في التاسع من سبتمبر/ أيلول 1985 نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" في صفحتها الثالثة خبرا تحت عنوان "نحات متهم بدفع زوجته من النافذة حتى الموت". النحات هو الأميركي كارل أندريا، أما الضحية التي سقطت من الطابق 33 من شقة أندريا في شارع ميرسر الواقع في "غرينويتش فيلدج" بنيويورك فهي الفنانة الكوبية المعاصرة آنا ميندييتا. لم يكن قد مضى على زواجهما أكثر من سنة. ففي سن السادسة والثلاثين تزوجت ميندييتا من الفنان التقليلي كارل أندريا الذي كان يبلغ حينها 49 عاما.
وإذا كان القضاء قد برأ أندريا (1935 ــ 2024) فإن الصحافة الفنية تجد في كل معرض استعادي يقام لإحياء ذكرى الفنانة التي لا تزال تجربتها الفنية تثير الكثير من الأسئلة الوجودية العميقة، مناسبة للنبش في تفاصيل وفاتها الغامضة وما أحيط بها من تجاذبات لم تكن كلها بريئة. وليس المعرض الذي يقيمه متحف "تيت مودرن" بلندن حتى الشهر الأول من السنة المقبلة استثناء. كل من كتبوا عن ذلك المعرض انغمسوا في استعراض حادثة موتها كأنها كانت عملها الفني الأخير الذي توجت به مسيرتها الفنية. ألم تمهد الفنانة بنفسها لذلك الالتباس بعدما قدمت غير مرة عروض أداء جسدي تقوم فيها بدفن نفسها في أشكال مختلفة؟
الكتابة بدم بقرة
اشتهرت ميندييتا بسلسلة "سيلويتا" (Silueta) التي تستكشف حضور الجسد البشري وغيابه مستخدمة عددا من المواد الطبيعية بما في ذلك النار والماء والزهور. وقد تم توثيق تلك الأعمال الزائلة من خلال الصور الفوتوغرافية والأفلام. صورة الفنانة وهي تدفن حية في تلك الأعمال بقيت حاضرة في أذهان المعجبين بها، وفي الأخص من لا تزال الحماسة للنسوية تفرض عليه شروط انتمائه إلى الحياة ومن خلالها إلى الفن.




