جبرا ومنيف غريبان جمعتهما بغداد في رؤية ناقد عراقي

قيس الجنابي يغوص على عوالم الكاتبين المتقاطعة

غلاف "غريبان في بغداد"

جبرا ومنيف غريبان جمعتهما بغداد في رؤية ناقد عراقي

يشكل صدور كتاب "غريبان في بغداد: جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف" للناقد والباحث العراقي قيس كاظم الجنابي (دار جبرا للنشر والتوزيع، عمان)، الذي يجمع بين قطبين من أقطاب الثقافة العربية، واثنين من ألمع صانعي حداثتها الأدبية والفنية، حدثا خاصا يكتسب أهميته من قوة وضرورة موضوعه. المعني بالضرورة هنا أن كتابا كهذا يتلافى شيئا من التقصير إزاء هذين الكاتبين المفكرين المتعددي المواهب والإمكانات والاهتمامات، خاصة جبرا، فهو الروائي والشاعر والباحث والرسام والمترجم والناقد والمؤرخ الفني، ذو البصمات البينة على معمار الحداثة العربية والعراقية خصوصا، وهو ما استدعى الجنابي أن يصفه بالتنويري. من هنا تأتي الحاجة إلى الالتفات إلى أي جهد يجعل من جبرا ومنيف يحضران مجددا، وهما الحاضران أبدا في وجدان هذه الثقافة وأهلها بما أنجزاه وقدماه.

جبرا... كتابا سيرة أم ثلاثة؟

يقسم الناقد كتابه سفرين متساويين تقريبا في عدد الصفحات، مبتدئا بجبرا مخصصا له بابين، كل باب بأربعة فصول. في الباب الأول ينطلق من دراسة جبرا سيريا في فصلين، عبر كتابَي سيرته المعروفين، "البئر الأولى" و"شارع الأميرات"، متوقفا بدءا عند سر تسمية "البئر الأولى"، المكرس لمرحلة الطفولة ما بين سن السادسة حتى الثالثة عشرة في بيت لحم والقدس في فلسطين، رابطا في ذلك بين البئر والحياة في تجليها الطفولي، والدلالة الرمزية للماء، وتأويله البئر بوصفها صندوقا ومستودعا للأسرار، ليستعيد أبرز ما ميز هذه الطفولة من ميول فنية وأدبية، كعلاقة جبرا بالرسم، والكتابة، كذلك الموسيقى التي شغف بها لتأثره بالتراتيل الكنسية.

أما في "شارع الأميرات" فيتناول جبرا في مرحلته العراقية، والمقتصرة على سنتين بعد وصوله العراق عام 1948 واستقراره في بغداد وعمله مدرسا في دار المعلمين العالية ومن ثم زواجه من لميعة العسكري، التي كان حضورها طاغيا في هذا الجزء من السيرة، نظرا لمكانتها في نفسه، كما يقول الجنابي.

كان جبرا لولب الحركة الثقافية في العراق، قلما وصوتا مؤثرا، والأب الروحي نقديا لجيل رواد الشعر الحر

وبقدر ما تحفل به سيرة جبرا في شقها العراقي بما هو شخصي فإنها في الوقت ذاته كانت تأريخا للحركة الأدبية والفنية في العراق، لا سيما أن وصول جبرا إلى بغداد تزامن مع تفتق  حركة الحداثة في الشعر والفن التشكيلي وسائر ضروب الإبداع، فكان "لولب الحركة الثقافية في العراق، قلما وصوتا مؤثرا، والأب الروحي نقديا لجيل رواد الشعر الحر".

في الفصل الثالث يسلط الناقد الضوء على كتاب "الاكتشاف والدهشة ـ حوار في دوافع الإبداع" للناقد ماجد صالح السامرائي وهو مجموع الحوارات التي أجراها مع جبرا على مدى عقدين، وكان ذلك بمثابة سيرة متشظية، وهو ما يمكن عده كتاب سيرة ثالثا، حتى أن جبرا أشار إلى هذا المعنى في تقديمه للكتاب، وعده سيرة ذاتية أخرى. وفي تشخيص نقدي لافت يشير الجنابي إلى أن السيرة الذاتية مهما نضجت وترسخت كسيرة، فإنها تحتاج إلى دعم الفن الروائي في الكتابة. في الفصل الرابع يتناول سيرة جبرا ثقافيا مجسدة في نتاجه الغزير في مختلف حقول الإبداع والنقد والترجمة والكتابة عموما، إضافة إلى ما اضطلع به من مسؤوليات وأدوار ثقافية.

