من هو مردوخ؟ ولماذا ارتبطت أسطورته بمدينة بابل؟

دراسة في المعتقدات الدينية القديمة

غلاف "الإله مردوخ كبير الآلهة البابلية دراسة في المعتقدات الدينية"

من هو مردوخ؟ ولماذا ارتبطت أسطورته بمدينة بابل؟

يرتبط البحث في الآلهة عموما بشكل أو بآخر بالدين والميثولوجيا في الحقب القديمة. ويتجلى ذلك من خلال الاعتقاد بكائنات غيبية ذات قوى مؤثرة وخارقة يعزى اليها تقلب الظواهر التي تصل بين الحين والآخر في حياة الإنسان.

يقدم كتاب "الإله مردوخ كبير الآلهة البابلية: دراسة في المعتقدات الدينية"، الصادر عن "دار سامح للنشر والتوزيع"، في السويد، دراسة موسعة حول تطور عبادة الإله مردوخ، ودوره المركزي في الفكر الديني والسياسي البابلي، يناقش الأكاديمي العراقي خالد ناجي الكريماوي في كتابه، شخصية دينية واحدة ليجعل منها مدخلا إلى عالم كامل من المعتقدات والمؤسسات والطقوس والعلاقات السياسية والمعارف والأساطير في بابل القديمة. ولذلك لا تبدو دراسة مردوخ في هذا الكتاب بحثا في سيرة إله بابلي وحسب، وإنما تتحول تدريجيا إلى قراءة في جانب واسع من البناء الحضاري لبلاد الرافدين، حيث لم يكن الدين منفصلا عن الحكم، ولا المعبد بعيدا من الاقتصاد والمجتمع، ولا الأسطورة معزولة عن تصور الإنسان للكون ومصيره.

رأس الآلهة

يقدم الكتاب مدينة بابل في موقعها وتاريخها وتسمياتها ومكانتها، حيث تقع أطلال مدينة بابل على ضفاف نهر الفرات القديم، "شط الحلة حاليا"، في مركز الأراضي الخصبة وسط بلاد الرافدين التي كانت تعرف باسم "بلاد أكد"، على مسافة نحو 90 كم جنوب بغداد، وفي عهد سومو ابم، أحد زعماء القبائل الآمورية التي دخلت بلاد الرافدين، الذي أسس في بابل السلالة البابلية الأولى (1595-1894 ق.م).

ينتقل الكتاب إلى ملامح الديانة البابلية وصفاتها العامة. وهذه البداية ضرورية لفهم المسار الذي سيقطعه مردوخ في الفصول اللاحقة، لأن مكانته لا يمكن فصلها عن مكانة المدينة نفسها. فصعوده من إله محلي إلى رأس المجمع الإلهي يرتبط بصعود بابل واتساع سلطانها، وبإعادة ترتيب العلاقات بين الآلهة في ضوء التحولات التاريخية والسياسية. ومن هنا يبرز منذ الصفحات الأولى أحد المحاور الأساس في الدراسة، الآلهة ليست كيانات ثابتة المكانة والوظيفة، لكن مراتبها وصفاتها تتغير بتغير القوى والمدن والدول.

شكل مردوخ محورا لديانات بابل القديمة، وانتقاله من المحلية ومحدودية القدرة إلى الإطلاق والعظمة والاتساع في النفوذ الديني

يأتي الفصل الأول أقرب إلى بناء ملف تاريخي وديني متكامل لشخصية مردوخ أو مردوك، أو ما يعرف بالنصوص السومرية بـ"عجل الإله شمش". يبحث المؤلف في اسمه وأقدم ظهور له، وولادته وشخصيته ونسبه وأسرته وألقابه ورموزه وأسلحته. مع التركيز على دوره في ملحمة الخلق، والشرعنة السياسية، والطقوس الدينية. ويتميز هذا الفصل بالنزعة التصنيفية الدقيقة، إذ يجمع العناصر المتفرقة التي صنعت صورة الإله عبر الأزمنة.

Asaad NIAZI / AFP
معبد الزقورة العظيم في مدينة أور الأثرية بمحافظة ذي قار جنوب العراق، 13 فبراير 2022

ويشير الكتاب إلى أن مردوخ يبدأ مرتبطا بالزراعة، ويظهر "المر" أو المسحاة رمزا لهذه الصلة، ثم تتسع شخصيته لتستوعب وظائف وخصائص كانت موزعة على آلهة متعددة. وقد اكتسب جانبا من صفاته من طريق النسب، ولا سيما من أبيه إنكي أو أيا، واكتسب صفات أخرى نتيجة تنازل الآلهة عنها أو بسبب انتصاره عليها، كما في صراعه مع تيامة.

