الكوبية آنا ميندييتا... صورة الفنانة في موتها

"أنا لست فنانة امرأة"

Courtesy Marian Goodman Gallery and Alison Jacques, London
Courtesy Marian Goodman Gallery and Alison Jacques, London
آنا مندييتا، "من دون عنوان: سلسلة سيلويتا"، 1977

الكوبية آنا ميندييتا... صورة الفنانة في موتها

في التاسع من سبتمبر/ أيلول 1985 نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" في صفحتها الثالثة خبرا تحت عنوان "نحات متهم بدفع زوجته من النافذة حتى الموت". النحات هو الأميركي كارل أندريا، أما الضحية التي سقطت من الطابق 33 من شقة أندريا في شارع ميرسر الواقع في "غرينويتش فيلدج" بنيويورك فهي الفنانة الكوبية المعاصرة آنا ميندييتا. لم يكن قد مضى على زواجهما أكثر من سنة. ففي سن السادسة والثلاثين تزوجت ميندييتا من الفنان التقليلي كارل أندريا الذي كان يبلغ حينها 49 عاما.

وإذا كان القضاء قد برأ أندريا (1935 ــ 2024) فإن الصحافة الفنية تجد في كل معرض استعادي يقام لإحياء ذكرى الفنانة التي لا تزال تجربتها الفنية تثير الكثير من الأسئلة الوجودية العميقة، مناسبة للنبش في تفاصيل وفاتها الغامضة وما أحيط بها من تجاذبات لم تكن كلها بريئة. وليس المعرض الذي يقيمه متحف "تيت مودرن" بلندن حتى الشهر الأول من السنة المقبلة استثناء. كل من كتبوا عن ذلك المعرض انغمسوا في استعراض حادثة موتها كأنها كانت عملها الفني الأخير الذي توجت به مسيرتها الفنية. ألم تمهد الفنانة بنفسها لذلك الالتباس بعدما قدمت غير مرة عروض أداء جسدي تقوم فيها بدفن نفسها في أشكال مختلفة؟

الكتابة بدم بقرة

اشتهرت ميندييتا بسلسلة "سيلويتا" (Silueta) التي تستكشف حضور الجسد البشري وغيابه مستخدمة عددا من المواد الطبيعية بما في ذلك النار والماء والزهور. وقد تم توثيق تلك الأعمال الزائلة من خلال الصور الفوتوغرافية والأفلام. صورة الفنانة وهي تدفن حية في تلك الأعمال بقيت حاضرة في أذهان المعجبين بها، وفي الأخص من لا تزال الحماسة للنسوية تفرض عليه شروط انتمائه إلى الحياة ومن خلالها إلى الفن.

كانت حكيمة في ألا توجه فنها ضد بلادها حين عالجت أسئلة النزوح والهوية

أيعني هذا أن ميندييتا قد مهدت لوضع موتها في إطار التصادم بين الذكورة والأنوثة، ذكورة أندريا وأنوثتها، في تنافس على من يتصدر المشهد الفني؟

ما الذي فعلته تلك المرأة لتي قدمت إلى الولايات المتحدة وهي طفلة لكي يكون موتها سببا في شق صفوف المتحمسين لولادة فن جديد، يقوم بتنوع أجناسه على ركام فن يعتبره البعض تقليديا؟

في أقل من عشرين عاما من ممارسة الفن، عملت ميندييتا بسرعة فائقة. تنقلت بين الرسم والأداء الجسدي والأعمال الترابية والنحت مستكشفة إمكانات كل منها وهي تطرح الأسئلة الوجودية نفسها. ما علاقتنا بالطبيعة؟ ما النماذج الأصلية التي يتردد صداها عبر الزمن؟ من أين تأتي الطاقة وإلى أين تذهب؟ انصب اهتمامها على الجسد وتحلله، على كوبا والمنفى الذي انتهت إليه شخصيا ومعها مئات الآلاف، المرأة جسدا والمرأة رفات. نقلت ميندييتا جوا من هافانا إلى ميامي وهي في سن الثانية عشرة ضمن عملية "بيتر بان"، وهي مبادرة مشتركة بين وكالة المخابرات المركزية والكنيسة الكاثوليكية. عاشت فيلم رعب. ولكن المدهش في ميندييتا أن فنها لم يكن سياسيا خالصا إلا في حدود التأويل الموجه والمغرض. كانت حكيمة في ألا توجه فنها ضد بلادها حين عالجت أسئلة النزوح والهوية التي لا تزال حاضرة حتى يومنا.

