الصين تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية خارج مدار واشنطن

نهاية زمن العقوبة بلا بديل

بربارا غيبسون
بربارا غيبسون

الصين تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية خارج مدار واشنطن

ذهب الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى بيشكيك مشيدا بما وصفها بـ"الفترة الذهبية" في علاقات الصين مع قرغيزستان، بالتزامن مع انعقاد القمة الخامسة والعشرين لمنظمة شنغهاي للتعاون. وشارك شي المنصة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، في مشهد جمع قادة ثلاثة من أكثر اقتصادات العالم تعرضا للعقوبات، برعاية الدولة المضيفة في قلب آسيا الوسطى.

وفي ظل حربين لا تزالان مشتعلتين في أوراسيا، تبدو القمة مهيأة لتقديم صورة قارة تمضي على نحو متزايد في رسم مسارها من دون انتظار إذن واشنطن.

لحظة "شي" في بيشكيك

تدفع قمة منظمة شنغهاي للتعاون هذا العام بثلاثة أهداف جيوسياسية دأبت بكين على السعي إليها: "إعلان بيشكيك"، وتوسيع التسويات بالعملات المحلية بعيدا عن الأنظمة المالية الغربية، وإعطاء زخم مؤسسي جديد لمشروع بنك تنمية تابع للمنظمة ظل معلقا لسنوات طويلة.

يأتي بنك تنمية منظمة شنغهاي في صدارة هذه الأهداف. فقد جعلت قرغيزستان إطلاقه إحدى أولويات رئاستها للمنظمة عام 2026، وطرحت الصين الفكرة للمرة الأولى عام 2010، قبل أن يعيد شي إحياءها خلال قمة تيانجين عام 2025، واصفا المشروع بأنه خطوة استراتيجية لمواكبة التحولات الجيوسياسية العالمية.

سبوتنيك/ رويترز
قادة دول منظمة شنغهاي للتعاون بينهم الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قبيل جلسة من جلسات قمة المنظمة في بيشكك، قرغيزستان، في 1 سبتمبر 2026

ظل المشروع عالقا طوال عقد، في ظل تحفظ روسي وهندي على مؤسسة كان متوقعا أن تهيمن عليها الصين. غير أن البيئة الاستراتيجية تبدلت منذ ذلك الحين، فمنذ إعلان الولايات المتحدة ما سمي "يوم الإنزال الاقتصادي"، تقلص هامش الخيارات أمام عدد من أعضاء المنظمة.

وقد باتت روسيا إلى حد كبير خارج أسواق رأس المال الغربية، وإيران تواجه عقوبات أميركية واسعة، فيما يواجه أعضاء آخرون احتمال التعرض لعقوبات أميركية بسبب تجارتهم مع إيران، وفي الوقت نفسه، تحتاج دول آسيا الوسطى إلى تمويل ضخم للبنية التحتية لا يكاد أحد يقدمه بشروط تضاهي ما تعرضه بكين. ومن هنا تراهن الصين على أن تصاعد الضغوط الأميركية يؤدي عمليا دور المجند لمشروعها.

تدفع الصين بتوسيع التسويات بالعملات المحلية، وتثبيت الممر القاري نحو إيران وتركيا، إذ ضيّقت العقوبات الأميركية خيارات روسيا وإيران ودول آسيا الوسطى فباتت تعمل عمليا لصالح مشروع بكين

وعلى خلاف البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وبنك التنمية الجديد، وكلاهما يتخذ من الصين مقرا، يفترض أن يعمل بنك تنمية منظمة شنغهاي خارج النظام المالي القائم على الدولار. وإذا أبصر النور، فقد يتجاوز دور البنك حدود الإقراض متعدد الأطراف، ليتحول إلى بنية  للتسويات المالية تتيح للدول الخاضعة للعقوبات، أو المتوجسة منها، نقل الأموال خارج منظومة المقاصة بالدولار.

تعزز زيارة شي الرسمية إلى قرغيزستان مشروع خط السكك الحديدية بين الصين وقرغيزستان وأوزبكستان، الذي يشكل العمود الفقري الجنوبي لممر قاري ينقل الشحنات بالفعل من شيآن إلى طهران خلال 15 يوما، مقارنة بنحو شهر عبر البحر.

