الكاتبة الآيسلندية التي حولت الهامش إلى قلب العالمhttps://www.majalla.com/node/332715/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%8A%D8%B3%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%AD%D9%88%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%85%D8%B4-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%82%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85
يحدث أحيانا أن تبقى بعض الأصوات الأدبية المهمة حبيسة لغتها الأم، فلا تعبر حدودها إلا بعد عقود طويلة. وهذا ما حدث مع الكاتبة الآيسلندية آستا سيغورذاردوتير (1930 – 1971) التي تعد اليوم إحدى الشخصيات المؤسسة للحداثة السردية في آيسلندا، بينما ظل اسمها شبه مجهول خارج وطنها، إلى أن حظيت في السنوات الأخيرة بترجمات إنكليزية وألمانية.
ومع إصدار دار "سابين ويسبييزر" الباريسية حديثا الترجمة الفرنسية الأولى لقصصها وبعض قصائدها في كتاب بعنوان "في الخارج، إنه الربيع"، باتت ممكنة للقارئ الفرنكوفوني اليوم مطالعة هذه الكاتبة التي رحلت مبكرا، لكنها تركت أثرا ما برح يتسع مع الزمن.
آستا ليست كاتبة يسهل تصنيفها، ولعل هذا ما يفسر تأخر عبور نصوصها إلى لغات أخرى. فهي تنتمي إلى الحداثة، لكن حداثتها ليست قائمة على التجريب الشكلي وحده، وإنما على انقلاب كامل في زاوية النظر إلى الإنسان، إذ كانت من أوائل من منحوا الكلمة للنساء الفقيرات، والسكارى، والمشردين، بعيدا من البطولة التقليدية التي كانت تهيمن على الأدب الآيسلندي.
ومن خلال رؤية العالم بعيون هذه الشخصيات، نقلت الأدب الآيسلندي من مراقبة المهمشين من بعيد إلى الإصغاء إليهم، ومن وصف الهامش إلى السكن فيه.
حساسية خاصة
من يطلع على حياة آستا يدرك سريعا أن هذا الخيار لم يكن مجرد قرار جمالي. فقد نشأت هي نفسها في بيئة ريفية فقيرة، قبل أن تنتقل إلى ريكيافيك حيث كرست وقتها، بعد إكمال دراستها، للكتابة والرسم والنحت، في موازاة عملها أحيانا عارضة لطلاب الفنون.
كل شيء يقال عبر التفاصيل الصغيرة، والنظرات، والصمت، والإشارات العابرة التي تحمل من المعنى أكثر
وبين فقر، وإدمان، وتشرد، وبحث دائم عن الحرية، كانت حياتها تشبه قصصها. لكن هذه السيرة، على قسوتها، لا تفسر قيمة أعمالها بقدر ما تساعد في فهم الطاقة التي تتدفق فيها. فأكثر من مجرد تسجيل أو تصوير للحياة، كان الأدب عند آستا إعادة خلق للحياة في لغة تتجاوز الوقائع لتبلغ جوهر التجربة الإنسانية.
يتجلى ذلك في كتابها "في الخارج، إنه الربيع" الذي يضم خمس عشرة قصة قصيرة تبدو، للوهلة الأولى، متفرقة من حيث الموضوعات والأحداث، لكن القارئ يكتشف تدريجيا أنها تشكل عالما واحدا، تحكمه حساسية خاصة. فكل قصة تبدو كأنها قطعة من فسيفساء كبيرة تصور مجتمعا شديد الصرامة، يعيش أفراده تحت سلطة التقاليد والأحكام الأخلاقية، فيما تتسلل الشخصيات بين الشقوق، باحثة عن لحظة دفء، أو نظرة رحمة، أو فسحة صغيرة للتنفس.
منذ القصة الأولى، "من مساء الأحد إلى صباح الاثنين"، التي أثارت ضجة عند نشرها عام 1951، يتجلى المشروع الأدبي لآستا بوضوح. فالشابة التي تقودنا عبر ليلة طويلة من التجوال والمغامرات ليست نموذجا أخلاقيا، ولا حالة اجتماعية يراد تحليلها. إنها إنسانة تبحث عن مكان لها في عالم يضيق بها باستمرار.
ولا تنشغل آستا بإدانة هذه الشابة أو الدفاع عنها. إنها تجعل القارئ يرى الليل بعينيها، ويشعر بارتباكها، ووحدتها، وتوقها المحموم إلى شيء يشبه الخلاص. ولهذا السبب أحدثت القصة صدمة في آيسلندا آنذاك، إذ نقلت المرأة من موقع الموضوع الذي يتحدث عنه إلى موقع الذات التي تتكلم وتكشف هشاشتها من دون مواربة.
