كان الغالب على الظن أن كريستوفر نولان سيعيد كتابة الأوديسة بشكل مختلف، لكنه فعل العكس. لقد بدأ من النهاية، لكنه بقي إلى حد بعيد، وفيا لعالمها الإغريقي، بما فيه من آلهة وأساطير ووثنية. نحن أمام نص وثني، ولا بد من تذكر هذا لفهمه وتصور بدء الاهتمام به كمجافاة لمسيحية العصور الوسطى.
ومن هنا نتلمس طريقنا لفهم أثر "الأوديسة" في الحضارة الحديثة ، حيث صارت الرحلة رمزا لتكوين الإنسان الحديث الحر، ورسخت نموذج البطل الذي ينتصر بالعقل والصبر أكثر من القوة، وألهمت الأدب والفلسفة والسينما، من جويس ورواية "عوليس" إلى كريستوفر نولان، وبينهما سوزان فيغا التي كتبت أغنية باسم "كاليبسو" تبرر فعلها. نحن أمام رموز ثقافية لا تزال حية.
طبقات
والسؤال: لماذا بقيت "الأوديسة" بعد ثلاثة آلاف عام، بينما غابت عن الذاكرة الإنسانية مئات الملاحم التي كانت تضاهيها شهرة في زمانها؟ لعل أكثر ما يثير الدهشة أنها لم تكتف بإنتاج قرائها، بل أنتجت واستفزت مفسريها. فمنذ قرون، يتعاقب النقاد على تحميلها طبقات متزايدة من الرمزية، حتى أصبحت كل جزيرة حالة نفسية، وكل وحش غريزة إنسانية، وكل بحر رمزا للوجود، وكأن هوميروس كان يخفي تحت أبياته فلسفة لم تظهر إلا بعد آلاف السنين. هل يحق لنا أن نفتش فيها عن رموز؟
وقد يقال إن الاعتراض على هذه القراءات يتعارض مع النقد الحديث منذ أن أعلن رولان بارت "موت المؤلف"، فلم يعد قصد الكاتب المرجع الأخير لمعنى النص. فضلا على أن ملحمة "الأوديسة" التي تجاوزت 12 ألف بيت قد تعاقبت عليها الأقلام عبر القرون بالحذف والزيادة ولم تبق نص هوميروس وحده.


