كلوي أريدجيس لـ"المجلة": نهاية العالم هي واقع نعيشه اليومhttps://www.majalla.com/node/332755/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%83%D9%84%D9%88%D9%8A-%D8%A3%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%AC%D9%8A%D8%B3-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%87%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9-%D9%86%D8%B9%D9%8A%D8%B4%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85
كلوي أريدجيس روائية وكاتبة مكسيكية بريطانية، ولدت في نيويورك عام 1971 ونشأت بين هولندا ومكسيكو سيتي. هي الابنة الكبرى للشاعر والديبلوماسي المكسيكي هوميرو أريدجيس والناشطة البيئية والمترجمة الأميركية بيتي فيربر. درست الأدب المقارن في جامعة هارفرد قبل أن تكمل دراستها العليا وحصلت على الدكتوراه من جامعة أكسفورد، تناولت في أطروحتها الشعر الفرنسي وعروض السحر في القرن التاسع عشر، وهو اهتمام أكاديمي عاد للظهور لاحقا في روايتها الأحدث، "ظل الشيء"، التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة "بوكر" 2026.
عاشت أريدجيس في برلين نحو خمس سنوات، وهي المدينة التي اختارتها مسرحا لروايتها الأولى، "كتاب الغيوم"، الصادرة عام 2009 التي فازت بجائزة فرنسا لأفضل رواية أجنبية أولى. صدرت روايتها الثانية "متباعدون" عام 2013، وفازت روايتها الثالثة، "وحوش البحر"، الصادرة عام 2019، بجائزة "بن فوكنر" للرواية عام 2020.
إلى جانب كتاباتها الروائية، كتبت أريدجيس في العديد من المجلات الفنية وهي عضو مؤسس في حركة " كتاب متمردون"، المعنية بقضايا المناخ والتنوع البيولوجي. هنا حوار "المجلة" معها.
تبدأ رواية "ظل الشيء" بحادثة عنيفة ومفاجئة: تتعرض فلورا لهجوم من كلب العائلة في مكسيكو سيتي. لكن هذه الإصابة الجسدية تصبح مدخلا إلى عالم من الذكريات والخيال والتأمل. لماذا اخترت بدء السرد بلحظة انهيار الأمان الجسدي؟
عشت تجربة عضة الكلب قبل نحو عقد من الزمن، وكانت تجربة قاسية الى درجة أنني كنت أعلم أنني سأكتب عنها يوما ما.
وجود الخيال يذكرنا بكل ما في الحياة اليومية من غرابة وغموض
رأى الكلب شيئا موجودا (يدي) لكنه أساء فهمه. شكل آخر من أشكال الوهم. شعرت أنه يجب أن يكون المشهد الافتتاحي، لحظة من الارتباك الشديد تقلب كل شيء رأسا على عقب وتغير حياة فلورا.
المستشفى في الرواية هو فضاء يتوقف فيه الزمن اليومي، وتصبح فيه الشخصيات أكثر انسجاما مع ذواتها ومع الآخرين. ما الذي يجذبك إلى هذه المساحات الانتقالية حيث يعيش الناس بين حالتين؟
لطالما انجذبت إلى هذا النوع من الفضاء، بدءا من رواية "الجبل السحري" لتوماس مان وصولا إلى رواية "ابن أخي فيتغنشتاين" لتوماس برنهارد، وهو أشبه بفراغ غريب يمكن فيه تكوين روابط غير مألوفة مع مرضى آخرين، والتأمل في الحياة من منظور خارجي. بعيدا من إيقاعات الحياة اليومية وهمومها، بعيدا من الكلمات والألقاب التي تعرفنا، حيث يتضاعف كل شيء، ويصبح الجميع سواسية.
غلاف "ظلّ الشيء"
الأشياء والذاكرة
لا تظهر الأشياء في هذه الرواية مجرد ممتلكات، بل تحمل آثار أصحابها، وتستمر في سرد قصصهم بعد رحيلهم. ما الذي يثير اهتمامك في العلاقة بين الأشياء والذاكرة؟
أرى الأشياء كحاملات لتاريخ، وديناميكية نفسية، ودراما في حد ذاتها. إنها أدوات للتأمل. في روايتي، يمثل الفانوس السحري شيئا مختلفا لكل شخصية: بالنسبة لويلهلمينا، هو عالم جمع الأشياء الذي ولى، بالنسبة لابنها ماكس، يعد ذلك تدخلا غير مرغوب فيه في مساحته المنزلية، أما بالنسبة لفلورا، فيجسد الفانوس إسقاطا للأوهام. فالأشياء والصور هي التي تروي القصة بدلا من أي لغة منطوقة.
