بعد يومين على إعلان التوصل إلى اتفاق بشأن مصير قاعدتي حميميم وطرطوس العسكريتين الروسيتين في سوريا، أصدرت محكمة الجنايات في دمشق، في 11 الجاري، حكما غيابيا بإعدام بشار الأسد وشقيقه ماهر بعد إدانتهما بتهم القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وغيرها من الجرائم بحق السوريين في حقبة الثورة السورية التي انطلقت شرارتها في مارس/آذار 2011.
وفي حين استمرت المفاوضات بشأن القواعد نحو 18 شهرا، وخرجت بنتيجة تضمن سيادة سوريا ولا تجرح بشكل كبير كبرياء روسيا، فإن قضية تسليم الأسد، في حال وجهت الحكومة السورية طلبا رسميا بهذا الشأن لنظيرتها الروسية، قد تتطلب مفاوضات شاقة صعبة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع السياسية مع المصالح الجيوسياسية والاقتصادية والسمعة في إطار قضية ذات رمزية عالية لكلا الطرفين.
صمت روسي
أحجمت روسيا عن التعليق على موضوع تسليم الأسد رغم الضجة الكبيرة عالميا، كما لم تتطرق أي بيانات أو تصريحات رسمية إلى مذكرة التفاهم بشأن مصير قاعدتي حميميم وطرطوس.
وسابقا، حملت التصريحات الروسية إشارات إلى الدور المستقبلي لقاعدتي حميميم وطرطوس لا يختلف كثيرا عن نص مذكرة التفاهم المعلن عنها، ومكنت البرغماتية وفصل الملفات من التقدم في عدة مجالات للتعاون. ومع التحسن التدريجي للعلاقات خلقت التصريحات الروسية انطباعا بتحول ملف تسليم الأسد والمطلوبين إلى ملف ثانوي في إطار العلاقة الثنائية بتوافق ضمني بين الطرفين، مع إشارات إلى عدم وجود نية لتسليمه.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، أشار الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إلى أن قرار منح اللجوء الإنساني للأسد وعائلته اتخذه فلاديمير بوتين شخصيا. وتعليقا على محادثات الشرع وبوتين في يناير/كانون الثاني 2026، قال بيسكوف لم يُناقش موضوع تسليم الأسد إلى دمشق، وفقًا للكرملين. وفي المقابل، نقلت "رويترز" حينها عن مصادر، أن السلطات السورية الجديدة طلبت من روسيا تسليم الرئيس السابق.
وأكد لافروف في 29 يناير/كانون الثاني الماضي عدم التطرق لموضوع تسليم الأسد في قمة بوتين الشرع، وقال: "لم يُطرح هذا الموضوع منذ مدة طويلة". وأوضح لافروف: "شركاؤنا (السوريون) على دراية تامة بكيفية حدوث كل شيء، وكيف انتهى المطاف ببشار الأسد وعائلته في روسيا في ديسمبر/كانون الأول 2024. في ذلك الوقت، كانت سوريا غارقة في حرب حقيقية، مع معارك تدور رحاها في المدن، وشعب متوتر عاطفياً للغاية، وكان الأسد في خطر حقيقي على حياته. ولأسباب إنسانية بحتة، أُتيحت له هذه الفرصة، فاستغلها".
وفي إشارة مبطنة إلى الشروط المفروضة على الأسد في روسيا، قال لافروف: "كما ترون إذا كنتم تتابعون شؤوننا الداخلية، فإن بشار الأسد لا يلعب أي دور في الشؤون السورية".
وفي المقابل، أكد مسؤولون سوريون في أكثر من مناسبة أن المطالبة بتسليم الأسد لم تتوقف وطرحت في الاجتماعات على مختلف المستويات.
اختبار مركب
وبغض النظر عن تضارب الروايتين، فإن حكم الإعدام الأخير أعاد طرح موضوع تسليم الأسد بقوة ويمثل اختبارا مركبا للطرفين الروسي والسوري معا ولمستقبل العلاقات بينهما.
وقانونيا تمتلك سوريا أداة قوية للمطالبة بالأسد تتمثل في "اتفاقية التعاون القانوني المتبادل في القضايا الجزائية مع روسيا واتفاقية تسليم المحكومين معها". ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في 5 يونيو/حزيران 2023. واستنادا إلى البند الثاني من الاتفاقية يمكن أن تقدم دمشق طلبا رسميا إلى موسكو لتسليم الأسد.

وفيما تتكفل القوانين السورية بإعادة المحاكمة الغيابية في حال إلقاء القبض على المطلوب أو تسليمه نفسه للسلطات، وهي عقدة تتعلق، بموجب الاتفاقية، بحق الشخص المطلوب تسليمه في إعادة النظر بالحكم، فإن السلطات السورية عليها أن تقدم ضمانات بعدم تطبيق عقوبة الإعدام بموجب الفقرة (و) من المادة الخامسة والقاضية بأن لا يتم التسليم إذا كانت الجريمة التي يُطلب التسليم بشأنها يعاقب عليها بالإعدام بموجب قانون الطرف طالب التسليم، "إلا إذا قدم ذلك الطرف ضمانات يراها الطرف المطلوب منه التسليم كافية بأن عقوبة الإعدام لن تُطبق على الشخص المطلوب تسليمه".
وتستطيع موسكو الاستناد إلى رفض التسليم بالفقرة (ج) من المادة الخامسة للاتفاقية والتي تنص على أنه لا يتم التسليم "إذا كانت لدى الطرف المطلوب منه التسليم أسباب كافية للاعتقاد بأن طلب التسليم قُدم بهدف ملاحقة الشخص أو معاقبته بسبب العرق أو الجنس أو الدين أو الجنسية أو الأصل الإثني أو بسبب معتقداته السياسية".