هذه الحركة من المحدود إلى الشامل، هي الخيط الأوضح في شخصية مردوخ، الذي شكل محورا لديانات بابل القديمة، وانتقاله من المحلية ومحدودية القدرة إلى الإطلاق والعظمة والاتساع في النفوذ الديني وسيادته وترؤسه مجتمع الآلهة، كما يعيد الكتاب تركيبها.

فالإله الذي كان حاميا محليا لبابل، يصبح صاحب خمسين اسما، وتتجمع فيه دلالات القوة والحكمة والخلق والسحر والعدالة والسيادة. ولا يعرض المؤلف هذا الصعود بوصفه واقعة دينية مستقلة، بل يربطه بالتحول السياسي الذي جعل بابل مركزا للقوة. وتبرز أهمية منهجه حين يعرض اختلاف الآراء حول الدور الذي أداه حمورابي في رفع شأن مردوخ، عندما ورد ذكره في شريعة حمورابي. فلا يقدم المسألة في صورة تقريرية مغلقة، بل يشير إلى رأي يربط صعود الإله بسياسة حمورابي وتوحيد البلاد، وإلى رأي آخر يرى أن مردوخ ظل في تلك المرحلة أدنى رسميا من آنو ويعني السماء وإنليل. بهذا يترك للقارئ صورة تاريخية أكثر تركيبا من القول البسيط إن الملك قرر رفع إله مدينته إلى رأس الآلهة.

الذنب والرهبة

يكتسب الفصل الثاني حيوية خاصة لأنه ينقل البحث من الأنساب والألقاب والرموز التي كانت لها أهميتها وقدسيتها لدى الكهنة لأنهم عاملوها على أنها الإله الذي تمثله أو ترمز إليه، إلى الممارسة الدينية نفسها. هنا يظهر مردوخ كما عرفه المتعبد البابلي في الصلاة والخوف والرجاء والتوبة والأعياد والقرابين، وكانت القرابين في الغالب من الحيوانات مع صدارة الأهمية للحمل والجدي. وقد اعتقد العراقيون القدماء أن الآلهة خلفت البشر لعبادتها والعمل من أجلها.

 Tobias Schwarz / AFP
زوار يعبرون بوابة عشتار المعاد بناؤها في متحف بيرغامون في برلين، 16 مارس 2021

والنصوص التي يوردها الكتاب في صلوات طلب المغفرة، تكشف جانبا إنسانيا شديد الدلالة في المعتقد القديم. فالمتعبد يقف أمام إله قادر على الغضب والعقاب، لكنه يخاطبه كذلك بوصفه رحيما وقريبا من البشر، ويطلب منه أن يغفر الذنوب المعلومة والمجهولة وأن يبدد الألم والحيرة. وفي هذه المواضع يخف صوت المؤرخ قليلا، وتتكلم النصوص القديمة بنفسها، فتظهر مشاعر الذنب والرهبة والأمل والحاجة إلى الحماية على نحو يمنح الدراسة بعدا يتجاوز الوصف الخارجي للطقس.

يوضح الكتاب أن الأسطورة لم تكن نصا يقرأ خارج الحياة، بل كانت جزءا من الزمن الديني الذي تعيشه المدينة

ويتسع هذا الجانب أكثر في معالجة أعياد آكيتو، إذ احتلت الأعياد والاحتفالات الدينية أهمية بارزة لدى سكان بلاد الرافدين، وهي من أكثر أجزاء الكتاب كثافة وتفصيلا. يستعرض المؤلف برنامج الاحتفال الممتد اثني عشر يوما، وما يصاحبه من تطهير للمعابد، وتلاوة للتراتيل، وخروج تماثيل الآلهة، وحضور نابو، وتمثيل قصة الخليقة، وانتقال المواكب في بابل. ويكشف وصف اليوم الخامس، حين يجرد الملك من شاراته ويقف أمام مردوخ معلنا براءته من الإساءة إلى بابل ومعبدها، عن طبيعة العلاقة بين المقدس والسياسي. فالملك، مهما بلغت سلطته، يحتاج إلى تجديد شرعيته أمام الإله. وإعادة التاج إليه ليست مجرد حركة احتفالية، بل صورة رمزية لنظام سياسي يرى أن الحكم الأرضي لا يستقر من دون رضا القوة المقدسة التي تحمي المدينة.

ويوضح الكتاب من خلال آكيتو أن الأسطورة لم تكن نصا يقرأ خارج الحياة، بل كانت جزءا من الزمن الديني الذي تعيشه المدينة. انتصار مردوخ على تيامة (أم الآلهة والكون)، يعاد استحضاره في بداية السنة، فتتحول قصة تنظيم الكون بعد الفوضى إلى نموذج رمزي لتجدد النظام. ولذلك يصبح العيد في قراءة الكتاب نقطة التقاء بين الطبيعة والخصب والملكية والأسطورة والمعبد والجماعة. وتكتمل صورة العبادة بدراسة القرابين والوجبات اليومية التي تقدم إلى الإله، ثم بالبحث في معبد أيساكيلا والزقورة.

