"حاييم صراف عكا"... الذي انتهى في قاع البحر

اليهودي الدمشقي الذي اصبح لاعبا أساسيا في الإمبراطورية العثمانية

غلاف "حاييم صراف عكا"

"حاييم صراف عكا"... الذي انتهى في قاع البحر

يتناول كتاب "حاييم صراف عكا... يهودي في ذمة الإسلام" للمؤرخ يوسف معوض (رياض الريس للكتب والنشر)، نقله عن الفرنسية جان هاشم، سيرة حاييم فارحي اليهودي الشرقي، الذي كان من أهم رجال الطائفة الموسوية في فلسطين، وهو سليل عائلة يهودية ثرية من يهود دمشق، وكان له حضور كبير في البلاط السلطاني في إسطنبول.

يقدم المؤرخ اللبناني يوسف معوض في هذه الرواية التاريخية المثبتة بالوثائق فكرة عن حياة يهودي عاش في ظل الإسلام والدولة العثمانية، وعن علاقاته الملتبسة بجيرانه، مسلمين ومسيحيين.

حاييم على مسرح الأحداث في عكا

في رواية تاريخية وسيرة متخيلة في آن واحد، تمتد لنحو 445 صفحة، يستعيد الكاتب سيرة رئيس المستشارين وأمين الخزينة لدى والي عكا أحمد باشا الجزار، فالصراف حاييم (1760-1820) اليهودي الدمشقي، الذي يلقب بالمعلم، الذي غادر مسقط رأسه دمشق في عام 1790، ليس شخصية روائية وحسب وإن نسب إليه "دفتر يوميات مفترض"، عاش في عكا ثلاثين عاما وشغل منصب الرجل الثالث في الولاية، دخل في خدمة ولاة عكا، كوزير مالية 3 ولاة عثمانيين متعاقبين على حكم ولاية عكا طوال 30 سنة (1790-1820)، فطبعت إدارته المالية بشكل مستدام المناطق التابعة لإدارته، مستندا إلى إرث عائلي برع فيه اليهود في مجال الصيرفة.

ساعد الجزار في صراعاته الداخلية، تجاه بعض الضباط المناوئين لسياساته وتولى إدارة الاتصالات مع الإنكليز والباب العالي

في الأول من شهر أبريل/ نيسان 1790، سرت في المدينة شائعة تفيد بأن حاييم فارحي سيدخل في خدمة والي عكا، فلزم الناس جانب الحذر كالعادة، في الحي اليهودي، واختلف الوضع عند آل فارحي، فعقد الرجال اجتماعا لمناقشة قضية طارئة وخطيرة في نظرهم، فتعيين حاييم في منصب مهم، ومحط أنظار الكثيرين، وفقا للطائفة اليهودية المتوجسة دائما من محيطها، مسألة فيها خطر على الرجل كما على أبناء ملته. وإيمانا من حاييم وطمعه بالمنصب لدى الجزار، وسعيه إلى تحقيق استقلال عن سلطة العائلة، لم ير "طائلا من تلك المداولات إذ كان مقتنعا بأن لا خيار أمامه. يجب أن يقبل العرض المغري المقدم له"، ونقتبس من "يوميات" حاييم: "تم الأمر، أنا الآن في عكا، دخلت في خدمة أحمد باشا الجزار الرهيب، بقرار طوعي مني، إنما مدفوعا بشكل ما ببعض أهلي، فتربيتي وإعدادي في كنف والدي وجدي، والجو الطاغي في عائلتي، كل ذلك هيأني للتطلع إلى أعلى المراكز".

معالم النزاع

يستعرض الكتاب الصراع بين حاييم والجزار، ففي عام 1790 دخل الأول في خدمة والي عكا، الذي ولد في البوسنة التابعة للسلطنة العثمانية، عام 1734، لأسرة مسيحية، ثم انخرط شابا في سلك المماليك لتبدأ مسيرته اللامعة عندما دخل في خدمة علي باشا. في عام 1775 باتت كل عكا ومحيطها في يد هذا المملوك البشناقي. وقد ساعد حاييم الجزار في صراعاته الداخلية، تجاه بعض الضباط المناوئين لسياساته، وفي صراعه مع البدو، وتولى إدارة الاتصالات مع الإنكليز والباب العالي، بحكم تمكنه من التحدث بالفرنسية والتركية والعبرية، ومسك السجلات المالية للولاية وتأمين المراسلات مع ديوان السلطان في إسطنبول. وبمشورة ودهاء حاييم، تمكن الجزار من صد هجمات الفرنسيين بقيادة نابليون بونابرت 1799 وحصاره عكا سنة 1799.

