ما بعد "اليونيفيل" في جنوب لبنان... بين البدائل ومسار المفاوضات

لبنان يطالب بالتمديد وواشنطن ترفض

أ.ف.ب
أ.ف.ب
صورة التقطت من موقع في شمال إسرائيل، بالقرب من الحدود مع لبنان، تظهر مركبة مدرعة تابعة لقوات "اليونيفيل" وهي تمر بجوار مبان مدمرة في جنوب لبنان في 22 يوليو 2026

ما بعد "اليونيفيل" في جنوب لبنان... بين البدائل ومسار المفاوضات

تعددت الطروحات الدولية ذات الصلة، بمرحلة ما بعد القوة الدولية العاملة في الجنوب اللبناني (اليونيفيل). التي تنتهي ولايتها في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، بموجب قرار مجلس الأمن 2790. ومن المتوقع أن تتصاعد وتيرة الاهتمامات الدولية بمصير هذه القوة، أو بدائلها، أو ما يفترض أن تكون عليه وضعية الجنوب اللبناني أمنياً وسياسياً، من الآن وحتى نهاية هذه السنة. إذ إن الأشهر الأربعة الفاصلة ستكون مفصلية بالنسبة إلى القرار الذي سيتم التوافق حوله في هذا الشأن.

ويرتبط أي وجود دولي في الجنوب إما بالقرار 1701، إذا ما تم التمديد لـ"اليونيفيل"، من جديد، نهاية السنة، كما يطالب لبنان. وهو لم ييأس من إمكان حصول هذا الاحتمال. كما يرتبط بغير القرار 1701، إذا جاءت قوة أوروبية-آسيوية-شرق أوسطية متعددة تحت صيغة معينة، أو تحالف دولي. لكن تكون في سياق محدد تحت إمرة مجلس الأمن وقراره، لأن أية صيغة لا تكون بقرار دولي لا يمكنها البقاء في لبنان. وإذا بقيت تكون قوة احتلال من وجهة نظر القانون الدولي. ومجلس الأمن يمثل الشرعية الدولية، والدول تطمئن للمظلة الأممية في وجودها على أرض أية دولة أخرى. بالتزامن هناك مفاوضات ثنائية لبنانية-إسرائيلية برعاية أميركية، وهناك جهاز دولي هو مجلس الأمن الذي يعنى بهذه المسائل.

وكل ذلك سيتم العمل عليه في إطار متكامل. وكذلك تحقيق التكامل بين كل هذه الطروحات، لتقديم أفضل نتيجة للبنان، تكون مبنية على الاحتياجات الحالية، أي دعم وتقوية الجيش والدولة، التي يجب عليها فرض سلطتها، للقيام بواجباتها تجاه مواطنيها. وكذلك طمأنة الإسرائيلي بأن لا عودة لـ"حزب الله" أو غيره ليستعمل الجنوب منصة لاستهداف أمن إسرائيل.

إسرائيل تريد الحل في الجنوب بعيداً عن أية قوة دولية أممية. أي عبر التفاوض اللبناني-الإسرائيلي، الذي يفترض في النهاية، أن يتوصل إلى السلام بين البلدين. وعندها لا حاجة إلى قوات دولية، وكل بلد يحميه جيشه

 وأمن إسرائيل له مكانته لدى العالم كله... "كل هذه الطروحات ستسكب في وعاء واحد لنرى الإخراج الذي سيصدر عن ذلك" وفقاً لما كشفه مصدر دبلوماسي بارز لـ"المجلة". الذي أضاف أن إسرائيل تريد الحل في الجنوب بعيداً عن أية قوة دولية أممية. أي عبر التفاوض اللبناني-الإسرائيلي، الذي يفترض في النهاية، أن يتوصل إلى السلام بين البلدين. وعندها لا حاجة إلى قوات دولية، وكل بلد يحميه جيشه.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش كان قد قدم تقريره إلى مجلس الأمن الدولي المطلوب منه بموجب القرار 2790 الصادر عن المجلس، والذي تم التجديد بموجبه آخر مرة لـ"اليونيفيل" وذلك في نهاية أغسطس/آب 2025. القرار طلب من غوتيريش وضع تقرير في الأول من يونيو/حزيران 2026 حول البدائل لهذه القوة، ورؤية الأمانة العامة للمنظمة الدولية. وبالتالي، قدم غوتيريش البدائل في تقرير خاص، أعده بعد اتصالات له مع كل من لبنان وإسرائيل، كما أن الدول الأعضاء في مجلس الأمن، على اطلاع بكل التفاصيل.

