أول ما يتبادر إلى الذهن عند التفكير بدعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتدخل سوري ضد "حزب الله" في لبنان، هو ما إذا كانت الإدارة الأميركية تميل إلى استعادة نموذج تاريخي سبق أن اختبرته واشنطن في لبنان في منتصف سبعينات القرن الماضي، حين وجدت "منظمة التحرير الفلسطينية" نفسها محاصرة بين فكي كماشة: التقدم الإسرائيلي من الجنوب، والتقدم العسكري السوري من الشمال والشرق.
بيد أن الأمر هنا لا يتعلق باستنساخ حرفي للتاريخ، لأن البيئة السياسية والعسكرية التي أحاطت بتلك المرحلة تبدلت بصورة جذرية، وإنما تتعلق بمحاولة توظيف بعض آلياتها ضمن السياق الإقليمي الجديد؛ فإذا كانت الاستراتيجية الأميركية في السبعينات قد راهنت، أولا، على التناقض السوري- الفلسطيني، فهي تراهن الآن على التناقض بين الحكم الجديد في دمشق و"حزب الله". فواشنطن تنظر اليوم إلى "الحزب" باعتباره الحلقة الأكثر تعبيرا عن النفوذ الإيراني في المشرق، فيما تتعامل مع سوريا الجديدة باعتبارها ساحة قابلة لإعادة التموضع والتوظيف ضمن المعادلة الإقليمية الجديدة؛ وبين هذين الحدين، تبرز فرضية تطويق "حزب الله" عبر مسارين متوازيين، الأول إسرائيلي والثاني سوري.
بالعودة خمسين سنة إلى الوراء، فقد بدأت ملامح النموذج التاريخي الذي تستدعيه هذه الفرضية بالتشكل عام 1976، عندما حصلت دمشق على ضوء أخضر إقليمي ودولي للدخول إلى لبنان. وفي المقابل، كانت إسرائيل تعمل على التحضير لاجتياح عام 1978 تحت اسم "عملية الليطاني" لدفع المقاتلين الفلسطينيين شمالا وإقامة حزام أمني في الشريط الحدودي؛ وهكذا وجدت "منظمة التحرير الفلسطينية" نفسها بين قوتين تتحركان في اتجاهين مختلفين، في وقت لم تنتج هذه المعادلة حصاراً جغرافياً للفلسطينيين فحسب، وإنما أعادت رسم الخريطة السياسية والعسكرية للبنان لعقود طويلة.
ومن الصعب فهم تلك المرحلة من خلال قراءة ثنائية تختزل العلاقة بين سوريا و"منظمة التحرير" في إطار التحالف أو العداء، إذ اتسمت هذه العلاقة بدرجة عالية من البرغماتية والتنافس على النفوذ، ففي لحظة دخول الجيش السوري إلى لبنان، لم يكن الفلسطينيون حلفاء له، بل إن مواجهات اندلعت بين القوات السورية المتقدمة والحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، ثم امتدت إلى الفلسطينيين أنفسهم، وظهرت بصورة واضحة خلال معركة مخيم تل الزعتر، شرق بيروت، بوصفها إحدى أكثر المحطات دلالة على طبيعة هذه العلاقة المعقدة، إذ شاركت القوات السورية في إدارة العمليات العسكرية لحصار المخيم وإسقاطه.
وقد أدى اغتيال كمال جنبلاط في مارس/آذار 1977 إلى ترسيخ هذه المعادلة، فمع تصفية أبرز حلفاء "منظمة التحرير"، أصبحت البيئة السياسية والعسكرية المحيطة بالوجود الفلسطيني في لبنان أكثر هشاشة، فيما أخذت دمشق موقعاً أكثر رسوخاً في إدارة التوازنات اللبنانية على ضفتي الحرب الأهلية، واستمرت في التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم حالة تحتاج إلى الضبط السياسي والعسكري. لكن اتفاقية كامب ديفيد أعادت خلط الأوراق، وأنتجت واقعاً مختلفاً، إذ وجدت سوريا نفسها أمام إسرائيل تتحرر تدريجيا من أعباء وحدة الأنظمة والساحات ضدها، الأمر الذي دفعها إلى إعادة ترتيب علاقتها بالفلسطينيين.



