هل تواجه كندا حربا تجارية شاملة مع أميركا؟

تهديداته الأخيرة بفرض رسوم انتقامية تمثل ردا متناسبا على الإجراءات الأميركية... لكن الوضع قد ينزلق إلى مزيد من التصعيد

"المجلة"
"المجلة"
رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يلقي كلمةً في مؤتمر وسط مونتريال، 11 أبريل 2026

هل تواجه كندا حربا تجارية شاملة مع أميركا؟

عندما فرض دونالد ترمب للمرة الأولى رسوما جمركية على السلع الكندية في فبراير/شباط 2025، قال إنها ضرورية لإجبار كندا على وقف تدفق المخدرات والمهاجرين عبر الحدود الشمالية للولايات المتحدة. وسرعان ما تخلى عن هذا التبرير، وأخذ يطلق سيلا من الشكاوى الأخرى، منها العجز التجاري، والأمن القومي، وصناعة الألبان الكندية، وضريبة كندية، وإعلان تلفزيوني، وتجارة كندا مع الصين، ودخان حرائق الغابات.

كما كرر الحديث، بغموض أقرب إلى أسلوب زعيم عصابة، عن ضم كندا وجعلها الولاية الأميركية الحادية والخمسين "العزيزة".

وقد دفعت تقلبات أقوى رجل في العالم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى حافة حرب تجارية كارثية. ففي 25 أغسطس/آب، أعلنت الحكومة الكندية فرض رسوم جمركية انتقامية على سلع أميركية بقيمة 20 مليار دولار، على أساس المعاملة بالمثل دولارا بدولار، لكن المشكلة أن الاقتصاد الأميركي أكبر من الاقتصاد الكندي بنحو 13 مرة، وهو أقدر بكثير على تحمل التداعيات.

(رويترز)
كندي يرفع لافتة خلال تجمع انتخابي لرئيس الوزراء مارك كارني، في تورونتو، 4 أبريل 2025

ومن المقرر أن تدخل الرسوم الكندية حيز التنفيذ في 8 سبتمبر/أيلول، وحتى ذلك الحين، يتعين على كارني أن يجد سبيلا لنزع فتيل تهديد خطير لاقتصاد بلاده. وسيحتاج في ذلك إلى كل ما لديه من حنكة.

تبدو كندا معرضة على نحو استثنائي لمخاطر حرب تجارية شاملة مع واشنطن، إذ يذهب نحو ثلثي صادراتها السلعية جنوبا وترتبط ارتباطا وثيقا بسلاسل التوريد الأميركية

وجاءت شرارة أحدث جولة من التوتر مع قرار كارني في 21 أغسطس/آب بالانسحاب من اتفاق تجاري كان ترمب قد وصفه سابقا بأنه "رائع"، وقال إنه على وشك الاكتمال، وإذا صحت رواية رئيس الوزراء للأحداث، فلم يكن أمام كندا متسع كبير للاختيار. فبحسب كارني، أضاف الأميركيون في اللحظات الأخيرة مطالب تقضي بإبقاء مصانع الشاحنات الكندية خاضعة لرسوم جمركية مرتفعة، وبأن تحد كندا من اتفاقاتها التجارية مع دول أخرى، وأن تضعف إجراءات حماية اللغة والثقافة الفرنسيتين، وهو ما يمثل استفزازا صارخا للانفصاليين في كيبيك.

ويلقي الأميركيون باللوم على الكنديين في انهيار المفاوضات، لكنهم لم يقدموا تفسيرا واضحا لذلك.

ويعد استقرار العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة ضروريا لجهود كارني الرامية إلى جذب الاستثمارات اللازمة للبنية التحتية التي تحتاج إليها كندا لتنويع اقتصادها وتقليل اعتمادها على جارها الذي يتصرف على نحو غير عقلاني.

ولهذا حاول رئيس الوزراء، بحكمة، في النزاعات السابقة كسب الوقت وتجنب التصرف بعدوانية، وبذل كل ما في وسعه لإبقاء المفاوضات مستمرة، فألغى ضريبة أثارت استياء ترمب، وألغى معظم الرسوم الجمركية الانتقامية التي ورثها عن سلفه، وقاوم الدعوات المتكررة إلى وقف صادرات الطاقة إلى الولايات المتحدة، لكن المطالب الأميركية هذه المرة كانت متطرفة إلى حد لا يستطيع معه أي رئيس وزراء قبولها بخنوع.