بين الإله والمدينة

يحرص المؤلف على الجمع بين النصوص والوصف المعماري والمعطيات الأثرية. يظهر أيساكيلا باعتباره بيت مردوخ ومركز طقوسه، لكنه في الوقت نفسه مؤسسة تتجاوز العبادة الضيقة. فالمعبد في المجتمع البابلي يحمل وظائف دينية وسياسية وثقافية واقتصادية، وترميمه يصبح من الأعمال التي يحرص عليها الملوك لإثبات تقواهم وشرعيتهم. ويكتسب وصف نبوخذ نصر الثاني (562-604 ق.م) لما قدمه الى المعبد من ذهب وأحجار وخشب الأرز، دلالة واضحة على تداخل العقيدة بإظهار قوة الملك وثروة الدولة.

أما الفصل الثالث فيوسع زاوية النظر إلى مردوخ من جديد، فيبحث أثره السياسي ثم حضوره في "المعارف البابلية". وتبدو هذه التسمية ملائمة لطبيعة العالم الذي يعرضه الكتاب، حيث لا تنفصل الممارسة الطبية انفصالا حادا عن السحر، ولا تنفصل مراقبة السماء عن الاعتقاد الديني. ففي مجال السحر ينسب إلى مردوخ دور في دفع الأرواح الشريرة ومساعدة البشر، إذ كان له دور في السحر والتنجيم، وقد تفاقم السحر والسحرة في بابل، حتى عم أثره في البلاد وصار السحرة والمنجمون سادة المجتمع البابلي. لذلك نجد الإله مردوخ ووالده الإله أيا في غالبية النصوص السحرية يتعاونان على صنع الرقى والتعاويذ. وفي الفلك يرتبط مردوخ بكوكب المشتري، كما تتصل به تصورات خلق السماء وتحديد مواقع الأجرام.

 STEPHANE DE SAKUTIN / AFP
مسلة بازلتية تحمل شريعة حمورابي في معرض "بابل" بمتحف اللوفر في باريس، 10 مارس 2008

ومن أبرز ما يكشفه هذا الفصل أن صورة مردوخ ليست عقيدة قائمة إلى جوار المعرفة، بل تدخل في تفسير المعرفة نفسها. فالمرض والشفاء وحركة السماء والسحر والعرافة تقع كلها داخل تصور موحد للكون، تتفاعل فيه القوى الإلهية مع الإنسان والطبيعة. وهذه النقطة تمنح الكتاب قيمة تتجاوز دراسة مردوخ بوصفه موضوعا دينيا، إذ تجعله نافذة على الطريقة التي نظم بها البابليون فهمهم للعالم.

عندما يسبى التمثال من بابل لا يكون الحدث في تصور أهل المدينة فقدان قطعة مقدسة، وإنما غيابا للضمان الذي يقوم عليه استقرار النظام 

وتبرز الصلة بالسياسة في صورة أكثر وضوحا حين يناقش المؤلف سلطة مردوخ في منح الملكية وسحبها. فالملك يسعى إلى رضا الإله قبل تثبيت موقعه بين الناس، كما حصل مع الملك الآشوري تجلاتبليزر الثالث (727-745 ق.م). وتمثال مردوخ نفسه يكتسب وظيفة سياسية رمزية. وعندما يسبى التمثال من بابل - حيث كان السبي الأول لتمثال كبير آلهة بابل على يد الحثيين قبل 433 عاما، والسبي الآخر على يد الآشوريين - فلا يكون الحدث في تصور أهل المدينة فقدان قطعة مقدسة، وإنما غيابا للضمان الذي يقوم عليه استقرار النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وعند عودته يعود معه، في المخيال الديني، انتظام المدينة واستقرارها. وهنا تبلغ العلاقة بين الإله والمدينة درجة يصعب معها فصل مصير أحدهما عن الآخر.

حكاية أسطورية للتسلية

يأتي الفصل الرابع ليدخل إلى المجال الذي صنع أشهر صور مردوخ، أي عالم الملاحم والأساطير. وتتقدم قصة الخليقة البابلية هذا الفصل بوصفها النص المحوري الذي يرسخ صورة مردوخ البطل والخالق والمنظم. يبدأ العالم بالمياه الأولى، وتتوالى أجيال الآلهة، ثم ينشأ الصراع مع تيام" حتى يتولى مردوخ المواجهة بعد أن يشترط أن يمنح سلطة تقرير المصائر. وبعد الانتصار تتجاوز بطولته فعل الحرب إلى تأسيس النظام الكوني، فيصنع من جسد تيامة السماء والأرض وتنتظم حركة العالم تحت سلطته.

