نهائية أو كلمة أخيرة عن حياة باتي سميث. فهو أقرب إلى تأمل طويل كيف يصنع الإنسان نفسه عبر الفن والحب والخسارة. وبينما تستعرض الكاتبة فيه العقود التي عبرتها، تبدو منشغلة بفهم الطريق الذي أوصلها إلى ما هي عليه اليوم أكثر من انشغالها بتثبيت صورة أسطورية عن ذاتها.

تأمل طويل في كيف يصنع الإنسان نفسه عبر الفن والحب والخسارة

ولعل أبرز ما يميز الكتاب هو عدم اكتفائه باستعادة الوقائع، وتأمله في فعل التذكر نفسه. فالذاكرة عند سميث قوة خلاقة تعيد تشكيل الماضي كلما استدعي. ومن هنا تنبع قوة "خبز الملائكة"، في كونه كتابا عن الذاكرة والإبداع بقدر ما هو كتاب عن القدرة على النهوض بعد كل سقوط.

وبعد أكثر من نصف قرن من الحضور الأدبي والموسيقي، تعود سميث فيه إلى السؤال الذي رافقها منذ الطفولة: كيف يمكن تحويل الحياة، بكل ما فيها من عتمة وهشاشة، إلى مادة للكتابة؟

font change