منذ أعمالها الأولى بعد تخرجها في جامعة أيوا، جهدت الفنانة في الإنفصال عما تعلمته سعيا وراء تجسيد نزعة انتهاكية كان الجسد، جسدها مساحتها التعبيرية. وهو ما دفعها إلى إلى وضع تجربتها الفنية في سياق فن الأداء الجسدي، وهو نوع من التمثيل المسرحي الذي يجري أمام الجمهور مباشرة ولا يبقى منه سوى الصور الفوتوغرافية والأفلام المصورة بتقنية الفيديو. تجسدت تلك النزعة في أعمالها "عرق الدم" (1973) و"آثار الجسد" و"كتابة الدم" (1974). في تلك الأعمال استعملت ميندييتا دلاء من دم البقر تاركة إياه يقطر على عينيها في الوقت الذي كانت فيه ترسم بيديها أو ساعديها على جدار تخطيطا لشجرة وتكتب إلى جانبه عبارة "لديها حب".

Courtesy Marian Goodman Gallery and Alison Jacques, London
آنا مندييتا، "من دون عنوان: سلسلة سيلويتا"، 1976

منذ عام 1973 بدأت آنا ميندييتا في إنجاز سلسلة أعمالها "سيلويتا" التي اكتسبت من خلالها مكانة متميزة بين فناني جيلها وصارت تعرض في كل مناسبة، يراد من خلالها تأكيد قدرة الفنون المعاصرة على تلخيص الأسئلة الخفية التي تتعلق بوجود الإنسان ومصيره في مشاهد رمزية صادمة.

الجسد في خدمة الرؤية

الدم والجسد العاري مفردتان تتكران في أعمال الفنانة التي صدرت عنها كتب عديدة، في مقدمتها كتاب "عارية بجانب النافذة" لروبرت كاتز الصادر عام 1990 ويتميز بأسلوبه المبسط وهو ما لم يتعارض مع دقة ملاحظاته النقدية.

Courtesy Marian Goodman Gallery and Alison Jacques, London
آنا مندييتا، "من دون عنوان (غواناروكا [المرأة الأولى])"، 1981

في عملها "قطعة بناء موفيت" سكبت ميندييتا مخلفات الجزار تحت باب منزلها وعلى الرصيف، مصورة ردود فعل المارة غير المبالية. أما في "مشهد الاغتصاب"، المستوحى من جريمة قتل زميلة لها، فقد تركت باب منزلها مفتوحا وتركت الناس يجدونها ملطخة بالدماء ومقيدة، شبه عارية. ثم يتحدثون عن الأمر. كان لهذين العملين أثر كبير واضح على  الفنانين المعاصرين الذين عملوا على توسيع خيال المنطقة التي عمل فيها الألماني يوزف بويز (1921 ــ 1986) على اعتبارها حاضنة لرؤيته عن الفن الاجتماعي. 

كانت تخشى تسييس فنها بطريقة خاطئة واستعماله بطريقة تفقده جوهره القائم على التماهي مع الطبيعة

وضعت ميندييتا جسدها في خدمة تلك الرؤية. فهي حين كانت تسافر في رحلات ميدانية إلى المكسيك من أجل تنفيد أعمالها في بيئة سحرية، تحمل معها مجسما خشبيا لجسمها مثبتا على سيارتها. في بداية عملها على سلسلة "سيلويتا" كانت تغطي جسدها بالزهور أو الريش أو الطين وهي ممددة في ما يشبه القبر. في أعمال لاحقة صارت تحرق صورتها الظلية على الأرض أو في الهواء باستخدام البارود والألعاب النارية.

