مرثية الإنسان المعاصر في "مزامير التجاني" لمحمد فتيلينه

صورة مغايرة عن البطل الإشكالي

غلاف "مزامير التجاني"

مرثية الإنسان المعاصر في "مزامير التجاني" لمحمد فتيلينه

يعرف الناقد المجري جورج لوكاش البطل الإشكالي بأنه الشخصية المحورية في الرواية الذي يعاني قدرا من الاغتراب داخل المجتمع بين قيمه الذاتية وبين الواقع الاجتماعي المادي الذي يعيش فيه، إلا أن الروائي الجزائري محمد فتيلينه في روايته "مزامير التجاني" الصادرة أخيرا عن "منشورات رامينا" أراد أن يرسم رحلة مغايرة لبطل روايته مرزوق بن حمو الذي يبدو بطلا إشكاليا بامتياز، ولكنه انطلق من مجتمع صوفي وروحاني لم يمنحه ما يريد، بل ودفعه دفعا للغربة والشتات، وتحولت رحلته إلى رحلة بحث عن الهوية والغاية من الوجود، ومحاولة دؤوبة لإيجاد مكان له في عالم اليوم الذي لا يعترف بالفرد إلا من خلال أوراق وشهادات رسمية!

من السنغال تبدأ الرواية حيث تهرب عائلة مرزوق بن حمو من اشتباه في ارتكاب والده لجريمة قتل، ويقرر شيخ القرية انتقالهم إلى زاوية الشيخ عبد الله التجاني في الجزائر، ويبقون هناك خداما لتلك الزاوية، ولكن مع مرور السنوات وتفتح الوعي يبدأ مرزوق في التساؤل عن هويته وانتمائه، هل ينتمي بالفعل الى هذا المكان؟ هل ستبقى حياته أسيرة لهذا النمط الثابت من "الخدمة" سواء للزاوية أو الشيخ ومريديه، ويكون للقدر كلمته التي تفرض نفسها على مرزوق وتغير من مصيره، وتجعل الأسئلة أكثر اتساعا، ويبدو الهرب مسيطرا على مسار حياته، فيتسبب في مقتل أحد أتباع الشيخ مما يدفعه للهرب فورا، ويقوده بالتالي إلى حياة أخرى لا يعرفها ولم يحسب لها أي حساب.

أسئلة الهوية والانتماء

هكذا تسائل الرواية منذ سطورها الأولى أسئلة الهوية والانتماء، والقدر وتأثيره على مصائر الناس، هل نختار أفعالنا أم يقودنا إليها قدر يتحكم فينا بالفعل؟ وهو ما يبدو جليا في رحلة مرزوق في ما بعد، حيث يختلط بعدد من "الحراقة"/ المهاجرين غير الشرعيين الذين يسافرون عبر البحر إلى إسبانيا أملا في تحقيق أحلامهم في حياة مثالية. في الرحلة يتعرف مرزوق الى أنماط مختلفة من الناس، ويقترب من عالم لم يكن يعرف عنه شيئا، والمفارقة أنه يتمكن من الوصول إلى إسبانيا بعد تلك الرحلة الشاقة وكل ما فيها من مفاجآت بمفرده.

لا تمثل رحلة البطل هنا رحلة تقليدية لبطل إشكالي يسعى لتغيير عالمه فحسب، وإنما هي انعكاس لأثر تلك التحولات المتلاحقة التي يزخر بها عالم اليوم


على نحو ما لا تمثل رحلة البطل هنا رحلة تقليدية لبطل إشكالي يسعى لتغيير عالمه فحسب، وإنما هي انعكاس لأثر تلك التحولات المتلاحقة التي يزخر بها عالم اليوم في حياة البسطاء وربما المهمشين أيضا، فإذا كان مرزوق بن حمو قد نجته الأقدار حتى وصل إلى إسبانيا بالفعل، فإن وصوله ذلك لم يحوله إلى شخص آخر، بل بقي هناك بقناعاته وقيمه ومفاهيمه، ورغم أنه لم يمكث هناك طويلا إلا أنه كان من الواضح أن استمراره في الأصل ضرب من المستحيل، لذلك سرعان ما يقعده المرض ويحلم بشيخه التيجاني ويتخيل أمه فطيمة تناديه وتناشده العودة، فيترك كل ما حوله ببساطة ليركب البحر معتقدا أنه سيتمكن من العودة الى بلاده مثلما جاء.

Facebook
محمد فتيلينه

قسم محمد فتلينه الرواية إلى أربعة فصول/ أجزاء جاء الأول مباشرا يحمل اسم بطل الرواية "مرزوق بن حمو" فيما حملت بقية الأجزاء طبيعة رحلته ومساراتها فجاء الجزء الثاني  باسم "العتمة والنور" حيث خرج البطل من مكانه الذي كان ساكنا فيه إلى عالم آخر مغاير تغمره الأنوار سواء كان المقصد بالنور هنا النور الواقعي حيث حياة مختلفة أم النور المجازي حيث المعرفة والتعرف الى الآخرين، وفي الجزء الثالث يحمل اسم "الزبد والبحر" الذي يشير إلى تلك الرحلة الشاقة التي لم يبق منها إلا "الزبد"، في حين يحمل الجزء الرابع عنوان "الليل والنهار" الذي ربما يعيدنا إلى فكرة التقابل بين الظلام والنور حيث يتخلص البطل من مشاق رحلته وينتهي به المطاف إلى التيه مرة أخرى ولكن من طريق مختلف.