Ahmad GHARABLI / AFP
جامع الجزار في مدينة عكا القديمة

كل ذلك لم يشفع للصراف، الذي سيلاقي مصيرا مأسويا، إذ اشتكى عدد من وجهاء دمشق للجزار من تعاظم نفوذ اليهود الذين حققوا الثروات على حساب المسلمين. وقد أنصت الجزار لتلك الشكاوى وأدرك بسرعة أن عليه القيام بمبادرة ما تجاه الرأي العام الذي يطالب باتخاذ إجراءات ضد آل فارحي، وقد خشي أن يصل الأمر إلى الباب العالي، فاتجهت أنظاره أولا إلى الصلاحيات الممنوحة لحاييم فارحي، ولام نفسه على ذلك، ويذكر الكتاب أنه في 13 شوال من عام 1208 هــــــ أصدر الجزار الأمر بالتوجه إلى مكة على رأس قافلة الحج، بعدها انطلق رسولان على جناح السرعة، أحدهما إلى دمشق لتنفيذ أوامره باعتقال آل فارحي، والثاني توجه إلى عكا من أجل تعذيب حاييم، وتشويه وجهه من دون المس بحياته. فكان أن "قطع أنفه وأذنه وقلع عينه"، لكنه لم يقدم على قتله لحاجته الماسة إليه.

استغل الصراف نفوذه ليفرض على رأس الولاية عبد الله باشا، الشاب اليافع، الذي تبين لحاييم أنه أكثر الناس نكرانا للجميل

"من شوهني أراد وسمي ليحددني كملكية له، وفي الواقع أنا ملكيته وفريسته كما أنني أداة حكمه". وبالرغم من ذلك دفعته اغراءات السلطة إلى الاستمرار في وظيفته مع الوالي الذي خلف الجزار بعد وفاته، سليمان باشا العادل، الذي اتسم حكمه بالحرية الدينية التي لم يشهدها اليهود والمسيحيون وغيرهم من أهل الذمة، في تلك الفترة قوي نفوذ حاييم المالي والإداري والسياسي، وبعد وفاة سليمان باشا استغل الصراف نفوذه ليفرض على رأس الولاية عبد الله باشا، الشاب اليافع، الذي تبين لحاييم أنه أكثر الناس نكرانا للجميل، إذ كان مصير حاييم ونهايته بيد هذا الشاب.

 ODD ANDERSEN / AFP
مشهد عام لمدينة عكا القديمة

عكا ميناء العالم

تبدو عكا شخصية رئيسة في الكتاب، وهي المسرح الذي سمح للصراف حاييم، بأن يندمج في المجتمع ويصبح عضوا في نسيجه الاجتماعي. في هذا المعنى، يسلط الكتاب الضوء على الصراعات السياسية والاجتماعية والدينية في تلك الفترة.

يبدأ المؤلف رحلته السردية من عكا، تلك المدينة التي دخلت تحت سيطرة العثمانيين عام 1517، والتي لم تكن يوما مجرد نقطة على الخريطة، بل كانت ميناء العالم، وبوتقة انصهرت فيها مختلف الثقافات. يشرح الكاتب كيف ساهم موقع عكا الجغرافي في تشكيل عقلية أهلها. فانفتاح البحر أمام المدينة جعل من أهلها "وسطاء ثقافيين". وفي أزقتها، كان المسلم والمسيحي واليهودي يتشاركون اللغة والموسيقى والعادات الاجتماعية. في هذه الأجواء برز في ثلاثينات القرن الثامن عشر على الساحة السياسية ظاهر العمر في فلسطين، الذي فرض سلطاته انطلاقا من مدينة عكا، وكونه منحدرا من أسرة الزيداني العربية الأصل والمقيمة في نواحي بحيرة طبريا، تمكن من فرض هيبته وسلطته المطلقة حتى عام 1775. ولكن تم التخلص من رجل الحرب الذي بالغ في نزعته الاستقلالية، إذ كلف الباب العالي رجله القوي في مصر، محمد بك أبو الذهب، وضع حد لمسيرة هذا الشيخ المتمرد، لينتهي الأمر باغتياله بيد أحد رجاله.

MENAHEM KAHANA / AFP
مشهد عام لمدينة عكا القديمة على ساحل البحر المتوسط

ويشير الكتاب إلى أن الديوان السلطاني، خلع على الجزار في عام 1775، لقب بيرليرباي (بك البكوات)، وإثر ذلك نقل مقر ولاية صيدا إلى عكا، ليبتعد عن أنظار الباب العالي ورجاله. وفيها أرسى أحمد باشا الجزار "حكما صارما وجشعا مما أثار نقمة دروز ومسيحيي جبل لبنان"، بعدما سيطر على القوى المحلية والعشائر بقوة، كما استعان بعدد من الجنود المغاربة والبوسنيين لتوطيد دعائم حكمه.