وتبقى قرغيزستان الحلقة الأضعف في هذا الممر، في ظل هشاشتها المالية وارتباطها التاريخي بالمظلة الأمنية لموسكو. وتحمل زيارة دولة صينية إلى منطقة خضعت طويلا للنفوذ الروسي، فيما يوجد بوتين في المدينة نفسها، رسالة واضحة: بكين باتت تحدد على نحو متزايد الشروط الاقتصادية في آسيا الوسطى، وتنتظر من موسكو التكيف مع هذا الواقع الجديد.

وكان على الطاولة بين شي وبوتين مشروع "قوة سيبيريا-2"، وهو خط أنابيب غاز من المتوقع أن ينقل 50 مليار متر مكعب سنويا على مدى 30 عاما، وبأسعار تقل عما كانت تدفعه أوروبا. وبعد خسارة جزء كبير من سوق الغاز الأوروبية، تحتاج موسكو إلى مشتر بحجم الصين لتعويض الإيرادات المفقودة. أما بكين، فمصلحتها أن تبقي روسيا في موقع تفاوضي أضعف، بما يتيح لها انتزاع شروط تجارية أكثر ملاءمة.

سبوتنيك/ رويترز
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يحضر جلسة من جلسات قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكك، قرغيزستان، في 1 سبتمبر 2026

ويمنح ظهور شي إلى جانب الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان طهران صورة مغايرة لتلك التي رسخها الغرب عن دولة معزولة ومنبوذة، ويعيد تقديمها عضوا كامل المكانة في تكتل يضم نحو 40 في المئة من سكان العالم. والرسالة التي تبعث بها بكين إلى واشنطن واضحة: العقوبات لم تنجح في عزل إيران، وإنما دفعتها إلى اندماج أعمق في الفضاء الأوراسي. وفي الوقت نفسه، توجه الصين رسالة إلى دول الجنوب العالمي بأن الحكومات الواقعة تحت الضغط الأميركي لا تزال تملك بدائل عملية يمكن الاعتماد عليها.

مصر... المرساة المتوسطية لثلاث قارات

تأتي زيارة شي الأولى إلى مصر منذ عقد، والمتزامنة مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في وقت تواجه فيه القاهرة ضغوطا مالية حادة، فيما تعيد حرب البحر الأحمر رسم مسارات الشحن والتجارة، كما تعاني مصر من ارتفاع كلفة الديون المقومة بالدولار وسياق الاحتياج لمصادر الطاقة.

وتأتي الزيارة في توقيت تعرض فيه بكين حزمة يصعب على واشنطن مضاهاتها: استثمارات صناعية طويلة الأجل، ونقل التكنولوجيا، وتمويل أكثر مرونة، وتسويات مقومة باليوان.

تشكّل مصر المرساة المتوسطية للمنظومة الأوراسية، إذ توفّر الصين نصف استثمارات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ووصلت مقاتلات صينية شمال أفريقيا لأول مرة في مناورة "نسور الحضارة"

وقد وفرت الصين بالفعل نحو نصف الاستثمارات البالغة قرابة 11.6 مليار دولار التي تدفقت إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال السنوات الأخيرة. كما يجري ربط مصر بنظام المدفوعات بين المصارف عبر الحدود "CIPS" الذي تديره الصين، فيما أصدرت القاهرة سندات "باندا" لجمع ديون مقومة باليوان في الأسواق الصينية.

واتخذت العلاقة كذلك بعدا أمنيا. ففي مناورة "نسور الحضارة 2026"، قطعت مقاتلات صينية من طراز "جيه-16" أكثر من 6 آلاف كيلومتر إلى شمال أفريقيا المتوسطي للمرة الأولى.

وتكمل مصر حلقة البنية التحتية والتجارة في المشروع الأوراسي الصيني. فالممر القاري الممتد من شيآن عبر آسيا الوسطى إلى إيران وتركيا يحتاج إلى نقطة غربية تفتح على الأسواق الأوروبية والأفريقية. ومصر، بموقعها على قناة السويس، توفر هذه النقطة.

رويترز
سفينة تابعة لشركة "شيشي يونغيي" للشحن محمّلة بالحاويات تعبر قناة السويس في الإسماعيلية، مصر، في 25 نوفمبر 2025

وإذا كان مضيق هرمز والبحر الأحمر يمثلان ممرين يمكن لواشنطن وشركائها ممارسة الضغط عبرهما، فإن الرد الصيني يقوم على تعزيز البنية الصناعية والمالية عند طرفي الطريق، وتوسيع حركة التجارة بينهما.