 MOHAMMED AL-SEHITI / AFP
صورة من ثمانينات القرن الماضي للكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، المولود في بيت لحم عام 1920، والذي انتقل إلى بغداد عام 1948 وألّف أكثر من 50 كتابا في الأدب والفنون

جبرا روائيا

لا شك أن إنجاز جبرا الروائي يشكل ملمحا مهما إن لم يكن الأهم في مجمل سيرته الإبداعية والثقافية عموما، لهذا كرس الناقد الباب الثاني لهذا الجانب، مناقشا على مدار أربعة فصول أربعا من رواياته هي "صيادون في شارع ضيق" المكتوبة أصلا بالإنكليزية، والتي وصفها بالرواية المبكرة ذات البناء السردي المتنوع، لجهة التحليل وأنماط السرد. و"السفينة"، كرواية حوارية، أو رواية أفقية وعمودية في آن واحد، وفقا لقوله، وأفقيتها متأتية من الأحداث السياسية والتاريخية التي تتعرض لها، وعموديتها تبعا لشخصياتها ورواتها.

أما في "البحث عن وليد مسعود"، فبين جبرا وبطله وليد في بحثه عن بلد ومكان وأصدقاء وأحلام، ويرى الناقد أن هذه الرواية قريبة من "السفينة"، من حيث اللغة والطابع الحواري وبناء الشخصية. وفي صدد الحديث عن رواية "الغرف الأخرى"، يعتمد جبرا الورق والرسائل كوسيلة في توظيف لما وراء السرد في الرواية العربية، في وقت مبكر.

وفي الملحق المخصص لرواية "عالم بلا خرائط" المشتركة مع عبد الرحمن منيف، يشير إلى أن الرواية ابتعدت عن النهج الواقعي التقليدي بانتمائها إلى ما يعرف بما وراء الرواية، عبر اعتماد شخصية علاء الدين نجيب بصفته مؤلفا يريد أن يكتب رواية، وبالتالي هي تمثل أنا الكاتب. ومع ما تم تناوله من روايات، فإن لجبرا روايات أخرى مهمة مثل "صراخ في ليل طويل" و"يوميات سراب عفان"، يرد ذكرهما بشكل عابر في ثنايا الكتاب.

الناقد في مرآة منيف

يستهل الجنابي سفر الكاتب عبد الرحمن منيف بنص وجداني كمدخل إلى عالمه، يتواشج وما عانى منيف، كأن هذا الأخير يغدو مرآة له. يقول، إني أحاول أن أستعيده وكأني أقرأ واقعنا الحالي على ضوء فانوسه الذابل في أخريات الشتاء لأكون عالما مشتركا بيننا. وبالمنهجية ذاتها المتبعة في السفر الأول تكون البداية مع سيرة الكاتب، وهي تتعلق أيضا بمرحلة الطفولة، وقد جسدها كتاب "سيرة مدينة"، الذي يتحدث عن عمان في الأربعينات. إذن، هي ليست سيرة ذاتية للكاتب، وإن تقاطعت السيرتان، بسرعة، وجزئيا في بعض المحطات، كما يقول منيف في مقدمته للكتاب. ومثلما هو الحال مع جبرا، فثمة أربعة أبواب، بفصول متفاوتة مخصصة لمناقشة ثماني روايات، أولى هذه الروايات هي "أم النذور"، الرواية الأولى له، التي لم تنشر إلا بعد وفاته. ولمنيف رأي في الرواية الأولى للكاتب، سواء نشرها أم لا، فهو يرى أنها بالغة الأهمية والخطورة، لأنها تحدد ما إذا ستكون روايته هذه هي فعلا الأولى أم ستكون الوحيدة والأخيرة معا.