وتعيش أميركا الشمالية لحظة خطرة، فقد دخلت الرسوم الجمركية الأميركية حيز التنفيذ بعد وقت قصير من انهيار المحادثات، وقال ترمب إنه سيفرض رسوما إضافية بنسبة 50 في المئة على السيارات والشاحنات وقطع غيار السيارات الكندية اعتبارا من 1 يناير/كانون الثاني المقبل.

(أ.ف.ب)
سفن لشحن البضائع ترسو في ميناء مونتريال بعد التعريفات الجمركية الجديدة، 1 أغسطس 2025

وتبدو كندا معرضة على نحو استثنائي لمخاطر حرب تجارية شاملة مع الولايات المتحدة، إذ يذهب نحو ثلثي صادراتها السلعية إلى جارتها الجنوبية.

وعلى خلاف دول عملاقة مصدرة للسلع الأولية مثل البرازيل، التي تباع معظم صادراتها في الأسواق الفورية، ترتبط معظم صادرات كندا ارتباطا وثيقا بسلاسل التوريد الأميركية، ما يصعب على الشركات الكندية العثور سريعا على مشترين بديلين.

أثبت كارني أن الرد المعتدل على ترمب لا يؤدي بالضرورة إلى كارثة سياسية، لكن مهمته الأصعب التراجع عن رسومه الانتقامية وانتزاع اتفاق أفضل دون إشعال دوامة من التصعيد لا تستطيع كندا الفوز فيها

ويمكن للاقتصاد الأميركي، البالغة قيمته 32 تريليون دولار، أن يتحمل خسارة حصة من السوق الكندية التي يبلغ حجم اقتصادها 2.5 تريليون دولار، أما كندا، فلا تستطيع تحمل خسارة مماثلة في السوق الأميركية.

ويضاف إلى ذلك أن الرسوم الانتقامية الكندية لن تؤدي إلا إلى زيادة الألم الاقتصادي الناجم عن الرسوم الأميركية، كما أن تقييد صادرات الطاقة أو تعليق التعاون الأمني سيضر في نهاية المطاف بكندا أكثر مما سيضر بالولايات المتحدة، وسيضعف التصعيد أيضا دوافع الاستثمار في كندا، وهي في أمسّ الحاجة إليه.

لذلك، بعدما أوصل كارني رسالته، ينبغي له أن يبحث عن سبل للتراجع عن رسومه الجمركية الانتقامية. وإذا تعذر ذلك سياسيا، فعليه على الأقل أن يجعل هذه الرسوم محددة الأهداف قدر الإمكان وسهلة التراجع عنها.

(أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب أثناء اجتماعه مع رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، في البيت الأبيض، 7 أكتوبر 2025

ومن الخيارات تركيز الرسوم على الولايات المتأرجحة في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، مثل ميشيغن، إذ تتركز في ولايات كهذه معظم التجارة الأميركية مع كندا، وقد يكون لساستها بعض التأثير في ترمب.

وقد بدأت بالفعل تظهر بوادر تذمر علني من الضرر غير الضروري الذي يلحق بالمصالح الأميركية جراء افتعال نزاع مع حليف وثيق إلى هذا الحد.

وينبغي كذلك للمسؤولين على جانبي الحدود أن يضعوا في حسبانهم التكاليف الطويلة الأجل التي يفرضها التصعيد على بلديهما، فقد بات واضحا بالفعل أن التراجع عن الرسوم الجمركية الأميركية القائمة سيكون صعبا، وكان من أسباب فشل المحادثات أيضا أن الصناعات المستفيدة من الحماية في الولايات المتحدة مارست ضغوطا قوية على إدارة ترمب لمنع خفض الرسوم الجمركية.

ولا يملك سوى ترمب سلطة إنهاء حملته غير المنطقية ضد كندا، لكنه لم يبد أي ميل إلى فعل ذلك، وقد أثبت كارني أن الرد المعتدل على ترمب لا يؤدي بالضرورة إلى كارثة سياسية، وأمامه الآن أسبوعان لإنجاز مهمة أصعب بكثير، فهو يحتاج إلى اتفاق أفضل لكندا من العرض الأميركي الأخير، لكن لكي يصل إليه، عليه أن يتصدى للرئيس الأميركي المندفع من دون أن يشعل دوامة من التصعيد لا تستطيع كندا الفوز فيها، وستلحق بكندا أضرارا تفوق ما يلحق بالولايات المتحدة بفارق كبير.

font change