تولي ويلهلمينا عالمها من الأجهزة ما قبل السينمائية، كالفانوس السحري، مكانة خاصة في الرواية. هل رأيت هذه الآلات القديمة مجرد آثار تاريخية، أم كاستعارة لكيفية عمل الذاكرة نفسها: صور تظهر وتختفي وتعود عبر الزمن؟
نعم، يعد الفانوس السحري وما شابهه من الأجهزة البصرية استعارات رائعة لكيفية عمل الذاكرة، وكذلك للإسقاط النفسي وعودة المكبوت. لقد مكنتنا طوبوغرافيا العقل عند فرويد من تصور العمليات العقلية وتخيل فضاء العالم العقلي. ونظرا لكيفية عمل الفانوس السحري، بإسقاطه صورا قديمة على جدار، يبدو أنه التجسيد الأمثل لكل هذا. أطلق عليه الرومانسيون الألمان اسم "العين الباطنية".
الحياة اليومية والخيال
غالبا ما تتنقل رواياتك بين العالم الملموس وعالم الخيال، حيث ينبثق غير المألوف من الحياة اليومية. كيف تقررين متى يجب أن يفتح الواقع بابا نحو الخيال، وما الذي يمكن أن يكشفه الخيال ولا يستطيع الواقع وحده كشفه؟
أحب أن أتتبع كيف يكتسب شيء ما، يستحوذ على خيال الشخصية، جوهرا في العالم المادي تدريجيا. في رواية "ظل الشيء"، تبدأ فلورا حياتها كشخص لا أدري - فهي ترفض الإيمان بالخيال - لكن لا إراديا تختبر باستمرار بطرق دقيقة.
لا نقدر دائما الشخصيات الأكثر تميزا في ثقافتنا، ونميل إلى المبالغة في تقدير الفنانين الأقل شأنا
يمكننا أدب الخيال من تصور سيناريوهات مستحيلة، مما يدفعنا إلى التفاعل مع عوالم افتراضية والتساؤل عن الآراء السائدة. يتمتع هذا الأدب بقوة رمزية هائلة، وكثيرا ما استخدم للنقد الاجتماعي والسياسي، وقد أبدع في ذلك كتاب مثل ميخائيل بولغاكوف وجوناثان سويفت. في أعمالي، أقول إن وجود الخيال، أو بالأحرى الإيحاءات به دون أن تتحول الأمور إلى خيال حقيقي، يذكرنا بكل ما في الحياة اليومية من غرابة وغموض، وأهمية عدم إغفال هذا الغموض.
لوحة "العملاقة" لليونورا كارينغتون في نيويورك، 26 مايو 2009
من حراسة أرشيف الفنانة التشكيلية ليونورا كارينغتون في الواقع، إلى حراسة ذكريات وأشياء الآخرين في رواياتك، كيف أثرت علاقتك بكارينغتون على اهتمامك السردي بفك رموز الأشياء؟
هذا سؤال مثير للاهتمام، فإحدى أشهر لوحات ليونورا وأكثرها روعة تسمى "حارسة البيضة" المعروفة غالبا باسم "العملاقة"، وهي احتفاء بالإبداع الأنثوي والخصوبة. أعتقد أن ليونورا شجعتني على النظر إلى ما وراء الواقع ومحاولة رؤية ما هو أعمق، مثلا، في أداة مطبخ وظلها المنعكس على الحائط. تداخل الخيال والواقع. كل شيء كيان مستقل بذاته.
أما بالنسبة للحراسة ورواياتي، فهي تثير غالبا تساؤلا، خاصة في روايتي "مشتتة"، التي ترويها حارسة متحف في المعرض الوطني بلندن: لمن تنتمي الثقافة حقا؟ هل الحراس مجرد حراس أم أنهم جزء لا يتجزأ من الثقافة؟ وماذا عن جميع الأفراد الذين يعملون خارج المؤسسات، أليسوا فنانين أيضا، حتى وإن لم يعترف بهم دائما في حياتهم؟ إننا لا نقدر دائما الشخصيات الأكثر تميزا في ثقافتنا، ونميل إلى المبالغة في تقدير الفنانين الأقل شأنا الذين قد لا يصمدون أمام اختبار الزمن.