عوالم وشخصيات

توزعت لغة الرواية بين الحكاية من خلال الراوي العليم الذي يسرد التفاصيل بشكل حيادي حينا، لا سيما تلك الأجزاء التي تمثل الآخر سواء كان الأجنبي أو العربي ويحاول فيها الكاتب تلخيص عدد من المواقف والأفكار في جمل حوارية، وبين الأجزاء الأخرى الأكثر حميمية في الرواية وهي التي يرويها مرزوق بنفسه من خلال تقنية تيار الوعي حيث تتماس تجربته الذاتية ورؤيته لما حوله من تجارب ومواقف الكثيرين الذين خاضوا تجربة السفر والهجرة والبحث عن ملاذ آمن بعيدا من بلادهم، وكيف يمكن أن يتغير الناس من خلال تلك التجارب القاسية.  

 تجربة السفر والهجرة والبحث عن ملاذ آمن، وكيف يمكن أن يتغير الناس من خلال تلك التجارب القاسية

ربما يؤخذ على الرواية تركيزها على شخصية مرزوق وحكايته، في الوقت الذي تبدو فيه شخصيات أخرى محورية في الرواية مرسومة بشكل عابر، فالشيخ عبد الله يظهر في بداية الرواية ونهايتها من خلال كلمات موجزة لا تكفي لفهم شخصيته ودوافعه وطبيعة أثره على من حوله. كذلك شخصية مهمة مثل الطبيب شكري البكراوي الذي انتهى به المطاف إلى العمل مع الأميركيين، وهي شخصية شديدة الثراء، لكن الكاتب يقتصر على حكاية تجربة سفره من موريتانيا إلى أميركا بإيجاز، ثم عدد من الحوارات التي تجمعه بمرزوق التي  يبدو فيها ذا خبرة ودراية واسعة، ثم يغيب أثره بعد ذلك.

Facebook
محمد فتيلينه يوقّع إحدى رواياته

 حرص الكاتب أيضا على أن يضيف عددا من الشخصيات التي تبدو ثانوية ولكنها كاشفة عن طبيعة الصراع الذي تدور حوله الرواية، فمن جهة يحضر الضابط الأميركي جيمي الذي سيكون سببا في نجاة مرزوق الأخيرة، ويأتي حواره مع المسؤول عنه جورج حوارا كاشفا عن الفروق في التعامل بين الرحمة والقوة الغاشمة، فقد أخذ يردد مقولة الرئيس الأميركي هنري ترومان "واجب البلدان العظيمة هو الحماية لا الهيمنة"، فيما تبدو الهيمنة والسيطرة على الجميع في النهاية هي الحاضرة بقوة.

ولعل مفاجأة الرواية تأتي منذ البداية بذلك العنوان الذي قد يوحي للقارئ لأول وهلة أنه إزاء رواية تتناول تجربة صوفية محضة، أو كشفا ما لعوالم الصوفية والزوايا والمشايخ وما يدور في فلكهم، ولكن الرواية سرعان ما تتخلص من ذلك كله لتتحول  إلى رحلة إنسانية تبدو معها المزامير محض ترنيمة يرددها بطل الرواية بين الحين والآخر، أو هي أوراد الشيخ التي ظل متمسكا بها مع حقيبة أمه حتى النهاية.

أهل الهامش

في النهاية تبدو "مزامير التجاني" مرثية شجية للإنسان في العالم المعاصر، لا سيما ذلك الفرد الذي يعيش على الهامش، ليس لديه طموحات وأحلام كبرى، كل ما يحلم به ويسعى إليه هو النجاة الفردية، ولكنه يتعثر بين محاولاته الجادة للنجاة بنفسه وبمن حوله، وبين سيطرة القوى الخارجية التي لا ترى إلا مصالحها سواء كان ذلك من خلال  التحكم بالقوة من جهة أو من خلال دعاوى الدين من جهة أخرى، وكيف يبدو  ذلك البطل الإشكالي مستسلما بين هذا وذاك لأقداره حتى في اللحظة التي يعتقد فيها أنه اتخذ قراره وعقد العزم على التغيير، يأتي القدر مغيرا لمسار حياته على نحو غير متوقع، ويبقى في النهاية كما كان في البداية يعود غير قادر على تغيير مسار حياته مهما بذل من جهد.

 يبدو البطل الإشكالي مستسلما لأقداره حتى في اللحظة التي يعتقد فيها أنه اتخذ قراره وعقد العزم على التغيير

محمد فتيلينه روائي جزائري من مواليد 1975 حاصل على ليسانس في الأدب العربي والنقد، له عدد من الدراسات والكتابات النقدية حول الرواية العربية، كما ترجم عددا من الأعمال الأدبية عن الفرنسية، منها "رسائل بروست غير المنشورة".

كتب فتلينة عددا من الروايات التي يدور موضوعها حول الذات والاغتراب والبحث عن الهوية، ويبدو مشغولا في أعماله بتفكيك الشخصية الجزائرية والتعبير عنها، حصلت روايته "ترائب رحلة التيه والحب" على جائزة الطاهر وطار للرواية عام 2019، كما حصلت روايته "غبار المدينة" على جائزة "دار أطلس" 2015، وتجدر الإشارة إلى أن "مزامير التجاني" وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة "كتارا" للرواية العربية في 2026.

font change

مقالات ذات صلة