الولايات المتحدة تستخلص الدروس الخطأ من حرب إيران

البراعة التكتيكية لا تستطيع تعويض العجز الاستراتيجي

(رويترز)
(رويترز)
نموذج مجسم مصغر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يُصور الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعلم إيران وكلمة "عقوبات" في هذه الصورة التوضيحية المنشأة في 17 أبريل 2025

الولايات المتحدة تستخلص الدروس الخطأ من حرب إيران

رغم أن فتيل النزاع في إيران ومضيق هرمز لم ينطفئ بعد، سارع المحللون إلى تفكيك مساره بحثا عن دروس استراتيجية يمكن البناء عليها مستقبلا. وفي أوساط السياسات الأمنية، أخذت تتكاثر القراءات التي ترصد الثغرات اللوجستية والتكتيكية التي شابت العمليات الأميركية، من ضعف الاستعداد لاضطراب إمدادات النفط والأسمدة، إلى نقص مخزونات الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية. ويضاف إلى ذلك قصور الجاهزية في مواجهة المسيّرات الهجومية منخفضة التكلفة، فضلا عن النقص في كاسحات الألغام وغيره من أوجه الخلل العملياتي.

وعلى الرغم من أن هذه الدروس قد تمنح الولايات المتحدة خبرة مهمة في الاستعداد لصراعاتها المقبلة، فإنها لا تقترب من جوهر الإخفاق في مضيق هرمز، فحتى لو عالجت واشنطن جميع تلك الثغرات قبل اندلاع الحرب، لما كان ذلك كافيا لتمكين إدارة ترمب من تحقيق أهدافها الأساسية، سواء تمثلت في إسقاط النظام، أو شل قدرة طهران على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، أو حملها على إحداث تغيير جوهري في سياساتها المتعلقة بالبرنامج النووي ووكلائها الإقليميين.

وقد كان من الممكن أن تتيح مخزونات أكبر من الذخائر، إلى جانب استعداد أفضل لمواجهة نقص إمدادات النفط، مواصلة حملة القصف فترة أطول أو فرض ضغوط اقتصادية أشد، لكن من الصعب القول إن بضعة أشهر إضافية من القصف أو الحصار كانت ستغير مسار حرب أخفقت طوال قرابة ستة أشهر في تحقيق أهدافها الأساسية. ومع اتضاح حدود ما يمكن للقوة العسكرية إنجازه، بات الفشل الاستراتيجي النتيجة الأكثر ترجيحا لهذه الحرب، بما يفسح أمام إيران مجالا أوسع لمواصلة طموحاتها النووية، ويعزز موقعها في مضيق هرمز، ويمنحها بالتالي نفوذا أكبر على دول الخليج.

ومع ذلك، لا يزال الجيش الأميركي يمتلك قدرات استثنائية، فحتى في حرب افتقرت منذ بدايتها إلى تصور واضح، أظهر تفوقا تقنيا لا يضاهيه فيه أي جيش آخر حاليا، فقد تمكن من حشد قوة عسكرية ضخمة ونشرها على بعد يزيد على سبعة آلاف ميل من السواحل الأميركية، ثم فرض سيطرته على الأجواء الإيرانية بقدر لافت من السهولة، في مشهد بات العالم يألفه مع الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة.

(أ.ف.ب)
تظهر المدمرة الأميركية "يو إس إس فرانك إي. بيترسن الابن" من طراز "أرلي بيرك" المزودة بصواريخ موجهة وهي تُطلق صاروخ توماهوك للهجوم البري دعما لعملية إبيك فيوري، من موقع لم يُكشف عنه في 28 فبراير 2026

أما الخسائر، فتكشف عن تفاوت هائل بين الجانبين، فقد قُتل ما لا يقل عن 18 جنديا أميركيا وأصيب أكثر من 600 آخرين، في حين يرجح أن الخسائر الإيرانية بلغت عدة آلاف، رغم غياب حصيلة دقيقة. وباختصار، أثبت الجيش الأميركي، رغم أوجه القصور في التخطيط والإمداد، أنه لا يزال قوة عسكرية شديدة الفاعلية والخطورة.

