الرواية التي جعلت صفاء الخنوسي أشهر روائية هولندية شابة

روايتها "أوروبا" تنظر إلى القارة من جهة الهامش

غلاف "أوروبا"

الرواية التي جعلت صفاء الخنوسي أشهر روائية هولندية شابة

تنتمي رواية "أوروبا" Oroppa للكاتبة الهولندية المغربية الأصل صفاء الخنوسي إلى نوع من الروايات يجعل من التشوش طريقة في المعرفة. فمنذ صفحاتها الأولى، يتخلى السرد عن الطريق المستقيم، ويأخذ القارئ بين أمستردام وباريس وتونس والدار البيضاء، وبين شخصيات تتقاطع حيواتها من غير أن تنتظم بسهولة في حبكة تقليدية. في قلب هذا العالم تقف سالومي أبرجيل، الفنانة اليهودية المغربية ذات الماضي السياسي، التي تختفي في ذروة شهرتها، تاركة وراءها لوحات وأشباحا وذاكرة لا تخصها وحدها. ومن اختفائها تتشعب الحكايات، كأن الرواية لا تبحث عن شخص غائب بقدر ما تبحث عن تاريخ غائب.

صدرت الرواية الهولندية الأصلية عام 2024 عن دار "بلويم"، وسرعان ما تحولت إلى واحدة من أبرز ظواهر الأدب الهولندي المعاصر. ثم أخذت طريقها إلى لغات أخرى، من بينها الفرنسية التي صدرت طبعتها أخيرا عن دار "روبير لافون"، وقد ترجمتها فرنسواز أنطوان-موسيو. لكن هذه المسيرة ليست تفصيلا خارجيا في حياة الكتاب، فهي تكشف شيئا من المفارقة التي تصنع الرواية نفسها: كتاب عن أوروبا يكتبه صوت آت من تجربتين ثقافيتين، الهولندية والمغربية، ويعيد النظر في المركز الأوروبي من موقع من عاش داخله دون أن يتوقف عن النظر إليه من الخارج.

في نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2024، اختارت صحيفة "دي فولكسكرانت" الهولندية صفاء الخنوسي "الموهبة الأدبية لعام 2025"، كما اختارت روايتها "أوروبا" أفضل كتاب لعام 2024، في حين صنفها "هت بارول" أفضل عمل روائي في العام نفسه. وفي عام 2025، حصدت الرواية جائزة "دي بون" الفلمنكية لأفضل عمل أول في الأدب التخييلي أو غير التخييلي، قبل أن تتوج بجائزة "ليبريس" وهي أبرز جائزة أدبية في هولندا، في سابقة فريدة من نوعها، لأنها الرواية الأولى لكاتب أو كاتبة تفوز بهذه الجائزة. كما رشحت الخنوسي لجائزة أمستردام للفنون، في تأكيد مبكر للمكانة اللافتة التي احتلتها في المشهد الأدبي الهولندي.

أوروبا من وجهة نظر الشتات

العنوان هو المدخل الأول إلى هذا المشروع. فـ Oroppa هي النطق الدارج لكلمة "أوروبا" في اللغة العامية، أو الدارجة المغربية. تغيير صغير في الصوت، لكنه يغير زاوية النظر كلها. ليست أوروبا التي تنطق باسمها مؤسساتها وحدودها وتاريخها الرسمي، بل أوروبا كما تصل إلى لسان المهاجر، وإلى ذاكرة القادم من جنوب المتوسط، وإلى حياة الذين يعيشون فيها وهم يشعرون بأنهم ينتمون إليها بقدر ما يشعرون بأنها لا تزال غريبة عنهم. وفي حوار حديث لها، قالت الخنوسي إنها أرادت أن تكتب "رواية أوروبية عن أوروبا" من وجهة نظر الشتات المقيم على أرضها.

أوروبا في الرواية هي فضاء تتقاطع فيه ذاكرات متعددة، بعضها جاء من شمال أفريقيا، وبعضها من داخل القارة نفسها

لهذا السبب يصعب اختزال "أوروبا" في رواية عن الهجرة. فالهجرة موجودة في كل مكان تقريبا، لكنها ليست موضوعا منفردا بقدر ما هي حالة وجودية وتاريخية. تحمل شخصيات الرواية آثار الانتقال والمنفى والاقتلاع والبحث عن مكان، لكنها تحمل أيضا ما هو أقدم من تجربة الهجرة: تاريخ العنف السياسي والاستعمار والسجون والذاكرة العائلية والانقسامات التي تركتها الدولة الحديثة في أجساد الأفراد ووعيهم. لذلك فإن أوروبا في الرواية هي فضاء تتقاطع فيه ذاكرات متعددة، بعضها جاء من شمال أفريقيا، وبعضها من داخل القارة نفسها.