"أنا لست فنانة امرأة. أنا فنانة بكل معنى الكلمة"، جملة قالتها آنا ميندييتا لتضع حدا لما كانت الجماعات النسوية تقوم به وهي تسعى إلى الزج بفنها في مناخات ذات طابع جنسي تمييزي. لم يستمع أحد إلى ما قالته الفنانة في ظل هيجان احتجاجي ميز سبعينات القرن الماضي. ما كانت تخشاه الفنانة تسييس فنها بطريقة خاطئة واستعماله بطريقة تفقده جوهره القائم على التماهي مع الطبيعة.

آنا مندييتا، "دفن نانيغو"، 1976

لغة الأموات النضرة

في فن الأداء الجسدي تختفي المسافة بين الفنان وصنيعه الفني. فعلى الرغم من الطابع المسرحي الذي يظهر من خلاله، فإن الفنان لا يؤدي دور شخص غائب أو متخيل بقدر ما يقوم بإستعراض حالاته ومشاعره وطاقته الداخلية ليوظفها تعبيريا. وعلى أساس هذا الفهم يمكن اعتبار أعمال آنا منيديتا بمثابة نبوءة بموتها. كانت في معظم أعمالها قد استحضرت ذلك الموت واعتبرته حادثة تمهد من خلالها لإقامة صلة من نوع مختلف بالطبيعة. ذلك النوع الذي لا يقيد الإنسان بموقعه كونه شاهدا، بل يعيده إلى صيغته العضوية، كونه الجزء الفالت من الطبيعة الذي يتساءل عن جدوى وجوده. غير أن ما أفلحت في القبض على معانيه الخفية من تلك العلاقة، كان يمكن أن يذهب إلى الغياب كما يفعل الموت لولا أن الفنانة كانت قد لجأت إلى تصوير ما تقوم به، وهو ما ساعد في إبقاء حضورها حين تم ترميم تلك الأفلام التي صورتها لحظة الأداء.

"ركض الطيور" هو عنوان واحد من تلك الأفلام. تظهر ميندييتا في ذلك العمل الذي يعود إلى عام 1974 وهي تقف على شاطئ في المكسيك، جسدها مغطى بريش أبيض وتبدأ بالركض نحو الكاميرا، فتتحول إلى نقطة ومن بعدها إلى طائر ثم تمتزج بالضباب.

Courtesy Marian Goodman Gallery and Alison Jacques, London
آنا مندييتا، "ركض الطائر"، 1974

هناك الكثير من الأفكار التي جسدتها الفنانة في أعمالها، ومما قالته يوما "قررت أن أصبح فنانة أو مجرمة"، وهي أفكار استفاد منها الفنانون المعاصرون، إما من طريق استنساخها أو من خلال مقاربتها والتأثر بها، وهذا ما يكشف عن أهمية تجربتها على مستوى ابتكار هوية لفن جديد هو فن الأداء الجسدي الذي لا يزال موقع التباس.

لا تزال ميندييتا تضخ من خلال أعمالها عاطفة نضرة في فكر ما بعد الحداثة التصويري

في كل عمل من أعمالها كانت معنية بما تحققه مشاكستها المتمردة من صدمات ومفاجآت وبلاغة لغة لا يتحدث بها سوى الأموات. في حادثة موتها المأسوي كان هناك الكثير مما حلمت به وهي تقدم أعمالها. قال كارل أندريا في محاكمته "زوجتي فنانة، وأنا فنان، وقد تشاجرنا لأنني أكثر ظهورا للجمهور منها. ذهبت إلى غرفة النوم ولحقت بها ثم قفزت من النافذة".

بقي أندريا حيا حتى عام 2024. أي أنه قارب التسعين من عمره وحقق شهرة عالمية في مجال الفن التقليلي في حين ماتت آنا ميدنيتا عام 1985 وهي في السابعة والثلاثين من عمرها. وعلى الرغم من فارق العمر بينهما فإن ميندييتا لا تزال تضخ من خلال أعمالها عاطفة نضرة في فكر ما بعد الحداثة التصويري.

font change

مقالات ذات صلة