غلاف "سيرة مدينة"

ومع رواية "قصة حب مجوسية" يبدأ الناقد بتأمل العنوان وهذه واحدة من مميزات التناول النقدي للكتاب، ليتوصل إلى أن عنوان الرواية يدل الى نوع من المغايرة بين العنوان وهوية الشخصيات ـ المجتمع، مذكرا القارئ بأن عنوان الرواية ينطلق من مقولة ترد على لسان بطلها، مخاطبا ليليان: "دعيني أقول شيئا مجوسيا: النار التي اشتعلت في قلبي يوما.. لن تنطفئ".

 AFP
مشهد لمدينة بغداد، ونهر دجلة، عام 1941

وفي "الأشجار واغتيال مرزوق" يغوص الناقد وراء رمزية الشجر مستعينا بما يرد في الرواية من تأويل لها ومن كتب محايثة، منها ما هو فني أو فلسفي. فالأشجار لها بعدها الوجودي الرمزي الذي يحيل على فطرة الإنسان وسلمية التعايش، لذا يعتقد بعض الباحثين أن الانسان منذ ولادته منذور للنبات. وكأن الرواية، في واحد من مراميها، تقرع، ومنذ وقت مبكر جرس الإنذار لما يحدث في الطبيعة من انتهاكات تتمثل هنا بقطع الأشجار. وهو ما ينسحب أيضا على رواية "النهايات" التي تبدأ بجملة "إنه القحط"، القحط الذي يجتاح كل شيء فهو لا يترك بيتا دون أن يدخله ولا يترك إنسانا إلا ويخلف في قلبه أو جسده أثرا. ولما تحفل به من مناخ الموت، ومنحى غرائبي اتخذه السرد في بعض تجلياته، يصف الناقد الرواية بأنها أقرب إلى ما يعرف بسرديات الخوف والظلام.

يجمع الجنابي كاتبين فذين، بينهما الكثير من المشتركات على الصعيدين الإبداعي والشخصي، ولارتباطهما بالعراق مكانا وصلة روحية

وفي ما يتعلق برواية "شرق المتوسط" يرى أنها تفتح ملفات الحرية والاضطهاد السياسي ومنع الإنسان من التعبير عن فكره ومعتقداته ووجوده. في الوقت الذي يقول عن المكان في رواية "حين تركنا الجسر" بأنه هلامي، غالبا، عدا ما يتجسد في حالة السجون والمعتقلات، وأن إنسان الأمكنة الهلامية محاصر ومغترب، يعيش حالة اندحار وخوف، ليخلص إلى أن الرواية انعكاس لهزيمة يونيو/ حزيران 1967.

 JEAN-CLAUDE DELMAS / AFP
مشهد عام لمدينة بغداد في 22 مارس 1985، خلال الحرب العراقية الإيرانية

ويصف الناقد رواية "أرض السواد" بالملحمية، بامتياز، لأنها تقوم على سرد الأحداث المصيرية الكبرى، بتناولها تاريخ العراق قبيل الحرب العالمية الأولى، ممثلا بعهد آخر ولاة بغداد من المماليك داود باشا، بكل تقلباته من تناحرات وتآمر، وصولا إلى ما ينسب إليه من بعض الإصلاحات. وفي خصوص "سباق المسافات الطويلة" يقول إنها محاولة لرصد التحولات الجديدة التي أحدثها النفط، بعد تراجع النفوذ البريطاني وصعود النفوذ الأميركي. فيما يناقش في الباب الرابع وهو الأخير موضوعة الاستشراق في "سباق المسافات الطويلة" و"أرض السواد"، حيث صراع الشرق والغرب في الرواية الأولى و نزعة الاستشراق في الرواية الثانية.

يبقى القول، عبر جمع كاتبين فذين، بينهما الكثير من المشتركات على الصعيدين الإبداعي والشخصي، ولارتباطهما بالعراق مكانا، وصلة روحية، يكون كتاب قيس الجنابي أقرب إلى المبادرة، فضلا عن تمتعه بالرؤية النقدية والمعرفية، وهو بحق كتاب نادر في مجاله، كما وصفه صاحبه في مقدمته له.

font change

مقالات ذات صلة