تتكرر هذه المقاربة في قصص أخرى، وإن اختلفت الشخصيات والظروف. ففي "سباق ليلي"، يتحول السير في شوارع المدينة إلى رحلة داخل النفس، حيث يختلط الخوف بالرغبة، والواقع بالخيال، حتى يكاد القارئ يفقد القدرة على التمييز بين ما يحدث فعلا وما يتشكل في وعي البطلة.
وفي "الزنابق الملكية"، تقدم الكاتبة صورة دقيقة للضغط الذي تمارسه الأعراف الاجتماعية الآيسلندية على المرأة، من دون أن تحول قصتها إلى خطاب احتجاجي مباشر. فكل شيء يقال عبر التفاصيل الصغيرة، والنظرات، والصمت، والإشارات العابرة التي تحمل من المعنى أكثر مما تحمله الحوارات الطويلة.
لحظة إنسانية
ولا تعتمد آستا على الحبكة التقليدية القائمة على تصاعد الأحداث ثم حلها. فمعظم قصصها تبدو أقرب إلى التقاط لحظة إنسانية مكثفة، أو الإمساك بحالة نفسية عابرة، ثم تركها تتردد في ذهن القارئ بعد انتهاء القراءة. ولهذا نشعر أحيانا أن النهاية، بدلا من إغلاق القصة، تفتحها على تأويلات جديدة. فالقصة عندها ليست حكاية تروى بقدر ما هي تجربة تعاش.
آستا سيغورذاردوتير
ويزداد هذا الإحساس بفضل لغة آستا شديدة التكثيف. فجملها قصيرة في الغالب، لكنها مشحونة بالإيحاء، وتكاد تخلو من الزوائد الوصفية. والاستعارة تستخدم لتوسيع الواقع، لا للتجميل، بحيث يتحول البحر، أو الضباب، أو ضوء الفجر، إلى عناصر تكشف عن الحالة الداخلية للشخصيات. لذلك يبدو العالم في قصصها مألوفا وغريبا في آن واحد. عالم يمكن التعرف إلى تفاصيله اليومية، لكنه يظل معرضا في كل لحظة للانحراف نحو المأساة.
لكن الاقتصاد اللغوي لا يفسر وحده فرادة كتابة آستا. فهي تمتلك قدرة نادرة على جعل الواقع ينزلق، بهدوء شديد، نحو منطقة يختلط فيها الحلم باليقظة. ويحدث ذلك من خلال تغير خفيف في نظرة الشخصية إلى العالم، لا عبر عناصر خارقة صريحة. إذ تكفي بقعة ضوء على البحر، أو طائر يحلق فوق الميناء، أو ظل يمر على جدار، حتى يتبدل الإيقاع الداخلي للنص كله.
الواقع عندها ليس معطى ثابتا. إنه مادة تتشكل باستمرار تحت ضغط الذاكرة والرغبة والخوف
وما كان يبدو وصفا لحي فقير أو لغرفة باردة يتحول فجأة إلى مشهد يكاد يلامس الهلوسة. ولهذا يصعب إدراج قصصها في خانة الواقعية الاجتماعية وحدها، رغم أنها تنطلق دائما من حياة الفقراء والمهمشين. فالواقع عندها ليس معطى ثابتا. إنه مادة تتشكل باستمرار تحت ضغط الذاكرة والرغبة والخوف.
يتجلى هذا المزج بين الواقعي والحلمي بوضوح في عدد من القصص التي تتخذ من الطفولة منطلقا لها. فالطفل عند آستا لا يؤدي وظيفة البريء التقليدية. إنه كائن يمتلك حساسية استثنائية تجاه العالم، يرى ما يغفل عنه الكبار، ويلتقط التصدعات التي بدأت تصيب الأسرة أو المجتمع، قبل أن تتحول إلى كوارث معلنة. ولذلك يحضر في هذه النصوص محملا إدراكا مبكرا للهشاشة، من غير أن يفقد دهشته الأولى أمام الطبيعة أو الكائنات.
من لحم ودم
في معظم قصص المجموعة، تحتل المرأة موقعا محوريا، لا بوصفها رمزا مجردا للاضطهاد، أو ناطقة باسم قضية عامة، بل فقط ككائن من لحم ودم، يرغب، ويخطئ، ويحلم، وينهزم، ثم يعود لينهض من جديد.