 ABDELHAK SENNA / AFP
سجن تازمامارت السابق في المغرب، أحد أبرز رموز القمع السياسي خلال "سنوات الرصاص"، 6 أكتوبر 2000

سالومي أبرجيل هي الشخصية التي تتجمع حولها هذه الخيوط. فكونها فنانة يهودية مغربية وناشطة سياسية سابقة يضعها عند تقاطع تواريخ غالبا ما جرى فصلها عن بعضها. تاريخ اليهود في شمال أفريقيا، وتاريخ المعارضة السياسية المغربية، وتاريخ المرأة، وتاريخ المنفى، كلها تدخل إلى الرواية من خلال شخصيتها. والخنوسي لا تستخدم سالومي لتقديم "هوية" جاهزة، بل تجعل منها شخصية مركبة، متناقضة، عصية على الاختزال. اختفاؤها نفسه يصبح صورة لما اختفى من الذاكرة الجماعية. وقد ربطت الكاتبة شخصيتها بمحو وجوه النساء من التاريخ، بما في ذلك من سرديات اليسار والحركات الديمقراطية في شمال أفريقيا، كما شددت على إغفال حضور اليهود المغاربة في تاريخ المعارضة السياسية بعد الاستقلال.

هنا تتخذ الرواية بعدا تاريخيا واضحا. فشخصية يوسف السلاوي، المعروف بـ"الحاج"، تستعيد عالم السجون السرية والتعذيب خلال سنوات الرصاص في المغرب، بينما ترتبط شخصيات أخرى بباريس وتونس وأمستردام. لكن التاريخ عند الخنوسي يمثل قوة حية تستمر في تشكيل الحاضر. كما أن الماضي لا ينتهي لأن الدولة أعلنت نهاية مرحلة، ولا لأن الضحية غادرت المكان الذي تعرضت فيه للعنف. فهو يعود في هيئة كوابيس، وعلاقات، وأجساد، وأفعال لا يفهم أصحابها دائما مصدرها. وهذا أحد أقوى جوانب الرواية: تحويل التاريخ السياسي إلى تجربة نفسية وأخلاقية.

سؤال السلطة

من هنا أيضا تأتي أهمية سؤال السلطة: ما الذي يجعل إنسانا عاديا يرتكب فعلا لم يكن يتصور أنه قادر على ارتكابه؟ وما الذي يجعل آخر يرفض الانخراط في النظام حتى عندما يكون الثمن باهظا؟ لا تقدم الرواية إجابات أخلاقية جاهزة. الجلاد ليس مجرد وحش خارج المجتمع، والضحية ليست مجرد صورة نقية للبراءة. إنهما نتاج شبكة من المؤسسات والظروف والاختيارات والخوف والرغبة في النجاة. هذه النظرة تتصل باهتمام الخنوسي الفكري بموضوع السلطة والسجن وإعادة التفكير في أنظمة العقاب من منظور مناهض للاستعمار، وهو مجال دراستها الأكاديمية في الفلسفة السياسية.

لكن القيمة الأبرز في الرواية تكمن في الطريقة التي تتحول بها هذه الأفكار إلى شكل روائي. فهي تنسج شبكة من الحكايات والأصوات. شخصية تحكي قصة شخصية أخرى، وهذه الأخيرة تستدعي حكاية ثالثة، ثم تنفتح الحكاية على ذاكرة أو اعتراف أو واقعة بعيدة. الأسماء نفسها لا تمنح القارئ دائما خيطا ثابتا، إذ يكتفي السرد أحيانا بضمير هو أو هي، قبل أن تتضح الهوية في وقت لاحق. لذلك وصف أحد النقاد الرواية بأنها متاهة سردية لا تكتمل فيها قطع الأحجية تماما.

هناك أوروبا المهاجر، وأوروبا المنفي، وأوروبا الفنان، وأوروبا الهامشي، وأوروبا التي يصل إليها المرء حاملا ماضيه ولا يعرف كيف يتخلص منه

هذا التفكك هو جزء من معنى الرواية. فإذا كان التاريخ الرسمي يبني نفسه على وحدة الأمة، ووحدة الحكاية، ووحدة الهوية، فإن الخنوسي تفعل العكس: تضع أمام القارئ عالما لا يمكن رده إلى صوت واحد. في هذا العالم، لا توجد أوروبا واحدة، ولا مغرب واحد، ولا هوية واحدة. هناك أوروبا المهاجر، وأوروبا المنفي، وأوروبا الفنان، وأوروبا الهامشي، وأوروبا التي يصل إليها المرء حاملا ماضيه ولا يعرف كيف يتخلص منه. لذلك يصبح تعدد الأصوات شكلا من أشكال المقاومة الجمالية لفكرة الرواية الواحدة عن العالم. وقد أكدت الخنوسي نفسها أن "أوروبا" ترفض "طغيان الحبكة" التقليدية ببداية ووسط ونهاية، وتحتفي بدلا من ذلك بقوة الحكاية وتعددها.