غلاف "وحوش البحر"
حضور المدن
من "كتاب الغيوم" إلى "وحوش البحر" و"ظل الشيء"، تحضر المدن في أعمالك. ما الذي يجعل مدينة مثل مكسيكو سيتي أو برلين قادرة على أن تصبح شخصية داخل رواية؟
عندما تكتب عن شخصية في مدينة ما، وتتمتع هذه المدينة بحضور قوي ومؤثر، تدرك أنك تنشئ اتصالا بين العالمين النفسي والمادي، نوعا من التداخل الذي يحيي كليهما. بالنسبة لبرلين، فقد كانت بطلة "كتاب الغيوم" بامتياز، شخصية مشتتة تبحث عن الاستقرار، عن مركز، لا تزال في حالة تغير مستمر. أعتبر تلك الرواية بمثابة صورة نفسية للمدينة. وينطبق الأمر نفسه على مكسيكو سيتي. في "وحوش البحر" كنت مهتمة جدا بتوثيق المكان في لحظة معينة من تاريخه، في هذه الحالة أواخر الثمانينات، عندما كنت مراهقة. في ما يتعلق بالسرد، فإن أي اضطراب كبير في علاقة الشخصية بمكان ما، سواء كان الزلزال الكبير في المكسيك عام 1985 أو سقوط جدار برلين، يولد الكثير من المعاني الجديدة، بالإضافة إلى قراءات جديدة للماضي.
الكاتب المكسيكي هوميرو أريدجيس خلال معرض باريس للكتاب، 13 مارس 2009
نشأت في منزل الشاعر والديبلوماسي المكسيكي هوميرو أريدجيس، إذ كانت القصائد متشابكة مع قضايا وجودية تتعلق بالمناخ والأرض. إلى أي مدى أثر وجود والدك على وعيك المبكر باللغة؟
كان والدي مصدر إلهام كبير لي. عرفني على العديد من كتابي المفضلين، ورؤيتي له وهو يعمل لساعات طويلة على مكتبه منحتني، في سن مبكرة جدا، إحساسا بالتفاني الكبير المطلوب لتصبح كاتبا. كما ذكرني أيضا بترابط كل شيء. لاحظت كيف كان يبلور كل تجربة وملاحظة، وكيف كان يجد الغموض والسحر في الحياة اليومية. كنت أشعر، وأنا طفلة، بهالة خفية تحيط به كلما جلس ليكتب، وكنت أعرف أنه لا ينبغي لنا مقاطعته.
أثر الأب
مثل والدك، أنت مهتمة أيضا بقضايا البيئة والمناخ، بينما تنتمي رواياتك إلى عالم داخلي شعري حالم. كيف ترين العلاقة بين الأدب الروائي والأزمات الكبرى التي يشهدها عالمنا اليوم؟
اعتاد رواة القصص القدماء ربط أساطير الخلق بقصص نهاية العالم، واليوم لم تعد تبدو تلك النهاية خيالية أو بعيدة، بل هي واقع نعيشه اليوم. لا شيء يقلقني أكثر من أزمة المناخ، تدمير العالم الطبيعي، وتدمير محيطاتنا، وانقراض المخلوقات بوتيرة مرعبة. لكن حتى الآن، بقيت هذه المخاوف بعيدة من كتاباتي الروائية، ببساطة لأنني لم أجد طريقة طبيعية لمعالجتها، ولا أرغب في كتابة عمل روائي تعليمي إلا إذا نبعت الفكرة بشكل طبيعي.
لطالما ساهم الكتاب في التعبير عن المخاوف الجماعية، ولم يسبق أن كان هناك مثل هذا الإلحاح الوجودي كما هو الحال اليوم
لذا، فإن نشاطي يتزامن مع الكتابة، وليس جزءا لا يتجزأ منها، مع أنني أدخل بعض الحيوانات في كتاباتي، مثل الكلاب الضالة في المكسيك. في لندن، أنتمي إلى مجموعة تدعى "كتاب متمردون"، وهدفنا الرئيس هو تسليط الضوء على أزمة المناخ في المجال الثقافي، وحث الشخصيات الثقافية على التعبير عن آرائها من أي منصة تتاح لها، حتى تستجيب الحكومات. لطالما ساهم الكتاب في التعبير عن المخاوف الجماعية في عصرنا، ولم يسبق أن كان هناك مثل هذا الإلحاح الوجودي كما هو الحال اليوم.