المكتبة والمكتبة المضادة... لماذا نقتني ما لا نقرأه؟

علاقة حميمة تتجاوز الوظيفة المباشرة

REUTERS/Clodagh Kilcoyne
REUTERS/Clodagh Kilcoyne
رفوف الكتب في قاعة "لونغ روم" بمكتبة كلية ترينيتي في دبلن

المكتبة والمكتبة المضادة... لماذا نقتني ما لا نقرأه؟

كان أمبرتو إيكو يقود ضيوفه في شقته عبر ممرات ضيقة تحفها الرفوف حتى تبتلعهم الكتب بصريا قبل الجلوس، إذ يستقر ثلاثون ألف مجلد على رفوف صنعت خصيصا تفصلها ممرات وأدراج يستلزم التنقل بينها معرفة خرائط البيت. كان الزائر يجول ببصره منبهرا ثم يلتفت إلى صاحبه بالسؤال الذي يتلقاه كل مرة: "هل قرأت كل هذه الكتب؟"، فيبتسم إيكو ابتسامة تخفي ما تكشفه ويجيب: "الكتب التي قرأتها تستقر فوق هذا الكرسي وحده، أما البقية فلأتعلم منها يوما ما ينقصني"، كاشفا في إجابته عن فلسفة تربك السائل فتجعله يستدير نحو الرفوف بعين مختلفة. بعد رحيله عام 2016 انتقلت مكتبته إلى جامعة بولونيا ليجول بين رفوفها طلاب لم يدركوه، طلاب تستقبلهم كتب ينتظر كثير منها أن يفتح للمرة الأولى.

في جواب إيكو صدى يتجاوز مكتبته، وهي الفكرة التي أطلق نسيم طالب عليها اسم "المكتبة المضادة"، فقد رأى أن الكتب التي تنتظر القراءة أهم مما قرأناه لأنها تذكرنا بحدود معرفتنا، وهي قراءة جميلة تختصر الفكرة في درس تواضعي معرفي، غير أنها تترك تحتها سؤالا نائما لأن حدود المعرفة شيء وفعل الاقتناء شيء آخر: من قنع بحدود معرفته اكتفى بمعرفتها، أما الشراء فيستدعي طاقة تدفع اليد نحو الجيب وتحرك الرف لاستقبال زائر جديد. كثيرون يعترفون بجهلهم، لكن قليلين يتخذون من رف كتبهم نصبا تذكاريا له. وخلف الجواب الأنيق ما هو أكثر غموضا، شيء يقال عن علاقتنا بزمننا وبأنفسنا، بالنسخ الكامنة فينا التي تنتظر ساعتها.

ما لا يستجيب للسرعة

تخضع حياتنا اليوم لقانون صارم: ما يرى يستحق الوجود، وما يستهلك بسرعة ينجح، وما يعاند الاختصار يسقط، هكذا صار الفيلم في ساعتين، والمقال في ثلاث دقائق، والكتاب في ملخص مسموع من عشر دقائق. هذا ما سماه بيونغ-تشول هان "زمن الشفافية"، زمنا يفرض على كل شيء أن ينكشف ويستهلك وينتهي بسرعة، وفي قلب هذا الزمن يغدو الكتاب غير المقروء فضيحة صغيرة: حضور يأبى الإنتاج، يأبى الاستهلاك ويأبى الانتهاء، صمت متراص ورفض مهذب.

حضور يهمس لأصحابه وهم يقضون نهارهم في الإصغاء إلى المتسارع بأن في العالم نفسا آخر يجري ببطء

بهذا الرفض يخرج الكتاب من اللعبة فلا تجد برامج إدارة المهام القدرة على لمس صفحاته الأربعمئة المغلقة، ويصعب على الخوارزمية تلخيصها ما دام موعد قراءتك له مؤجلا، حتى إن المنصة التي تقترح لكل كتاب شبيها له تعجز عن قول شيء لأن الكتاب يقع في رفك بعيدا من متناولها، بالتالي تبقى صفحاته منطقة مجهولة في حياة تطالب بإضاءة كل شيء.