صراف الولاية

يقول الكتاب إن اليهود في دمشق كانوا يقيمون في منطقة واحدة عرفت باسمهم، "محلة اليهود"، إلى جانب المسلمين والمسيحيين، منهم صرافون وأطباء ودباغون وجزارون وندافون. آل فارحي هم من اليهود السفارديم، وكان أسلافهم قد تعرضوا للتطهير العرقي على أيدي المسيحيين الكاثوليك ومحاكم التفتيش الإسبانية في القرون الوسطى وطردوا من إسبانيا في 1492.

في موازاة ذلك، دارت حرب خفية بين العائلات التي اشتهرت في حرفة المحاسبة، ومن ضمنها عداوة الكار بين آل فارحي وآل بحري، فإذ كان اليهود والمسيحيون على تنافس دائم على بعض المناصب الإدارية في الولايات، فإن المنافسة بين العائلتين اتخذت "طابع الصراع بين طائفتين دينيتين وأحيانا بين ولايتين"، إذ أدت إلى صراع بين والي عكا ووالي دمشق. ويؤكد المؤرخ معوض أن السلطات العثمانية أبدت ترحيبا بهم، وكان التسامح الديني الذي عاملهم به الأتراك "موضع امتنان كبير في أوساطهم، في حين أنهم لم يكنوا سوى النقمة على أوروبا المسيحية التي عاملتهم بكل قسوة"، وبعد احتلال القسطنطينية في عام 1453 سعت إلى إنزالهم في عاصمتها الجديدة.

كان العثمانيون يرون أن اليهود موالون لهم، فيما ظلوا يشتبهون في أن المسيحيين ميالون إلى القوى العظمى الأوروبية

ويكشف المؤلف أن هناك حاخامات حلوا منذ عام 1481 على ضفاف البوسفور، فالعثمانيون كانوا يرون أن "اليهود موالون لهم، فيما ظلوا يشتبهون في أن المسيحيين ميالون إلى القوى العظمى الأوروبية التي كان لها حدود متنازع عليها مع السلطنة".

ويلقي الكتاب الضوء على حقيقة تاريخية مفادها أن الإسلام، في ممارسته الحضارية ببلاد الشام، لم يتعامل مع اليهود كـ "آخر" مرفوض، بل كشريك في البناء والإنتاج، طارحا تساؤلات حول هوية حاييم اليهودي الشرقي الذي ظلت عواطفه عالقة بين انتمائه التاريخي لبيئته، وبين الضغوط القومية التي مورست عليه لتجريده من هذا الانتماء.

هذا البعد هو ما يسعى معوض لإحيائه في وجه السرديات التي تحاول صبغ العلاقة بين العرب واليهود بالعداء الأزلي. ويؤكد المؤلف أن اليهود كانوا "رعايا السلطنة المخلصين والمنصاعين"، الى درجة أن السلطان أسقط عنهم "القوانين الصارمة المطبقة على غير المسلمين".

ويجادل الكاتب بأن "الذمة" كانت عقدا اجتماعيا وأخلاقيا، وفرت لليهود والمسيحيين مساحة من الأمان والحماية التي افتقدوها في أوروبا خلال فترات الاضطهاد. وتفيد المصادر اليهودية أن يوسف وحاييم فارحي، الوافدين من آسيا الصغرى، في عام 1731، استقرا في دمشق. وقد استخدم الحاكم كليهما كصراف، فحظيا برضاه وبرضى الحكام المتوالين الذين ظلوا يستعينون بخدماتهما. يرد على لسان حاييم: ""أنا حاييم فارحي المعروف بالصراف، كان جدي الأكبر ناتان قد وفد من سالونيك ليستقر في دمشق بعد إقامة وجيزة في عاصمة السلطنة، وجدي لأبي هو حاييم، حاخام دمشق، والدي شاوول ومعروف أكثر باسم شحادة".

Bakr ALKASEM / AFP
رجل يصلي في كنيس الإفرنج بحي اليهود في دمشق القديمة

المواجهة المؤجلة

لم تخل يوميات المعلم حاييم فارحي من المغامرات والصراعات في سياسة الولاية وإدارة خزينتها. في المقابل كانت له بالمرصاد عيون تراقبه للإيقاع به، ففي أحد أيام شهر أبريل/نيسان المشمسة، تحرك موكب الوالي عبد الله باشا، على "وقع الموسيقى، سرجت الجمال بشكل باذخ ورفرفت الرايات فوق الفرسان وهم على مطاياهم والفرسان وراءهم، كان عبد الله يختال مظفرا على حصانه الأبيض، ووراءه الصراف حاييم على بغله يتبعه مستمتعا بهذا المجد الباهر".