من رسوم الكاتبة التي تزين مجموعتها
وتلك إحدى أهم خصائص أدب آستا: رفض الشخصيات الأحادية. فالمرأة التي تشرب حتى الثمالة، أو التي تتورط في علاقة عابرة، أو التي تعجز عن رعاية أطفالها، لا تفقد إنسانيتها لحظة واحدة، فيما يبدو المجتمع غالبا أكثر قسوة منها. لكن هذه القصص تتجاوز صورة المرأة الضحية، لتسائل النظام الأخلاقي كله، بما يفرضه من أحكام جاهزة على المختلفين.
أما العنف، فلا يقتصر على العلاقات الإنسانية، بل يمتد إلى الجسد نفسه الذي يحمل عند آستا آثار الفقر والتعب والإدمان والبرد والجوع، كما يحمل الرغبة والحب والحنان. إنه السجل الذي تكتب عليه الحياة ندوبها.
من هنا تأتي قوة المشاهد التي تصف حركة يد، أو ارتجاف وجه، أو تعب قدمين بعد ليلة طويلة من التجوال. فبدلا من شرح الألم، تجعله الكاتبة محسوسا بحيث يختبره القارئ بنفسه، بينما يصبح الجسد اللغة التي تعبر بها الشخصيات حين تعجز الكلمات عن قول ما يعتمل داخلها.
ومن العناصر اللافتة أيضا حضور العاصمة ريكيافيك بوصفها شخصية كاملة تصوغ مصائر الناس وتشارك في بناء المناخ النفسي للقصص بشوارعها، ومينائها، ومقاهيها، وغرفها الضيقة، ولياليها الطويلة. وقد كانت آستا من أوائل من نقلوا الأدب الآيسلندي من الفضاء الريفي الذي طغى عليه طويلا إلى المدينة الحديثة، حيث تتجاور الوحدة مع الزحام، ويصبح الإنسان مجهولا وسط الآخرين.
وما يميز هذه القصص أيضا هو أنها لا تستدر عطف القارئ أو شفقته، رغم كل ما تعج به من فقر وعنف وخيبات. فشخصياتها قد تنام في الشوارع، أو تعود من ليلة قاسية، أو تواجه مجتمعا لا يرحم، لكنها تظل قادرة على التقاط ومضة جمال عابرة: سيجارة يقدمها بحار، أو فنجان قهوة، أو شعاع شمس يخترق الغيوم، أو زرقة البحر بعد ليلة ممطرة.
الاعتراف
هذه التفاصيل الصغيرة لا تلغي المأساة، لكنها تمنعها من احتكار العالم. من هنا تنبع الطاقة التي تشع من نصوص آستا. فكل قصة تحمل داخلها صراعا دائما بين قسوة الواقع وشهية الحياة. وقد لخصت ناشرتها الفرنسية هذه المفارقة خير تلخيص حين جعلت الربيع عنوانا للكتاب، مع أن معظم نصوصه تدور في قلب العتمة. الربيع، باعتباره احتمالا دائما لانبعاث الإنسان من جديد.
غلاف "في الخارج، إنه الربيع"
لدى صدورها، أثارت أعمال آستا الاستغراب والرفض. لكن الزمن أنصفها بجعل هذه النصوص المكتوبة من أجل الهامش تحتل اليوم موقعا مركزيا داخل المشهد الأدبي الآيسلندي الحديث. وهي تستحق بجدارة هذا الاعتراف نظرا إلى قدرتها على مخاطبة أجيال متعاقبة، بفضل صدقها الإنساني وجرأتها الفنية. وقد بات تأثيرها واضحا في عدد كبير من الكاتبات والكتاب في آيسلندا، كما بدأت تقرأ خارج بلادها إلى جانب أسماء مثل توفه ديتلفسن ولوسيا برلين، لما يجمع بينهن من اهتمام بالهشاشة الإنسانية والشخصيات التي تعيش على أطراف المجتمع.
تستحق بجدارة هذا الاعتراف نظرا إلى قدرتها على مخاطبة أجيال متعاقبة، بفضل صدقها الإنساني وجرأتها الفنية
في المحصلة، أكثر من مجرد حدث ترجمي، يشكل صدور "في الخارج، إنه الربيع" إعادة اكتشاف لصوت سبق عصره في نظرته إلى المرأة والمدينة والمهمشين، وفي فهمه العميق للعلاقة بين الحرية والكتابة. ورغم أن آستا سيغورذاردوتير لم تترك وراءها إنتاجا غزيرا، فقد تركت عالما أدبيا آسرا ومتماسكا يثبت أن قيمة الكاتب لا تقاس بعدد كتبه، بل بالمساحة التي يفتحها في الأدب لمن يأتون بعده.