يلاقي أصحاب المكتبات الشخصية الضخمة صعوبة في تفسير تمسكهم بكتب بقيت أغلفتها بعيدة عن أيديهم حتى لأنفسهم، وتصادف هذه الظاهرة في مكاتب الأساتذة الذين أمضوا أربعين سنة في موضوع واحد فتنتشر على رفوفهم كتب في حقول نائية عن اختصاصهم. خرجت هذه الكتب من خانة الزينة ومن خانة الضرورة المهنية لتستقر في خانة ثالثة: حضور يهمس لأصحابه وهم يقضون نهارهم في الإصغاء إلى المتسارع بأن في العالم نفسا آخر يجري ببطء ومعرفة تستعصي على الاختصار.

يتجاوز الأمر الكتب الفكرية لأن كتب الطبخ أيضا، التي هي الأخرى تدخل كل بيت تقريبا وتبقى وصفاتها مؤجلة، تحمل المعنى ذاته ووعدا بحياة مختلفة يتسع فيها الوقت لطهي وصفة من سبع خطوات. الأمر نفسه في دواوين الشعر التي يقتنيها المرء في لحظة شعور خاص ثم ينسى مكانها، راضيا بمعرفة غامضة أن "الشعر" قائم في بيته يحرس حسه الجمالي من الذوبان في يوميات بلا إيقاع.

 LOUISA GOULIAMAKI / AFP
أمناء مكتبة يتصفحون كتبا جديدة في المقر الجديد للمكتبة الوطنية اليونانية في أثينا

غالبا ما تجري هذه المقاومة دون وعي، فقلما يقرر قارئ أن في دفعه ثمن كتاب احتجاجا على ثقافة، غير أن الفعل ينطوي على معنى يسبق الوعي به: من يقتني دفترا ورقيا في زمن الهواتف يصنع ما يتجاوز الكتابة باليد، ومن يقتني كتابا سيبقى مغلقا يتجاوز الكسل إلى احتجاج هادئ على عالم يذكره بأن ما يملكه ينبغي أن يخضع للاستهلاك الفوري. حين يترفع الكتاب المغلق عن مطالبتك بإتمامه أو تقييمه أو الترشيح به للآخرين، يصبح حضوره المكتفي بذاته فعلا سياسيا صغيرا في زمن يلهث خلف كل شيء.

حضور نائم في الورق

حين نتأمل الكتاب غير المقروء من زاوية أخرى فإنه ينقلنا إلى مكان أعمق من زمن الشفافية، ففيه شيء يجعلنا نحتفظ به، شيء يسكن صفحاته قبل فتحها، وهو ما لمسه جورج شتاينر حين انتهى إلى فكرة تبدو غريبة لأول وهلة: النص الجاد يحمل "حضورا" يتقاطع مع ما تحمله الذخيرة المقدسة في التقاليد الدينية، هذه الذخيرة المتكونة من قطعة نسيج أو شعرة أو عظم صغير وتصير في عيون المؤمنين مسكنا لما هو أكبر منها، يدخلون إليها صامتين ويخرجون متغيرين، ويكفيهم العلم بحضورها دون لمس.

يجري الأمر ذاته مع الكتاب غير المقروء، إذ يتجاوز كونه ورقا وحبرا ليصبح وعاء يحمل ما كتبه إنسان آخر صرف فيه سنوات من عمره واقترب من حقيقة ما ثم سكبها في صفحات تملكها اليد، ويبقى هذا السكب حاضرا في الورق وإن ظل الغلاف مطبقا، حضورا يشتعل خلف باب موصد يستعصي مشهده على البصر ويبقى يقينه عند صاحبه.