أ.ف.ب
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال توقيع سفير إسرائيل يحيئيل ليتر، ورئيس أركان وزارة الخارجية دانيال هولر، وسفيرة لبنان ندى حمادة، الاتفاق الإطاري في وزارة الخارجية، في واشنطن 26 يونيو 2026

البدائل المطروحة تواجه سباقاً مع التطورات الميدانية ومسار واشنطن

قال مسؤولون معنيون لـ"المجلة، إن البدائل يواجهها السباق مع الأحداث والتطورات. فهناك تطورات على الأرض من جهة، ومفاوضات بين لبنان وإسرائيل من جهة ثانية. وهنا تطرح قضية أخرى تنبثق من قضية التمديد لـ"اليونيفيل". وبحسب المسؤول، فإن السؤال المطروح: كيف سيكون مسار العلاقة بين لبنان والأمم المتحدة مساراً قائماً، ومستمرا في ظل مسار واشنطن؟ ذلك أن "الاتفاق الإطاري" يختلف تماماً عن القرار 1701 ومقتضياته، وإن كانت هناك رغبة أميركية بتحديث هذا القرار أو عدم ممانعة بذلك. هناك توسيع لنطاق القرار 1701 ليشمل لبنان كله، عبر "الاتفاق الإطاري". فانتقلت أهداف بسط سلطة الدولة من الجنوب تحديداً، إلى كل لبنان. إنما من المهم الحفاظ على مكتسبات في مضمون القرار المذكور، غاب عنها "الاتفاق الإطاري". وأكّد المسؤول أن الحروب المتتالية أدّت إلى المزيد من إضعاف سيادة الدولة، وسـاهمت في إضعاف الموقف الدبلوماسي اللبناني في مرحلة المفاوضات حول "الاتفاق الإطاري". بينما الدولة اللبنانية تسعى لاستعادة سلطة الدولة على كامل أراضيها وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وحل مشكلة السلاح غير الشرعي، في الوقت نفسه. هناك حدود لبنان المعترف بها دولياً، وهناك هدنة 1949، واتفاق بوليه-نيوكومب.

وفي المناسبة، فرض البطريرك إلياس الحويك المطوب قديساً، حدود لبنان الكبير الحالية، بعدما كانت فرنسا وبريطانيا اتفقتا على حدود معينة. إن المرجعية القانونية الدولية التي يمثلها القرار 1701 لا تريدها إسرائيل، كما لا تريد اتفاق الهدنة 1949، ولا تريد حدوداً معترفا بها دوليا للبنان. مع الإشارة إلى أن حدود لبنان الدولية مرسمة دولياً ونهائياً في العام 1923، وفقاً لهذا المسؤول.

من غير المعروف الظروف التي واجهت لبنان أو الضغوط التي تعرض لها. لكن رئيس الجمهورية جوزيف عون طلب التمديد لـ"اليونيفيل" بشكلها الحالي، وذلك أثناء لقاء القمة بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترمب

التمديد لـ"اليونيفيل" غير مقبول أميركياً

أوضحت أوساط دبلوماسية لـ"المجلة"، أن مرجعية القرار 1701 له أهمية خاصة، فهو يتضمن القرارات الدولية الأخرى، وهو 1680 المتصل بترسيم الحدود اللبنانية مع سوريا، ثم القرار 1559 الذي يعمل على كل لبنان. من غير المعروف الظروف التي واجهت لبنان أو الضغوط التي تعرض لها. لكن رئيس الجمهورية جوزيف عون طلب التمديد لـ"اليونيفيل" بشكلها الحالي، وذلك أثناء لقاء القمة بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكن تبين وفقاً للأوساط، أن مثل هذا التمديد غير مقبول لدى ترمب، مع انفتاح الإدارة الأميركية على وجود قوة دولية جديدة تساعد في عملية تنفيذ "الاتفاق الإطاري"، لأنها تريد جدية في تطبيقه. وهي داعمة للبنان إلى أقصى حد في هذا المسار.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون عند مدخل الجناح الغربي للبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 21 يوليو 2026

