كان أمبرتو إيكو يقود ضيوفه في شقته عبر ممرات ضيقة تحفها الرفوف حتى تبتلعهم الكتب بصريا قبل الجلوس، إذ يستقر ثلاثون ألف مجلد على رفوف صنعت خصيصا تفصلها ممرات وأدراج يستلزم التنقل بينها معرفة خرائط البيت. كان الزائر يجول ببصره منبهرا ثم يلتفت إلى صاحبه بالسؤال الذي يتلقاه كل مرة: "هل قرأت كل هذه الكتب؟"، فيبتسم إيكو ابتسامة تخفي ما تكشفه ويجيب: "الكتب التي قرأتها تستقر فوق هذا الكرسي وحده، أما البقية فلأتعلم منها يوما ما ينقصني"، كاشفا في إجابته عن فلسفة تربك السائل فتجعله يستدير نحو الرفوف بعين مختلفة. بعد رحيله عام 2016 انتقلت مكتبته إلى جامعة بولونيا ليجول بين رفوفها طلاب لم يدركوه، طلاب تستقبلهم كتب ينتظر كثير منها أن يفتح للمرة الأولى.
في جواب إيكو صدى يتجاوز مكتبته، وهي الفكرة التي أطلق نسيم طالب عليها اسم "المكتبة المضادة"، فقد رأى أن الكتب التي تنتظر القراءة أهم مما قرأناه لأنها تذكرنا بحدود معرفتنا، وهي قراءة جميلة تختصر الفكرة في درس تواضعي معرفي، غير أنها تترك تحتها سؤالا نائما لأن حدود المعرفة شيء وفعل الاقتناء شيء آخر: من قنع بحدود معرفته اكتفى بمعرفتها، أما الشراء فيستدعي طاقة تدفع اليد نحو الجيب وتحرك الرف لاستقبال زائر جديد. كثيرون يعترفون بجهلهم، لكن قليلين يتخذون من رف كتبهم نصبا تذكاريا له. وخلف الجواب الأنيق ما هو أكثر غموضا، شيء يقال عن علاقتنا بزمننا وبأنفسنا، بالنسخ الكامنة فينا التي تنتظر ساعتها.
ما لا يستجيب للسرعة
تخضع حياتنا اليوم لقانون صارم: ما يرى يستحق الوجود، وما يستهلك بسرعة ينجح، وما يعاند الاختصار يسقط، هكذا صار الفيلم في ساعتين، والمقال في ثلاث دقائق، والكتاب في ملخص مسموع من عشر دقائق. هذا ما سماه بيونغ-تشول هان "زمن الشفافية"، زمنا يفرض على كل شيء أن ينكشف ويستهلك وينتهي بسرعة، وفي قلب هذا الزمن يغدو الكتاب غير المقروء فضيحة صغيرة: حضور يأبى الإنتاج، يأبى الاستهلاك ويأبى الانتهاء، صمت متراص ورفض مهذب.