حين ينظر القارئ إلى كتاب أمضى في رفه عشر سنوات مغلقا تتراجع يده عن إهدائه خشية خسارة صحبة صامتة ألفها

يصعب على أكثر القراء عملية التخلص من كتب تنتظر القراءة، فلو وقفت العلاقة عند المعلومة لاتضحت المسألة: "استخدم ما يخدمك وتخلص مما فاق حاجتك"، غير أن العلاقة أكبر من هذا الاختزال، فحين ينظر القارئ إلى كتاب أمضى في رفه عشر سنوات مغلقا تتراجع يده عن إهدائه خشية خسارة صحبة صامتة ألفها، صحبة كتاب حرسه بحضوره وحفظ مكانه في صمت. زائر الضريح يكتفي بوجود القديس دون انتظار كلامه، ومجل الكاتب يكتفي بوجود كتابه تحت يده يحمل الشوق إلى قراءة كل ما كتب.

يعرف من يهدي كتابا هذه الحقيقة في باطنه لأن الإهداء ينطلق من فكرة الامتلاك، فمن يهدي كتابا يعطي الآخر شيئا كان يملكه هو، ويحمل الكتاب المهدى أثرا من صاحبه الأول: أثر اختياره له، وإبقائه قربه، وكتابته لاسم صاحبه الجديد على الصفحة الأولى، وهو أثر ينتقل مع الكتاب وإن بقي الغلاف مطبقا. وأشد من ذلك حضورا الكتاب الموروث عن أب أو جد، فهو يدخل حياة الوارث كأنه شخص كامل، تفتحه فتجد خط يد غادر، وحاشية علقت قبل عقود، وأثر قهوة من صباح بعيد.

لعل هذا يفسر انتقاء الناس كتبهم بعناية تفوق انتقاءهم ملابسهم، فالملابس تجد طريقها إلى الاستهلاك والرمي، أما الكتاب فيدخل البيت ليبقى، ومن ينتقي كتابا للرف ينتقي ضيفا مقيما يعيش معه، يحادثه حينا ويصمت معه حينا، ويغير هيئة البيت بمجرد وجوده. إن الغرفة التي ينام على رفها كتاب لدوستويفسكي تختلف عن الغرفة الخالية، فيحرس حضور الكتاب زاويتها ويبث صوتا خفيا يسمعه صاحبها وحده.

ذاكرة قريبة من الجسد

إن الإصرار على الكتاب الورقي في زمن ينزل فيه أي كتاب إلى الهاتف في ثوان، أمر يستحق التأمل، ما دام القراء المعاصرون، حتى أشدهم تعلقا بالرقمي، يتمسكون بمكتبات ورقية يعلمون أن تسعين في المئة من محتواها يكمن في جيوبهم بالمجان، ثم يواصلون الشراء.

اخترعت الكتابة يوم عجز البشر عن حمل كل ما يعرفونه في رؤوسهم، فصار جزء من ذاكرتنا يسكن خارج أجسادنا، في الكتب والصور والمذكرات والآلات، وهو ما دعاه برنار ستيغلر "الاحتفاظ الثلاثي"، ذاكرة تخرج عن البيولوجيا فتمد امتدادها في الأشياء، حتى صار الكتاب عقلا معارا تستعيره يد الإنسان ساعة تشاء.

REUTERS/Marcos Brindicci
مكتبة "إل أتينيو غراند سبلنديد" في بوينس آيريس

غير أن ثمنا خفيا يدفع في رحلة هذا العقل الخارجي، فكلما تطورت تقنياته ابتعد الإنسان عنه: ظل الكتاب قريبا يلمسه القارئ ويفتحه ويؤشر على هامشه ويترك أثر قلمه. أما السحابة فتستعصي على اللمس، تستقر الملفات في "غوغل درايف" نظريا فقط، يجهل صاحبها مكانها ومن يصل إليها وساعة اختفائها المحتملة، والكتاب على "كيندل" يملكه القارئ إلى أن تلغى عضويته فيختفي معها ما كان يملكه بإذن الشركة، حتى تنتقل ملكية الذاكرة شيئا فشيئا إلى الشركات حين تستقر في خوارزمياتها.