وتُشير الأوساط، إلى أنّه لو وجدت القرارات الدولية في صلب "الاتفاق الإطاري"، لكان هناك اطمئنان أكثر، لا سيما كسند دولي للدولة وللجيش. إنما سيتم البحث خلال مفاوضات روما بموضوع ما بعد "اليونيفيل" خلال الجولات المقبلة في غضون الأسبوعين المقبلين كما تكشف الأوساط. مع الإشارة، إلى القلق الذي يساور السلطات اللبنانية بالنسبة إلى احتمال مراوحة التفاوض مع إسرائيل مكانه من الآن، وحتى موعد الانتخابات الإسرائيلية في 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026. إنما الترتيبات لما بعد "اليونيفيل" ستكون مطروحة على البحث خلال التفاوض.

وتؤكد هذه الأوساط، أن على لبنان أن يصر على أنّ أيّة قوة جديدة، يجب أن تستمر في مراقبة تنفيذ القرار 1701. ويجب على لبنان الإصرار على مرجعية هذا القرار، لا سيما وأن الإدارة الأميركية أجرت تقييماً حول تجاوب لبنان. ورأت أن القيادة السياسية اللبنانية شديدة الالتزام ببسط سيادتها على أرضها، ومعالجة ملف السلاح. وبناءً على ذلك، ستكون الإدارة الأميركية منفتحة على أي إيجابية يمكن تقديمها للبنان، لا سيما من خلال ترتيبات وجود قوة أمنية جديدة. ويسجل الأميركيون اهتماماً بالغاً بالوضع اللبناني، خصوصاً عندما قال ترمب خلال القمة مع عون ما معناه إنه جرى سابقاً إهمال لبنان، ولا يجوز إبقاؤه على هذه الحال.

الجهد الذي يمكن القيام به حيال مقتضيات قرارات الأمم المتحدة حول لبنان، مكمل لمسار واشنطن التفاوضي

 إسرائيل تسعى لتقويض دور "اليونيفيل"

"إسرائيل تكره الأمم المتحدة، وكل ما ينتج عنها" وذلك وفقاً لما قاله دبلوماسي لـ"المجلة"، وأضاف: "ما يهم إسرائيل هو تقويض جهود الأمم المتحدة، ولكن على لبنان المواءمة بين المسارين، أي بين الـ1701 والمفاوضات، خصوصاً وأنهما يتضمنان نقاط تقاطع مهمة. كما أنهما يتضمنان نقاطاً تتكامل فيما بينها. ومن أبرزها بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، ونزع سلاح الميليشيات، وانسحاب إسرائيل، وإجراء الإصلاحات المطلوبة، والنهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار. وبالتالي، فإن الجهد الذي يمكن القيام به حيال مقتضيات قرارات الأمم المتحدة حول لبنان، مكمل لمسار واشنطن التفاوضي.

وأفادت الأوساط أيضاً بأن إسرائيل لا تريد وجوداً للأمم المتحدة، ويهمها تقويض دورها. وعلى لبنان دراسة كيفية المواءمة، والتأثير في ردة الفعل الأميركية حيال هذه المسألة، ما دام ترمب يولي الوضع اللبناني عنايته الشخصية. وإن لم يصل إلى الامتيازات التي لدى إسرائيل عند الإدارة الأميركية. لكن يمكن البناء على هذا المستوى الاستثنائي من الاهتمام الأميركي بلبنان، والجدية في التعامل مع الوضع اللبناني. هذا يمكن اعتباره عاملاً جديداً، ينعكس على دعم لبنان وقوة الموقف اللبناني، في مسعى لبنان لإحقاق حقوقه كاملة وسيادته دون انتقاص.

ثلاثة بدائل اقترحها غوتيريش في رسالته إلى مجلس الأمن

وجّه غوتيريش في الأول يونيو/حزيران 2026 رسالة إلى مجلس الأمن الدولي تضمنت البدائل الثلاثة لقوات "اليونيفيل" في لبنان، وتضمنت دعماً لمستقبل تنفيذ القرار 1701 (2006) بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل"، واقترح في الرسالة الخيارات الثلاثة التالية لإعادة وجود نظامي تابع للأمم المتحدة في المستقبل، يعمل بالتنسيق مع مكتب المنسقة الخاصة للأمم المتحدة المعزز وفريق الأمم المتحدة القطري.