لكن التفوق التقني، مهما بلغ، لا يستطيع أن يعوض خللا استراتيجيا أساسه تكليف الجيش بما يتجاوز حدود الممكن، وهذا ما فعله الرئيس الأميركي دونالد ترمب حين حمّل قواته ثلاث مهام يستحيل تحقيقها، ثم قابل إخفاقها بالغضب والاستغراب.

إسقاط الأنظمة من الجو حلم قديم للقوات الجوية منذ تنبأ الإيطالي جوليو دوهيه عام 1921 بحسم الحروب بالقاذفات، لكن اختباراته خابت غالبا، فقصف لندن بـ40 ألف طن لم يكسر إرادة البريطانيين بل زادهم مقاومة

وكانت أولى هذه المهام إسقاط النظام الإيراني من دون خوض عمليات برية، وهو هدف أعلنت عنه الإدارة بوضوح، فمنذ أن تنبأ المنظر العسكري الإيطالي جيليو دوهيه عام 1921 بإمكان حسم حروب المستقبل بالقاذفات وحدها، ظل تحقيق نصر استراتيجي كامل اعتمادا على القوة الجوية حلما يراود القوات الجوية المستقلة حول العالم، وبلغ تفاؤل دوهيت ذروته عام 1928 حين ذهب إلى أن إسقاط 300 طن فقط من القنابل على دولة متوسطة الحجم قد يكون كافيا لإنهاء الحرب خلال شهر واحد.

ومنذ ذلك الحين، خضعت فكرة حسم الحروب من الجو لاختبارات متكررة تكاد تفوق معظم نظريات الحرب في العصر الصناعي الحديث، لكن نتائجها جاءت مخيبة في معظم الأحيان، فإسقاط نحو 40 ألف طن من القنابل الألمانية على لندن خلال حملة "ذا بليتز" (قصف لندن) لم يكسر إرادة البريطانيين، بل زادهم تمسكا بالمقاومة.

وفي المقابل، ألحقت 2.5 مليون طن من قنابل الحلفاء بألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية دمارا هائلا، ووضعت نظام أدولف هتلر تحت ضغوط قاسية، من دون أن تدفعه إلى الانهيار، بل تشير بعض الشواهد إلى أنها عززت تمسك الجمهور بمواصلة الحرب. أما في فيتنام، فلم تحقق 8 ملايين طن من القنابل الأميركية سوى نتائج محدودة، بل ربما جاءت بنتائج عكسية واسعة، إذ أسهم القصف في تعزيز تأييد المدنيين للأهداف الشيوعية، بالتوازي مع تزايد نفور الرأي العام الأميركي من الحرب.

وقد يكون إسقاط نظام سياسي بالقوة الجوية وحدها أمرا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا، مهما بلغت كثافة القصف، ما لم يصل التصعيد إلى حد استخدام السلاح النووي.

(رويترز)
يحمل تاجر عملة أوراقا من الريال الإيراني في البازار الكبير في طهران، إيران، في 17 أغسطس 2026

ولعل حملة حلف شمال الأطلسي ضد صربيا في عهد سلوبودان ميلوسوفيتش كانت الأقرب إلى تحقيق مثل هذه النتيجة. ومع ذلك، توقف القصف في يونيو/حزيران 1999، فيما لم يسقط نظام ميلوسوفيتش إلا بعد اندلاع احتجاجات شعبية واسعة في أكتوبر/تشرين الأول 2000.