ولا يتعامل الكتاب مع قصة الخليقة باعتبارها حكاية أسطورية للتسلية، بل يقرأ ما وراء بنيتها من دلالات دينية وسياسية وفكرية. فالأسماء الخمسون التي يمنحها مجمع الآلهة لمردوخ تمثل ذروة عملية تجميع صفات الآلهة فيه، وتعلن تفرده بينها. وهكذا تصبح قصة الخلق في الوقت ذاته قصة تأسيس لسيادة إله بابل.

لكن الكتاب لا يقدم مردوخ في صورة واحدة ثابتة من العظمة. وهذه من أكثر ملاحظاته إثارة للاهتمام. ففي ملحمة "إيرا" يظهر الإله على نحو مختلف، ضعيفا أمام إيرا، الذي يرتبط بالطاعون والموت والخراب، وتترك بابل عرضة للدمار. ويقرأ الكاتب هذه الملحمة قراءة سياسية أكثر منها دينية، ويربط صورتها بمعاناة المدينة في أزمنة الغزو والكوارث. هنا تتحول هشاشة مردوخ إلى انعكاس لهشاشة بابل نفسها. ومن ثم تكشف الأسطورة عن قدرة الخطاب الديني على التعبير عن الانكسار مثلما عبر في قصة الخليقة عن الانتصار والسيادة.

وتضيف أسطورة خلق العالم وأسطورة الطائر زو، وجوها أخرى إلى الشخصية. ففي الأولى يظهر مردوخ في دور أكثر استقلالا في الخلق، بينما لا يحتل في أسطورة "زو" الموقع المركزي نفسه، وإن كانت بعض التقاليد تنسب إليه استعادة ألواح القدر أو الانتصار على الطائر. وهذا التنوع مهم لأنه يمنع الشخصية من أن تتحول إلى نموذج مبسط لا يتغير، ويكشف عن تعدد الطبقات التي تراكمت حولها في النصوص البابلية.

 STEPHANE DE SAKUTIN / AFP
نقش من الطوب المزجج يصور "تنين مردوخ" على النسخة الأخيرة من بوابة عشتار، في معرض "بابل" بمتحف اللوفر في باريس، 10 مارس 2008

تظهر القيمة الأدبية للكتاب في المادة التي يدرسها أكثر مما تظهر في لغة المؤلف نفسه. فالدراسة لا تسعى إلى صناعة لغة أدبية، وإنما إلى التوثيق والتحليل، لكن التراتيل والصلوات والمقاطع الأسطورية التي ترد بين صفحاتها تمنح النص لحظات قوية من التعبير الإنساني. في صلاة التوبة نسمع خوف الإنسان من خطيئة قد لا يعرفها، وفي آكيتو نشاهد الملك مجردا من رموز سلطته أمام الإله، وفي قصة الخليقة نرى الكون يخرج من الصراع والفوضى، وفي ملحمة "إيرا" تنقلب صورة الإله المنتصر إلى صورة قوة عاجزة عن حماية مدينتها. هذه التحولات تمنح المادة التاريخية توترا إنسانيا واضحا، من الخوف إلى الرجاء، ومن النظام إلى الفوضى، ومن القوة إلى الانكسار.

صعود الإله يواكب صعود المدينة، ومعبده يعكس قوتها، وطقوسه تنظم علاقتها بالسلطة والزمن، وأساطيره تعبر عن تصورها للكون

ويأتي الملحق التصويري في نهاية الكتاب ليكمل الجانب النصي بالشاهد البصري، من المسحاة والموشخوشو (التنين المقرن)، إلى صور المعابد والزقورة. بذلك لا تبقى رموز مردوخ أسماء موصوفة في المتن، إنما تتحول إلى آثار وتمثيلات مادية يمكن ربطها بما قرأه القارئ في الفصول السابقة.

القيمة الأساس لهذا الكتاب تكمن في قدرته على جمع صورة مردوخ الموزعة بين التاريخ والطقس والمعبد والسياسة والمعرفة والأسطورة في إطار واحد. إذ يمكن القارئ أن يجد فيه معلومات تفصيلية عن أفراد أسرة مردوخ، ورموزه، وأسلحته، وصلواته، وقرابينه، وأيام آكيتو، ومعبده، وأدواره السياسية والأسطورية. فالقارئ يصل في النهاية إلى أن دراسة مردوخ هي، في جانب كبير منها، دراسة لبابل نفسها. صعود الإله يواكب صعود المدينة، ومعبده يعكس قوتها، وطقوسه تنظم علاقتها بالسلطة والزمن، وأساطيره تعبر عن تصورها للكون، وحتى ضعفه في بعض النصوص يتحول إلى مرآة لأزماتها التاريخية.

font change