"الخيار1: وجود غير مسلح تابع للأمم المتحدة من مراقبين عسكريين قوامه 350 فرداً نظامياً، إلى جانب وجود مسلح تابع للأمم المتحدة لحماية القوة، يشمل أربعا من كتائب المشاة قوام كل واحدة منها 750 جندياً مسلحاً وقوة احتياطية قوامها 700 جندي مسلح، تكون لديه القدرة اللازمة ليقوم بأقصى قدر من الكفاءة برصد التطورات على طول الخط الأزرق وحتى نهر الليطاني. وانطلاقاً من مراكز ثابتة في مواقع استراتيجية، بما في ذلك على الخط الأزرق، يمكن للمراقبين العسكريين أن يقوموا برصد ما يقرب من ثلثي الخط الأزرق، بينما تُغطى الأجزاء المتبقية من مراكز مؤقتة للمراقبة وعن طريق عمليات مراقبة متنقلة...".

أ.ف.ب
جنود من قوات اليونيفيل يقفون بجوار حفرة ناجمة عن غارة جوية إسرائيلية على طريق في منطقة الخردلي في جنوب لبنان في 27 نوفمبر 2024

"الخيار2: وجود غير مسلح تابع للأمم المتحدة من مراقبين عسكريين قوامه 285 فرداً نظامياً، إلى جانب وجود مسلح تابع للأمم المتحدة لحماية القوة، يشمل كتيبتي مشاة قوام كل واحدة منهما 750 جندياً مسلحاً وقوة احتياطية قوامها 450 جندياً مسلحاً، يتركز في المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والخط الأزرق، وتكون لديه القدرة اللازمة لمراقبة جزء من الخط الأزرق بصورة مباشرة من خلال وجوده المادي، بما في ذلك انطلاقاً من مراكز للمراقبة الثابتة وعن طريق الدوريات. وسوف يتعيّن توفير تكنولوجيا المراقبة لرصد الخط الأزرق بأكمله بشكل مستمر. وسيكون لهذا الانتشار القدرة اللازمة للقيام بأعمال التحقق وإجراء التحقيقات في انتهاكات القرار 1701 (2006) بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، وكذلك شمال نهر الليطاني، ولكن على نطاق محدود، حسب الاقتضاء...".

"الخيار3: وجود غير مسلح تابع للأمم المتحدة من مراقبين عسكريين قوامه 215 فرداً، إلى جانب كتيبتين من المشاة الخفيفة قوام كل واحدة منهما 450 جندياً مسلحا، وقوة للرد السريع قوامها 350 جندياً مسلحاً لحماية القوة، يتولى رصد التطورات على طول الخط الأزرق وإلى عدة كيلومترات شمال الخط الأزرق، بما في ذلك انطلاقاً من مراكز ثابتة في مواقع استراتيجية وعن طريق عمليات مراقبة متنقلة. إلا أن الخط الأزرق لن يتسنى رصده بأكمله بشكل مستمر، دون توفير القدرات التكنولوجية اللازمة. وسيكون لدى الوجود التابع للأمم المتحدة بعض القدرة للقيام بأعمال التحقق وإجراء التحقيقات في انتهاكات القرار 1701 (2006) حتى نهر الليطاني.

ويمكن لهذا الوجود أن يضطلع ببعض أنشطة الاتصال والتنسيق المحدودة بين الطرفين، مع التركيز على المنطقة الواقعة على طول الخط الأزرق، بما في ذلك لتفادي تصادم تحركات جيش الدفاع الإسرائيلي– إلى أن ينسحب بالكامل إلى جنوب الخط الأزرق احتراماً لسيادة لبنان وسلامته الإقليمية ووفقاً للقرار 1701 (2006)– مع تحركات الجيش اللبناني أو المدنيين شمال الخط الأزرق. إلا أنه لن تكون هناك أي قدرة للتدخل بين الجيش اللبناني وجيش الدفاع الإسرائيلي من أجل خفض التصعيد...". ويذكر أنّ البدائل الثلاثة لها تفاصيلها وحيثياتها المطولة في رسالة غوتيريش.

font change