مع انحسار فرص إسقاط النظام جوا، انتقلت الإدارة الأميركية لشلّ قدرات طهران الصاروخية والباليستية من الجو، لكن تحييد منصات الإطلاق المتحركة دون قوات برية انتهى غالبا لعجز القوة الجوية وحدها عن إيقاف التهديد

ومع انحسار فرص إسقاط النظام الإيراني بالقوة الجوية وحدها، انتقلت الإدارة الأميركية إلى تكليف الجيش بمهمة ثانية لا تقل صعوبة، وهي شل قدرات طهران الصاروخية والباليستية وترسانتها من المسيّرات من الجو أيضا، لكن محاولة تحييد منصات الإطلاق المتحركة من دون اعتماد فعلي على القوات البرية ليست جديدة، بل جُرّبت مرارا عبر التاريخ، وانتهت في معظم الأحيان إلى النتيجة نفسها: عجز القوة الجوية وحدها عن إيقاف هذا النوع من التهديد.

فخلال الحرب العالمية الثانية، بذلت القوات الجوية الأميركية والبريطانية جهودا واسعة لتعطيل تصنيع القنابل الطائرة "في-1" وصواريخ "في-2" ومنع إطلاقها، ضمن حملة قصف حملت الاسم الرمزي "عملية كروس بو"، لكنها لم تنجح في وقف عمليات الإطلاق.

فقد كان من السهل تحصين مواقع الإنتاج ومنصات الإطلاق أو إخفاؤها عن الرصد.

ولم يغير ظهور الذخائر الدقيقة هذه المعادلة، إذ تزامن مع تطور مماثل في أنظمة الإطلاق المتحركة وقدرتها على المناورة والتخفي. ومن أبرز الأمثلة على ذلك محاولات تدمير منصات صواريخ سكود العراقية من الجو خلال حرب الخليج، والتي لم تسفر عن حالة تدمير مؤكدة واحدة. وتكرر المشهد مع إسرائيل، التي أمضت عقدين في شن غارات جوية مكثفة فوق غزة وجنوب لبنان في محاولة لوقف صواريخ "حماس" و"حزب الله"، من دون أن تنجح في إسكاتها فعليا إلا عندما دخلت قواتها البرية إلى المنطقتين.

وعلى مدى سنوات، حاولت تحالفات دولية عدة وقف الصواريخ والمسيّرات التي يطلقها الحوثيون من اليمن، لكن تلك الهجمات استمرت حتى اليوم، وحتى مع امتلاك ذخائر دقيقة، تبدو القوة الجوية وحدها عاجزة عن تدمير عدد كاف من منصات الإطلاق المتحركة، التي تنفذ ضرباتها من مواقع مخفية ثم تنتقل سريعا إلى مواقع أخرى، بما يجعل إنهاء الحملات الصاروخية أو هجمات المسيّرات أمرا بالغ الصعوبة.

وكما تكشف تجارب إسقاط الأنظمة من الجو، يبدو أن القضاء على هذا النوع من التهديدات يتطلب في النهاية وجود قوات على الأرض.

(رويترز)
يُطلق بحّار أميركي مقاتلة "إف-35 سي لايتننغ 2" التابعة لسرب المشاة البحرية المقاتل 314، من سطح الطيران في حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" خلال النزاع المستمر مع إيران في 5 أغسطس 2026

أما الخيار الأخير الذي راهنت عليه إدارة ترمب، فتمثل في إقامة مظلة دفاع صاروخي واسعة فوق أجزاء كبيرة من الخليج، بهدف منع إيران من استهداف البنية التحتية لدول مجلس التعاون الخليجي التي يعتمد عليها الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. وربما كان الاستثمار بصورة أكبر في وسائل اعتراض أقل كلفة، على غرار تلك المستخدمة في أوكرانيا، إلى جانب نشر المزيد من منظومات الدفاع الجوي قصيرة المدى، سيتيح للجيش الأميركي اعتراض نسبة أكبر من الهجمات الإيرانية. لكن في ظل تفوق المسيّرات والصواريخ الباليستية من حيث سرعة الإنتاج وانخفاض الكلفة مقارنة بالوسائل اللازمة لاعتراضها، كان من المرجح منذ البداية أن تتمكن إيران، عاجلا أم آجلا، من استنزاف قدرات الدفاع الجوي في المنطقة وإغراقها. ولم يكن تكليف الجيش بمهمة مستحيلة ثالثة كفيلا بتدارك إخفاق المهمتين اللتين سبقتاها.