يتبدل معنى الكتاب الورقي غير المقروء فيصير ذاكرة يختار صاحبها أن يبقيها قرب جسده، ملكية حقيقية تتجاوز مفهوم الاشتراك

في هذا السياق يتبدل معنى الكتاب الورقي غير المقروء فيصير ذاكرة يختار صاحبها أن يبقيها قرب جسده، ملكية حقيقية تتجاوز مفهوم الاشتراك، يمد إليها يده في أي لحظة ويلمسها عالما أن اللمسة بمنأى من ضغطة زر تملك إلغاءها. قلت في حياة الإنسان المعاصر الأشياء التي يقول هذا عنها، فصوره انتقلت إلى منصات تحفظها، ورسائله إلى خوادم بعيدة، وحساباته إلى قرارات الموظفين، ويبقى الكتاب الورقي من بقايا الملكية الأصيلة التي يملكها صاحبها دون شريك أو وسيط.

ينفرد الكتاب الورقي بصفة تستعصي على أي ملف رقمي هي العمر، فهو يكبر مع صاحبه، تصفر صفحاته مع السنين وينحني غلافه قليلا حيث تلمسه اليد مرارا، على حين يبقى الملف الرقمي ثابتا في حالته الأولى إلى لحظة حذفه، فالذاكرة التي تأبى الكبر تخرج من خانة الذاكرة إلى خانة التسجيل.

 Niklas HALLE'N / AFP
زبائن يتصفحون الكتب في مكتبة "دونت بوكس" في لندن

لذلك يعود كثير من القراء إلى الورق بعد تجربتهم الرقمية، وقد رصد اتحاد الناشرين البريطانيين مطلع عام 2017 ما خالف التوقعات: مبيعات الكتاب الورقي التي رجح انهيارها أمام الأجهزة صمدت بل وارتفعت في تلك السنة على حساب الكتاب الرقمي المتراجع، وتكرر المشهد نفسه في الولايات المتحدة. رد بعض المتابعين لشؤون النشر هذا الصمود إلى أسباب عابرة، غير أن في جوهره حاجة أعمق: حاجة الإنسان لامتلاك جزء من ذاكرته بعيدا من منطق الاستئجار، فالكتاب غير المقروء على الرف يعلن بهدوء أن في حياة صاحبه جزءا تعجز شركات الكوكب عن سحبه منه.

ما تقوله الكتب ساكتة

في يوم بعيد، حين يفتح سواك باب غرفتك وقد رحلت عن البيت أو عن الحياة، تستقبله هذه المكتبة فيمشي بين رفوفها ويمرر يده على الكتب فيفهم منك ما عجزت عن قوله بالكلام: تحكي له الكتب المقروءة عما فكرت فيه، وتحكي له غير المقروءة عما اشتهيت أن تفكر فيه وهي أصدقهما، فما قرأناه يخبر بمن صرنا، وما ادخرناه للقراءة يخبر بمن أحببنا أن نصير. ربما هنا يكمن سر المكتبة المضادة كله بترك المرء على رفه أثر ما قرأ وإلى جانبه أثر ما تمنى أن يقرأ، فالأول سيرته الفعلية والثاني سيرته المحتملة، وكلتاهما تكشفان عنه شيئا لعين صافية.

حين يمر المرء بمكتبة فيدخلها رغم نفسه ويخرج بكتاب يعلم أنه سينام على رفه طويلا، فلينظر إلى نفسه بشيء من الحنان

أرق ما في الفكرة أن السيرة المحتملة تبقى حية ما دامت الكتب على الرف، فكل كتاب ينتظر احتمالا مفتوحا وذاتا بديلة تنتظر في الجوار، ويموت المرء على رؤوس الأصابع بينما تبقى احتمالاته نائمة في غلف محكمة يحفظها الورق بدلا منه، وذلك أجمل ما يصنعه الكتاب غير المقروء: يحفظ من صاحبه ما عجز صاحبه عن حفظه.

حين يمر المرء بمكتبة فيدخلها رغم نفسه ويخرج بكتاب يعلم أنه سينام على رفه طويلا، فلينظر إلى نفسه بشيء من الحنان، فهو لم يشتر كتابا بل اشترى وعدا بأن نسخة أخرى منه، نسخة تعرف هذا الكتاب، ما زالت ممكنة في مكان ما من المستقبل وتنتظر ساعة ميلادها على الرف.

font change