خارطة سبتة الشعرية

خارطة سبتة الشعرية

استمع إلى المقال دقيقة

أنى دقت أجراس مدينة "سبتة"- إثر الهجرات السوداوية المتفاقمة التي تستهدف ضفتها، حد ما تفجر أخيرا في يوليو/تموز الماضي- إلا وكان الصدى الشعري الوحيد، الذي يتردد وثيرا في هاوية الذاكرة، قصيدة الشاعر المغربي أحمد المجاطي (المعداوي) الجليلة، الموسومة باسم المدينة ذاتها "سبتة"، التي ضمنها ديوانه اليتيم: "الفروسية" المنشور عام 1987، والذي يضم قصائد كتبت ما بين 1962 و1977، وقد نالت فروسيته هذه جائزة ابن زيدون للشعر التي منحها المعهد الإسباني العربي للثقافة بمدريد لأفضل كتاب شعري بالعربية والإسبانية عام 1985، وبحسب الترتيب المفرد لعناوين المدن والأمكنة تقع قصيدة "سبتة" بعد "دار لقمان" عام 1965، و"ظهر المهراز/ فاس" و"القدس" و"طنجة"، بينما تليها "الدار البيضاء"، و"دمشق" لاحقا.

تنساب قصيدة سبتة بلسان النهر الذي يقدم نفسه ككائن ممتهن للوصل بين الحنين والربابة، يأتي المدينة على كل نقع يثار، كي يمنح عينيها لون سهاده، وحزن صهيل جواده، فوق ذلك يهبها صولة طارق بن زياد، زاعما معرفتها كقرارة كأس، وقبضة فأس، وفي هذا المنحى المندى بنسغ الأغاني يعرب عن خذلان العشق، كصريع لقهقهات السكارى، مع ذلك يرى في سبتة غرناطة تارة، إذ يتسكع في شوارعها الخلفية، وحانة تلو أخرى، خاصة حين يرصدها محض جزيرة غنائم لتهريب التبغ والعطور والخمور، بل غجرية تحت أحذية الهتك على مرأى انتكاسة النخوة العربية.

وتارة أخرى يستمرئ مذاق صوتها بلثغة قرطبة، وهي تخلع فرو معطفها هامسة بالمدينة المجاورة "تطوان"، وكأن هذه مجرد جارية، وغير بعيد تحضر مدينة مراكش أيضا وهي تنفش العهن، ومن فرط ذلك تغني سبتة مقرورة:

"أحس نفسي

طفلة مسكونة

تكتب للماء اسمها

في جذع ليمونة

حين يفيض الضوء من شقائق النعمان

وأمضي مع اللحن حتى أباغت

عينيك

أصحو على مذبح النهر

أصحو على مصرع الكبرياء

على غصن قافية

من رثاء

وما أيسر الوصل

مهما تناءى

وشط المزار

سآتي على صهوة الغيم

آتي على صهوة الضيم

آتي

على كل نقع يثار".

على هذا النحو، تستشرف سبتة ذاتها مستقبلها في توق إلى معانقة جارتها تطوان، مهما شط المزار، على مرأى مذبح النهر أو مصرع الكبرياء، وبعد أن تستوفي قوافي الرثاء، دائما على كل نقع يثار، حتما سيتحقق الوصل في يسر وفق ما ترسمه القصيدة في نهايتها المفتوحة على خيط لم ينقطع ولو كان من سديم، هو خيط اللقاء الممكن المستل من أرخبيل المستحيل.

سبتة جرح تاريخي، تنز في دمه المراق صور الغرقى من شباب الحاضر التواق لهواء آخر

ينشطر النص الشعري إلى نصفين في بنية خطابه، إذ يتماهى صوت الشاعر بداية مع صوت النهر، ثم سرعان ما تتحول سبتة ذاتها من موقع المخاطب (بفتح الطاء)، إلى موقع المخاطب (بكسر الطاء)، وفي كلا التناظر، تنتصب سبتة على طول القصيدة كعذراء منتهكة على مرأى أهلها، سليبة من شقيقتيها تطوان ومراكش، بل إن تطوان تغدو هي الأخرى جارية مستعبدة، ولا يسر حال مراكش أيضا في خان المزاد، وفي الخلفية العتيدة لما يعتمل من خراب، يستأسد طيف طارق بن زياد في صولته المبهجة، ولا يخبو أوار غرناطة الطاعنة في المسرات، وصنوتها قرطبة اللاثغة بإغواء، في استرجاع حلمي أندلسي الأثر والهوى.

ولأن سبتة جرح تاريخي، تنز في دمه المراق صور الغرقى من شباب الحاضر التواق لهواء آخر، سواء كان مغررا بهم، أو يحق لهم بمحض أمل في جرعة حلم أرحب، في مهب زحف أفريقي متعدد الجنسيات، هروبا من فقر وهشاشة فادحين، وأعز ما يطلب كرامة ألح من أي مبتغى آخر، أبجديتها راهن لغة تستوعب قلقهم وشتات تناقضاتهم، وديدنها عدالة اجتماعية بما تيسر من الحد المستفحل لتغول الفساد، ولعل الأنجع بديلا تعويض الإفك السياسي بما يلزمه من واقعية جديدة تستهدف هذه الشرائح الطامحة، صدا لبشاعة الفوارق، وتخليق هواء مشترك للعمل والجدوى من الانتماء لوطن ليس للجميع.

طبعا هذا لا يلغي سردية التكالب الموازية، لمافيا الهجرة وشبكات الإتجار بالبشر، الخفي منها والمعلن، والكولسة السوداء في جيوب الوسائط الرقراقة، ولكن، تظل سبتة كجرح تاريخي، قضية تجدد سؤالها اللاذع في إحراج رسمي، ومطلب شعبي هائل الصدى، وما أحداث يوليو إلا منعطف في هذا المنحى سليل البعث، عمليا كان أو مجازيا.

وحدها هذه القصائد ومنها سبتة أحمد المجاطي، يتجدد أثرها الجليل، ويسمق ربيعها الزاحف

وفي الدرس الخلفي للمأساة، شاء مولوع الشعر أو مجافيه، ثمة ما لا يفنى ولا يتلاشى من القصائد العاتية، تلك التي تماهت في ما مضى مع التراجيدي لوجه البلاد، خاصة في شق المدن السليبة، المدن المحاصرة، المدن المنكوبة، المدن المنتهكة التي استطال احتلالها لذا السبب وذاك، وحدها هذه القصائد ومنها سبتة أحمد المجاطي، يتجدد أثرها الجليل، ويسمق ربيعها الزاحف، ويصخب صوتها المدوي، ما إن يعيد التاريخ نفسه، ما إن يطفو على سطح البحر رأس جبل الجليد ذاته، ما إن تفصح الذاكرة عن شرخها الغائر، وتعود الوقائع المربكة الآنية بالحكاية المأساوية إلى جذورها البكر، وعندئذ، تهسهس رياح المتوسط، بما للواقع والتاريخ من رماد وجمر، وما للقصيدة من بيان خالد.

font change