في اليوم الأخير من أبريل/ نيسان الماضي توفى الفنان الألماني جورج باسليتز (1938 ـ 2026) بعدما أكمل استعداداته لإقامة معرضه "العودة من جديد" في غاليري "وايت كيوب ــ بيرموندسيز"، في لندن. وهو الذي استوحى عنوانه من إحدى لوحاته الأخيرة التي تعد اليوم شهادة مؤثرة لسعي الفنان الدؤوب للعودة إلى تلك الموضوعات التي شغلته طوال مسيرة فنية امتدت لأكثر من ستين عاما، واستخلاص جوهرها وحل ألغازها. اختار الفنان أن يجمع بين تلك الموضوعات التي شكلت جوهر أسلوبه الفني، بما في ذلك النسر وشخصية البطل وملهمته وزوجته وشريكته لسنوات طويلة إلكه كريتزشمار.
أنهى ابن ساكسونيا مسيرته الفنية برسوم، هي أشبه بمذكرات، استعاد من خلالها لحظات القوة التي صاغت أسلوبه القائم على المزاوجة بين فكرة العيش في عالم ما بعد الحرب والانحياز إلى فن لا يستجيب للجاذبية الأرضية، حيث تحظى الكائنات المرسومة بإرادة التحرر من كونها موضوعات لترى من خلال المعالجة الفنية. يقول باسليتز "نحن، أنا وإلكه، نحلل أنفسنا بأنفسنا. حديثنا الذي لا ينتهي عن الماضي يذكرنا بقردين عجوزين يلتقطان البراغيث من فراء أحدهما الآخر".
كان باسليتز نحاتا إلى جانب كونه رساما. سبق لي أن رأيت له معرضا نحتيا عظيما في قاعة "سربنتين" بلندن، إضافة إلى أعمال متفرقة كان يضمها إلى معارضه. لكنني فوجئت بأنه صمم دمى متحركة لعرض مسرحية إيغور سترافينسكي الطليعية، "حكاية جندي"، التي عرضت عام 2025 على مسرح سالزبورغ للعرائس بالنمسا. صنع باسليتز 15 شكلا من الورق المقوى بأطراف مفصلية تحرك بخيوط، ورؤوس من رقائق معدنية مجعدة بألوان صارخة، أضفت ملامحها المشوهة قوة تعبيرية آخاذة على هذا الفن.