لم يدم هذا الود بين الوالي وأمين خزينته، إذ كان يكتنف عمل فارحي الكثير من المصاعب والعقبات في ظل وجود أناس من الدائرة الضيقة حول الوالي، يريدون الإيقاع بين الاثنين. ويذكر الكتاب أنه في هذه الأثناء وصل من دمشق مع القوافل التي لم ينقطع حبلها، شيخ اعتبر من المتنورين أو الفقراء أو الدراويش الذين تكاثروا في ولايات السلطنة العثمانية، لطالما ظلت صوفية الدراويش هامشية، فإن "السلطات تساهلت معها بمقابل ألا تتدخل في دهاليز السلطة"، وهكذا حافظت الطرق الصوفية على مكاسبها إلى يومنا هذا، لكن من كان يتوقع أن يتم توجيه الضربة القاضية لليهودي حاييم من طريق أحد أتباع تلك الطرق الروحانية؟

سعى حاييم إلى إحداث توازن بين طموحاته المالية والحفاظ على منصبه كمستشار مالي لدى الوالي، وذلك من طريق حياد الوالي. ويشير الكتاب إلى أن حاييم خشي من اندماج الوالي بالطريقة الصوفية والانصياع لزعيمها القادم من دمشق، وزادت شكوكه بعد تزايد نفوذ الشيخ محمد أبو الهدى الذي لم يكن يشغل وظيفة رسمية إنما "يختبئ وراء ثوب الدين محاولا إعطاء أهمية لوظيفة لا اعتبار لها في مجتمع يحكمه العسكر".

لكن حدث أن التقى القاضي يوما بحاييم على مدخل السراي، وطلب منه التدخل ومنع الوالي من ممارسة طقوس الصوفية والانغماس في حلقات الذكر، أحس حاييم كم أن وضعه أصبح صعبا ومحفوفا بالمخاطر، فطلب من معلمه التوقف عن المشاركة في حلقات الذكر. وكان سبق للصوفيين أن حذروه من الصراف، "ستضحك المدينة في عبها عندما تعلم أنه عومل بهذا الاستخفاف"، وسيقال عنه إنه "ضعيف وليس بالحجم اللازم لمقارعة حاييم الكبير، حاييم العظيم!". على خلفية ذلك، عزل حاييم من وظيفته كصراف الولاية على أن يقوم فقط بمسؤولية المراسلات مع إسطنبول. في اجتماع مع الوالي، أشار بعض الحضور بأنهم يخشون أن ينتقم حاييم، "لأن اليهودي يميل إلى الثأر بطبيعته". 

استرحم أبناء طائفته أن يسمح لهم بإقامة جنازة له، لكن عبد الله لم يستجب لتوسلاتهم

قصد عبد الله والدته لأنه يعرف أن الحل هو بين يديها كسيدة حاكمة، فالشريفة سليمى تعرف ما الموقف الذي يجب أن يعتمد والقرارات التي يجب أن تتخذ. ذكرته الشريفة بأن "اليهود، وبعكس النصارى، حقودون ولا يمكن الوثوق بهم". استوعب عبد الله باشا ما أشارت إليه والدته، فكلف على الفور أحد جنده إبراهيم بيك، إعدام صراف ولايته، مشددا عليه بعدم إراقة دم اليهودي. فليقتله خنقا ويتخلص من الجثة لتبقى بلا جنازة، "أنصت حاييم بكل هدوء إلى إبراهيم بيك يتلو عليه قرار حكم الإعدام. انكسر الطوق الذي وضعه الحراس حول عنقه، وسرت أقاويل إن الأمر احتاج إلى ما يقل عن ثلاثة حبال لإنجاز خنق الصراف العجوز". نفذت العملية، ثم وضعت "الجثة في كيس خيش ورميت في البحر".

وقد روى الرحالة وتاجر الخيل الفرنسي لويس داموازو الذي مر بمدينة عكا أن "الأمواج قذفت إلى الشاطئ، بعد أيام من إغراقها، جثة المعلم حاييم المسكين، وقد استرحم أبناء طائفته أن يسمح لهم بإقامة جنازة له، لكن عبد الله لم يستجب لتوسلاتهم، لا بل أمر بأن توضع الجثة في كيس يملأ نصفه بالحجارة وأن تحمل إلى عمق البحر ليبتلعها من جديد".

font change