 ANGELOS TZORTZINIS / AFP
فتاة تنتظر ملء زجاجات بالمياه قرب مخيم موقت للمهاجرين في جزيرة ليسبوس اليونانية، 16 سبتمبر 2020

لغة مكثفة وابتكارات

إن أسلوب الخنوسي بالغ الكثافة ومندفع ومحمل بالصور والاستطرادات. تكتب بجملة يمكن أن تنتقل في لحظة واحدة من الشارع إلى الذاكرة، ومن السخرية إلى المأساة، ومن اللغة اليومية إلى نبرة شعرية. في مراجعات هولندية عدة، لفت النقاد إلى هذا المزج بين اللغة الشارعية والشعر، وإلى الطاقة التصويرية الكبيرة التي تمنح الشخصيات حضورا سينمائيا.

ولعل أجمل ابتكاراتها مفهوم "المقاطعة الحادية العشرون"،  المكان المتخيل الذي يجتمع فيه الخاسرون والمهمشون والمنفيون فيتحول إلى ما يشبه المدينة المضادة: مكان لا تمنحه الدولة ولا تعترف به الخرائط، لكنه ينشأ من حاجة البشر إلى عالم آخر. في هذا الحيز يعيش أولئك الذين لم يجدوا مكانا مناسبا لهم في النظام الاجتماعي القائم، فيصنعون أساطيرهم وثقافتهم المضادة. وقد ربطت الخنوسي هذا المكان بما سماه إدواردو غاليانو "الماركسية السحرية": مزيج من العقل والعاطفة والغموض.

وإذا كان هناك بطل حقيقي للرواية، فإنه ليس سالومي ولا هند ولا إيراد ولا يوسف، بل الهامش نفسه. هؤلاء الذين يمرون عادة في الأدب الأوروبي بوصفهم شخصيات ثانوية، تجعلهم الخنوسي مركز العالم. المهاجر ليس "موضوعا" تتأمله الرواية من الخارج، والمجرم ليس مجرد شخصية ينبغي إدانتها، واللاجئ ليس رقما إحصائيا، والمرأة ليست هامشا في تاريخ الرجال. كل شخصية تحمل معها تاريخا آخر لأوروبا. وهنا تتضح أهمية موقع الخنوسي في الأدب الهولندي. فهي لا تضيف ببساطة "صوتا مغربيا" إلى أدب هولندي قائم، لأن ذلك سيعيد إنتاج منطق المركز والهامش. ما تفعله أكثر جذرية: إنها تعيد تعريف ما يمكن أن تكونه الرواية الأوروبية أصلا.

REUTERS/Yara Abi Nader
أشخاص يجلسون أمام مطعم "حمص وحبايب» في أمستردام، هولندا، 6 يونيو 2025

في حوارها المنشور بمناسبة صدور الترجمة الفرنسية، قالت إنها أرادت تجاوز الصورة الكاريكاتورية للمغاربي في الغرب بوصفه "عاملا مهاجرا" وحسب، واستعادة العمق التاريخي والسياسي لأجيال ما بعد الاستعمار. لذلك تبدو "أوروبا" أقرب إلى رواية أوروبية جديدة منها إلى رواية هجرة بالمعنى التقليدي. إنها تسأل: من يملك حق تعريف أوروبا؟ هل أوروبا هي ما تقوله الدول الأوروبية عن نفسها، أم مجموع القصص التي تراكمت داخلها، بما فيها القصص التي حاولت طويلا إخفاءها؟ وإذا كانت القارة قد تشكلت أيضا عبر الاستعمار والهجرة والاقتلاع، فهل يمكن كتابة تاريخها من دون أصوات الذين جاءوا من مستعمراتها السابقة؟

أولئك الذين ظلوا طويلا على هامش حكاية أوروبا قد يكونون الأقدر على النظر إليها بعمق وتجرد

أخيرا، تكمن قوة الرواية في أنها لا تحاول أن تجعل العالم منسجما كي يصبح قابلا للفهم. إنها تقترح العكس: ربما لا نفهم العالم إلا حين نقبل بتعدده، وبأصواته المتعارضة، وبذاكراته التي لا تتطابق. أوروبا التي ترسمها صفاء الخنوسي هي تلك التي تظهر في الأقبية والحانات والمطارات والسجون والبيوت المهجورة، في حياة أولئك الذين عبروا إليها، وفي حياة الذين اكتشفوا أن العبور لا ينتهي أبدا.

ومن هنا يمكن فهم نجاح الرواية، إذ وجدت الخنوسي شكلا روائيا يوازي الفكرة التي تريد قولها. عالم منقطع الأوصال يحتاج إلى سرد متشعب، وتاريخ مكتوب من وجهة نظر الخاسرين يحتاج إلى أصوات كثيرة، وقارة لا يمكن اختزالها في هوية واحدة تحتاج إلى رواية ترفض الوحدة. لهذا فـ"أوروبا"، هي رواية عن اكتشاف أن أوروبا نفسها مكان غير مكتمل، وأن الذين ظلوا طويلا على هامش حكايتها قد يكونون هم الأقدر على النظر إليها بعمق وتجرد.

font change

مقالات ذات صلة