ما العلاقة بين إعلان دمشق الاتفاق مع موسكو على تنظيم الوجود العسكري الروسي في سوريا، واحتفال كابل بذكرى خروج الجيش الأميركي من أفغانستان؟
بعد أسابيع من هجمات سبتمبر/أيلول في نيويورك وواشنطن قبل خمسة وعشرين سنة، دخلت الولايات المتحدة أفغانستان، وأسقطت حكم "طالبان"، وطاردت "القاعدة"، ثم أمضت عشرين عاماً في محاولة بناء دولة ونظام وجيش يستطيعون منع عودة الحركة إلى السلطة. وفي 15 أغسطس/آب 2021، عادت "طالبان" إلى كابل، وانهار النظام الذي دعمته واشنطن، وفرّ الرئيس أشرف غني، وغادر الأميركيون في مشاهد بقيت رمزاً لهزيمة أميركا.
لكن قصة أفغانستان مع "مقبرة الإمبراطوريات" أقدم. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مع البريطانيين وفي نهاية السبعينات مع السوفيات. وفي 1979، دخل الجيش الأحمر، ودعمت أميركا وحلفاؤها المجاهدين الأفغان. وبعد نحو عشر سنوات، انسحب السوفيات وكانت هذه الهزيمة المدوية أحد أسباب خروج روسيا من العباءة الحمراء.
تغير الكبار، وبقيت أفغانستان. وعندما دخلت "طالبان" كابل قبل خمس سنوات، لم يكن الاحتفال بانتصارها محصوراً في أصقاعها. في إدلب السورية، التي كانت تـئن من غارات روسيا وقوات الأسد، وُزعت الحلوى، ونظر مقاتلوها إلى التجربة الأفغانية باعتبارها دليلاً على أن الزمن يمكن أن يكون سلاحاً، وأن القوة العظمى، مهما امتلكت من طائرات وقواعد وحلفاء، لا تبقى إلى الأبد.
بعد حوالي ثلاث سنوات، في ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت قوات أحمد الشرع دمشق، وسقط النظام، وفرّ الأسد إلى موسكو. أما روسيا التي تدخلت عسكرياً في سوريا عام 2015 لإنقاذه فوجدت نفسها أمام ذكريات الجروح الأفغانية. بعد تسع سنوات من الطائرات والقواعد والدعم العسكري والسياسي، سقط الحليف الذي جاءت روسيا لحمايته.
كان يمكن أن تصبح دمشق بالنسبة إلى فلاديمير بوتين ما أصبحت عليه كابل بالنسبة إلى واشنطن أو موسكو السوفياتية، أي عنواناً لهزيمة كبرى لقوة كبرى. لكن ما حصل كان مختلفاً، والاختلاف بدأ قبل سقوط دمشق. عندما دخلت قوات الشرع حلب وبدأت التقدم من وسط البلاد إلى عاصمتها، كانت أمامها "عقدة روسية". ففي حميميم بقيت قوة جوية، بعد تقليصها بسبب حرب أوكرانيا، تستطيع، إذا دخلت بكامل ثقلها في المعركة، تغيير مسار الهجوم.
لم يضع الشرع خطة عسكرية للوصول إلى دمشق فقط، بل وضع أيضاً خطة سياسية للوصول إلى موسكو بتحييدها. يقول وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في حوار سابق مع "المجلة"، إنه فتح، بتوجيه من الشرع، قناة مع مسؤول روسي رفيع، كأنه يتحدث مع بوتين نفسه. كان بإمكان قيادة تتقدم عسكرياً نحو العاصمة أن تتحدث مع الروس بلغة المنتصر والمهزوم. فهذه هي الدولة التي أنقذت الأسد عام 2015 وقصفت مناطق المعارضة وقوات الشرع وساهمت في استعادة حلب نهاية 2016. لكنها لجأت إلى "القاموس الشامي". كانت الرسالة أن روسيا أخطأت عندما ربطت مصالحها بالأسد، وأنها تستطيع الحفاظ على مصالحها إذا ربطتها بـ"سوريا الجديدة". ثم جاءت الجملة المفتاحية التي نقلها الشيباني: "إن إسقاط نظام بشار لا يعني خروج روسيا من سوريا".