ومن منظور بكين، تتجاوز أهمية مصر حدود سياسة الصين في الشرق الأوسط. فهي المرساة المتوسطية لمنظومة لوجستية أوراسية صممت للالتفاف على الهيمنة البحرية الأميركية، وتفتح في الوقت نفسه أبواب ثلاث قارات ترتبط بها الصين بعلاقات تجارية واستثمارية واسعة.

لماذا تفشل خطوة واشنطن الاستباقية

يكفي تأمل المسارات التي دفعت بها واشنطن بالتوازي خلال الأسبوع الماضي، ففي 25 أغسطس/آب، أطلقت وزارة الخزانة الأميركية ما سمته "يوم الإنزال الاقتصادي" ضد إيران وشركائها التجاريين، معلنة  أن أحدا ليس بمنأى عن العقوبات الأميركية، وبعد استهداف عشرات الكيانات الصينية، باتت مؤسسات مالية صينية تواجه خطر التعرض لمزيد من العقوبات.

وبعد ثلاثة أيام، جاء امتياز فنزويلا: اتفاق يمتد 100 عام يمنح الولايات المتحدة حصة فعلية تبلغ 55 في المئة من إنتاج احتياطيات تصل إلى 65 مليار برميل، وتولت التفاوض بشأنه وزارتا الخارجية والدفاع بعد 8 أشهر من سيطرة القوات الأميركية على نيكولاس مادورو. في المسار الأول، تقوم السياسة على الحرمان من الوصول، وفي الثاني على فرض السيطرة بالقوة.

ويكمن الخطأ الأعمق في المجال المالي، فقطع بنك صيني كبير عن نظام المقاصة بالدولار سيكون من أخطر الإجراءات الاقتصادية التي يمكن أن تتخذها واشنطن ضد بكين، وهو في الوقت نفسه من الأدوات التي تتحسب وزارة الخزانة كثيرا لاستخدامها. وحين سئل وزير الخزانة بيسنت لماذا لا يلجأ إلى أقوى أداة متاحة، جاء رده لافتا: "لماذا أرغب في تفجير النظام المالي العالمي؟" وفرض عقوبات على بنك صيني ذي أهمية نظامية قد يفضي تحديدا إلى هذه النتيجة، على أن تقع الصدمة قبل أسابيع فقط من قمة مرتقبة بين شي وترمب.

تتردد واشنطن في قطع بنك صيني كبير عن نظام الدولار خشية تفجير النظام المالي العالمي وردٍ صيني بالمعادن النادرة، فكلما لوّحت بالعقوبات تسارع بناء النظام القاري البديل باليوان خارج منظومتها

ويبرز قيد آخر لا يقل أهمية. تستطيع الصين الرد في مواضع انكشاف أميركي حقيقي. فما زالت بكين تهيمن على سلاسل توريد المعادن الأرضية النادرة التي تعتمد عليها صناعتا الدفاع والتكنولوجيا في الولايات المتحدة، وقد أظهرت من قبل استعدادها لاستخدام هذه الورقة، ومن المرجح أن تؤدي معاقبة بنك صيني كبير إلى رد انتقامي في هذا المجال.

كما يمنح التلويح بالعقوبات المالية الصين حافزا إضافيا للإسراع في تقليص اعتمادها على الدولار، فنظام المدفوعات بين المصارف عبر الحدود "CIPS" يربط اليوم نحو 1800 مؤسسة، وكان قد سوّى بحلول مارس/آذار 2026 معاملات سنوية باليوان تعادل 245 تريليون دولار. أما التجارة مع إيران فتجري بالفعل خارج نطاق الدولار، من خلال اليوان والمقايضة.

أ.ف.ب
قطار شحن محمّل بحاويات البضائع في السهوب قرب محطة السكك الحديدية في دوستيك على الحدود الكازاخية-الصينية، محور رئيسي للتجارة بين الصين وأوروبا عبر آسيا الوسطى، في 19 نوفمبر 2025

وفي كل مرة تلوح فيها وزارة الخزانة باستخدام نظام "سويفت" كسلاح، تجد دول أخرى سببا إضافيا لتحصين جزء من تجارتها المستقبلية عبر المسارات المالية التي توفرها بكين. وإذا استخدمت واشنطن أقوى أدواتها بالفعل، فقد تأتي النتيجة في الاتجاه المعاكس لما ترجوه، فتقدم دليلا طويل الأمد على أن دول الجنوب العالمي قادرة على تحمل العقوبات المالية الأميركية ومواصلة النمو مستفيدة من أنظمة بديلة.

