عندما اجتمع وزراء خارجية أربع عشرة دولة عربية وإسلامية في عمّان في الخامس من أغسطس/آب لإعادة تأكيد وصاية الأردن على الأماكن المقدسة في القدس، حمل الاجتماع دلالات تجاوزت مسألة وضع المدينة نفسها. فقد سلّط الضوء على أوضاع متنامية تواجه الأردن. ومع ارتفاع الكلفة الداخلية من قبل البعض، لعلاقة الأردن الأمنية بالولايات المتحدة، باتت لدى المملكة دوافع أقوى للدفاع عن دور يظل محوريا لأوضاعها الداخلية ومكانتها الإقليمية وهويتها التاريخية.
عقد الأردن الاجتماع بصفته رئيسا للجنة جامعة الدول العربية المعنية بدعم القدس. وانضم ممثلون عن تركيا وباكستان وإندونيسيا وماليزيا إلى نظرائهم العرب في تأييد الوصاية الأردنية وإعادة تأكيد سلطة أوقاف القدس. وجاء الاجتماع في وقت تتزايد فيه الضغوط على الأردن من اتجاهين: أحدهما مرتبط بتحالف المملكة مع واشنطن، والآخر بالتطورات في الأماكن المقدسة في القدس.
اعتماد باهظ الثمن
تعرضت علاقات الأردن مع الولايات المتحدة لمزيد من الضغوط منذ استئناف الحرب مع إيران في أواخر فبراير/شباط. ويستضيف الأردن نحو أربعة آلاف جندي أميركي، ويتلقى قرابة 1.65 مليار دولار سنويا من المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأميركية. وقد شكّلت هذه الشراكة إحدى ركائز أمن الأردن طوال عقود، ولا تزال ضرورية لقدرته على ردع تهديدات لا يستطيع مواجهتها بمفرده. غير أن الوجود العسكري الأميركي عرّض المملكة، في الوقت نفسه، لخطر الانتقام من إيران وشركائها.

وتجلّت كلفة هذه العلاقة في يوليو/تموز، عندما أسفرت ضربة استهدفت قاعدة موفق السلطي الجوية عن مقتل ثلاثة عسكريين أميركيين وإصابة آخرين. وتبعتها في وقت لاحق من الشهر هجمات إضافية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، اعترضت الدفاعات الجوية الأردنية عددا كبيرا منها. وبالنسبة إلى كثير من الأردنيين، عززت هذه الحوادث المخاوف من انجرار المملكة إلى مواجهات إقليمية لا يد لها في صنعها.
وباتت المخاوف من كلفة استضافة القوات الأميركية أكثر وضوحا داخل الأردن. ففي أواخر يوليو/تموز، دعا أكثر من مئة شخصية سياسية وأكاديمية وقبلية إلى مراجعة الاتفاق الأمني مع واشنطن أو عرضه على البرلمان. واستغل "الحرس الثوري" علنا موقف المثقفين الأردنيين، إذ رأى فيه فرصة لزيادة الكلفة السياسية للوجود العسكري الأميركي من دون تغيير ميزان القوى العسكري نفسه.
وهنا تكمن معضلة الحكومة الأردنية. فالشراكة الأمنية مع واشنطن لا تزال ضرورية ولا غنى عنها. وليس في وسع الأردن، عمليا، إعادة النظر في علاقة توفر له الحماية العسكرية والتعاون الاستخباراتي والدعم الاقتصادي في وقت يتصاعد فيه الاضطراب الإقليمي. ومع ذلك، يتعين على الحكومة التعامل مع التداعيات الداخلية لهذه العلاقة نفسها. وتزيد الضغوط الاقتصادية المشكلة تعقيدا. فقد تراجعت عائدات السياحة في النصف الأول من العام بنسبة 5.3 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، إلى نحو 3.5 مليار دولار، ما أضعف إيرادات قطاع يساهم مساهمة كبيرة في الاقتصاد الوطني. غير أن العائدات ارتفعت في يوليو/تموز بنسبة 24.9 في المئة على أساس سنوي، فتقلص التراجع التراكمي بين يناير/كانون الثاني ويوليو/تموز إلى 0.2 في المئة فقط.
الوصاية تحت الضغط
أما القدس فتفرض تحديا مختلفا. تعود الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية إلى عشرينات القرن الماضي، وقد أُعيد تأكيدها في معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية عام 1994. ويكتسب هذا الترتيب أهمية لمكانة الأردن الدولية، لكن دلالته تتجاوز ذلك بكثير. فقد أصبح جزءا لا يتجزأ من الأولوية الداخلية، ولا سيما في بلد ينحدر جزء كبير من سكانه من أصول فلسطينية.