"طالبان" فاوضت واشنطن كي تخرج أميركا من أفغانستان. أما الشرع، ففاوض روسيا وهو في طريقه إلى دمشق كي لا تضطر روسيا إلى الخروج من سوريا مهزومة
كان الشرع، قبل أن يدخل دمشق، يفصل بين هزيمة الأسد وهزيمة بوتين، ويين هروب الأول من سوريا وخروج الثاني منها، وبين الانتصار وإذلال الخصم، بين القضاء على الأسد بالضربة القاضية واللعب مع بوتين بالنقاط. كان يعرف أنه لا يتعامل فقط مع دولة قصفت قواتها المعارضة، بل مع قوة عظمى، وتملك ترسانة نووية ومقعداً دائماً في مجلس الأمن ونفوذاً في مناطق كثيرة من العالم. لذلك كان المطلوب إخراج روسيا من مرحلة الأسد، وليس بالضرورة إخراجها من سوريا. وكانت التفاهمات عملية. يتوقف القصف الروسي للمدن، ولا تستخدم موسكو ثقلها السياسي والإعلامي ضد التغيير، وتُفتح قنوات للعلاقة المستقبلية، وتُسهّل تحركات القوات الروسية إذا أرادت الانسحاب من بعض المواقع. وفي المقابل، لا تُستهدف القواعد الروسية ولا يتحول إسقاط الأسد إلى معركة لإذلال روسيا.
دخل الشرع دمشق، لكنه لم يقطع الخيط الروسي في الطريق إليها. بعدما أصبح رئيسا زار بوتين مرتين. واستمرت المفاوضات، حتى أغسطس/آب 2026، وصولاً إلى تفاهم جديد يعيد تنظيم الوجود العسكري. ولم تعد روسيا في "سوريا الجديدة" هي "روسيا الأسد". تقلص وجودها وفقدت كثيراً من الامتيازات. المفاوضات أثمرت عن تفاهم يوفر للكرملين "حفظ ماء الوجه".
هنا نعود إلى كابل. "طالبان" فاوضت أميركا كي تخرج مُهانةً من أفغانستان. أما الشرع، ففاوض روسيا وهو في طريقه إلى دمشق كي لا تضطر روسيا إلى الخروج مهزومة. في أفغانستان، كان خروج القوة العظمى من قاعدة باغرام جزءاً من تعريف الانتصار. أما في سوريا، فلم يعتبر الشرع أن اكتمال انتصاره يحتاج إلى خروج آخر جندي روسي من حميميم. كان الهدف إسقاط الأسد، لا إضافة روسيا إلى قائمة الأعداء.
هزم الشرع الأسد، لكنه حاول أن لا يحول انتصاره إلى هزيمة لبوتين. في كابل، كان الانتصار يعني إخراج القوة العظمى. وفي دمشق، بدأ التفاوض مع القوة العظمى قبل اكتمال الانتصار
هناك مفارقة أخرى؛ قبل خمس سنوات، كانت إدلب تنظر إلى كابل. واليوم، بدأت كابل تنظر إلى دمشق. في 2021، أراد مقاتلو إدلب أن يتعلموا من "طالبان" كيف تصبر حركة إسلامية حتى تنتصر. وفي 2026، ينظر بعض قادة "طالبان" إلى الشرع لمعرفة كيف يمكن لحركة إسلامية انتصرت عسكرياً أن تتحول إلى دولة تخرج من العزلة ويتعامل معها العالم.
بعد خمس سنوات، لا تزال "طالبان" تعاني العزلة، فيما سلكت دمشق طريقاً مختلفاً. انتقل الشرع من إدلب إلى العاصمة، ومن قيادة فصيل إلى رئاسة دولة، ومن الكهف إلى القصر، وحاول الفصل بين ما كان ممكناً في إدلب وما تحتاج إليه دمشق، وبين الخصومة مع الأسد والعلاقة مع القيصر، وبين الانتصار والانتقام. انتقل من مغارات إدلب إلى منصات الأمم المتحدة والقصور الرئاسية.
في القصتين درس للقوى الكبرى أيضاً. خرج الاتحاد السوفياتي من أفغانستان، ثم خرجت أميركا. أما روسيا، فقد خسرت حليفها وموقعها الرئاسي، لكنها حاولت أن لا تخسر سوريا وموقعها الجغرافي.
في كابل، كان الانتصار يعني إخراج القوة العظمى. وفي دمشق، بدأ التفاوض مع القوة العظمى قبل اكتمال الانتصار. من باغرام منصة أميركا في آسيا إلى حميميم جسر روسيا إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا... كيف يُهزم الكبار.