رد بكين على واشنطن في بيشكيك

أولا، مأسسة البديل. يسهم بنك تنمية منظمة شنغهاي، إلى جانب توسيع التسويات بالعملات المحلية، في تحويل تجمع أوراسي فضفاض يضم عددا كبيرا من الأنظمة غير الليبرالية إلى كتلة اقتصادية إقليمية تعمل بدرجة متزايدة خارج نطاق الدولار، وبذلك تصبح العقوبات الأميركية المقبلة أقل فاعلية بحكم تصميم هذه المنظومة نفسها.

ثانيا، تثبيت الممر القاري من طرف إلى آخر. تعزز زيارة شي الرسمية إلى قرغيزستان العمود الفقري لممر السكك الحديدية الممتد نحو إيران وتركيا، وتؤمن مصر نقطة النهاية على البحر المتوسط، فيما تتوسط إيران الشبكة، وتساعد هذه البنية التحتية الصين على إبقاء جزء من تجارتها وإمداداتها بالطاقة جاريا إذا تعرضت طرقها البحرية للحصار.

ثالثا، كسب رواية العالم ما بعد الدولار. ومن خلال هذا الاصطفاف العلني لثلاثة من أكثر اقتصادات العالم تعرضا للعقوبات، بعد أيام قليلة من "يوم الإنزال" الذي أعلنته واشنطن، تستطيع بكين تصوير الضغط الأميركي كقوة تدفع الدول الخاضعة للعقوبات، أو المتوجسة منها، إلى مزيد من التقارب والاصطفاف.

وتكشف أيام بيشكيك والزيارات الرسمية الصينية التي تليها عن ملامح مشروع أوراسي قاري جديد، يتزايد اعتماده على التمويل والتسويات باليوان، وترتكز بنيته على السكك الحديدية وخطوط الأنابيب، فيما ترسم مساراته للالتفاف على الممرات المائية التي تراقبها البحرية الأميركية.

ولكن التحول الأوراسي لا يزال بعيدا عن الاكتمال. فما زالت الصين تستورد معظم نفطها بحرا، كما أن بيعها سندات الخزانة الأميركية أقرب إلى التحوط من المخاطر منه إلى تحد جيوسياسي مباشر. ولا تزال الطرق القطبية الشمالية الجديدة وممرات السكك الحديدية بين آسيا الوسطى وإيران تنقل أحجاما محدودة مقارنة بالتجارة البحرية، أما بنك تنمية منظمة شنغهاي، فيوصف بأنه "وشيك" منذ 15 عاما، ولا يزال يواجه الاعتراض الهندي.

رويترز
موظف يرتدي سترة تحمل شعار "غازبروم" أمام جزء من خط أنابيب الغاز "قوة سيبيريا" التابع للشركة في محطة ضغط أتامانسكايا قرب بلدة سفوبودني في أقصى شرق روسيا، في 29 نوفمبر 2019

وفي المقابل، تحولت القيود التي تفرضها واشنطن على وصول بعض الدول الأعضاء إلى رأس المال الأميركي والدولار والتجارة الدولية إلى واحدة من أنجع الأدوات التي تخدم مساعي الصين إلى استقطاب شركاء جدد.

وفي جغرافيا النفط والدولار والبنية التحتية لتجارة الطاقة، تبرز خلاصة واسعة الدلالة، فللمرة الأولى منذ 80 عاما، يتبلور نظامان متوازيان للتجارة والتمويل العالميين. أحدهما بحري، مقوم بالدولار وتموله الولايات المتحدة إلى حد كبير، والآخر قاري، يتوسع فيه استخدام العملات المحلية ويعتمد أساسا على التمويل الصيني.

وكلما استخدمت واشنطن قوة النظام الأول أداة للضغط، تسارعت وتيرة بناء النظام الثاني، وكلما ضيقت على وصول الصين إلى الطاقة والقنوات المالية، قدمت للعالم، من حيث لا تقصد، نموذجا لتجارة تستطيع تقليص اعتمادها على أميركا، وما كان في وسع بكين أن تصمم لنفسها ظروفا أكثر ملاءمة.

font change

مقالات ذات صلة