لا يزال الجيش الأميركي يمتلك قدرات استثنائية، غير أن هذا التفوق التقني قد لا يستطيع أن يعوض خللا استراتيجيا أساسه تكليف الجيش بما يتجاوز حدود الممكن

وإذا كان الجيش الأميركي بحاجة إلى تحذير واضح بشأن ما تفرضه المسيّرات من مخاطر وما تتيحه من فرص، أو إلى مواجهة أوجه القصور المزمنة في توريد قدرات أساسية مثل الفرقاطات وكاسحات الألغام ومنشآت إيواء الطائرات المحصنة، فقد جاء هذا التحذير بالفعل. لكن إخفاق هذه الحرب لم يبدأ في أروقة البنتاغون، بل في البيت الأبيض.

وإذا كان ترمب لم يدرك خطورة تكليف الجيش الأميركي بمهام تتجاوز حدود الممكن، فقد كان يفترض بوزير دفاعه أن ينبهه إلى ذلك، غير أن ترمب لم يختر لهذا المنصب شخصية تتمتع بالخبرة والكفاءة، بل اختار بيت هيغسيث، وهو موال له بدا أن افتقاره الواضح إلى التأهيل لم يضعف مكانته، بل عزز صورته بوصفه تابعا مخلصا.

ولم يكتف هيغسيث بذلك، بل عمل على إبعاد كل من قد يبدي رأيا مخالفا من المناصب القيادية العليا، ومع أن كبار الضباط الأميركيين لم يكونوا معروفين أصلا بالجرأة في مصارحة القيادة السياسية بما لا ترغب في سماعه، فإن النهج الذي فرضه هيغسيث جعل من الأصعب على البنتاغون أن يعارض الرئيس أو يواجهه بتقدير مهني يناقض توجهاته.

وتشير تقارير إلى أن رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، حاول التنبيه إلى صعوبة المهمة، لكن صوته لم يكن كافيا لكبح حماس هيغسيث المفرط.

ولم يكن في هذا كله ما يدعو إلى الدهشة، إذ كان كثير من ملامحه متوقعا قبل وقوعه، ولذلك، ورغم أن المسؤولية المباشرة عن الكارثة في إيران تقع على ترمب ومستشاريه الذين افتقروا إلى الكفاءة، فإن المسؤولية الأبعد تطال جهة نادرا ما يجرؤ السياسيون على توجيه اللوم إليها، أقصد الناخبين. فقد أعادت أكبر كتلة من الناخبين الأميركيين ترمب إلى البيت الأبيض، مع أنه أظهر من قبل وبوضوح افتقاره إلى الكفاءة، وعجزه عن تقبل الحقائق التي لا توافق رغباته أو تناقض رأيه، وميله إلى إحاطة نفسه بأشخاص يوالونه ولا يواجهونه بالاعتراض.

لقد اتضح أن اختيار رئيس يتولى قيادة أقوى جيش في العالم لا يمكن أن يخضع للمعايير نفسها التي يُختار بها نجم تلفزيون واقع يجيد جذب الجمهور. ولا شك في أن البنتاغون بدأ بالفعل إعداد تقارير لاستخلاص دروس هذه الحرب، لكن مع استمرار تراكم التداعيات الاستراتيجية لهذا الإخفاق المتوقع، من ارتفاع أسعار النفط إلى استنزاف الموارد الأميركية، يبقى السؤال الأهم: هل أدرك الناخب الأميركي أن التفوق العسكري، مهما بلغ، لا يستطيع أن يحميه من عواقب خياراته السيئة في صناديق الاقتراع؟

font change

مقالات ذات صلة