آن سكستون... رسالة حب في مبنى يحترق

أعمالها المنشورة بعد رحيلها تضيء جانبا آخر من صوتها

AP Photo
AP Photo
الشاعرة الأميركية آن سكستون

آن سكستون... رسالة حب في مبنى يحترق

هناك شعراء يظلون حاضرين بعد رحيلهم من خلال مسودات ودفاتر ونصوص لم تنته رحلتها بعد. يصبح نشر تلك الأعمال بعد الموت مسألة أدبية شائكة: إلى أي حد تمثل القصيدة التي لم يمنحها صاحبها صيغتها الأخيرة إرادته الشعرية؟ وأين تنتهي يد الشاعر لتبدأ يد الورثة والمحررين؟ ثم ماذا تضيف النصوص المستعادة بعد عقود إلى صورة ظننا أننا نعرف ملامحها؟

تستعيد هذه الأسئلة راهنيتها مع صدور الترجمة الفرنسية لكتاب الشاعرة الأميركية آن سكستون "رسالة حب مكتوبة في مبنى يحترق" عن دار "نساء – أنطوانيت فوك"، بترجمة سابين هوينه. مجلد يجمع أعمالا شعرية صدرت بين عامي 1976 و1978، بعد رحيل سكستون، وقصائدها الأخيرة، إلى جانب خمسة نصوص شعرية شبابية ومقالة أدبية ظلت مجهولة زمنا طويلا. وبذلك يتيح الكتاب قراءة الشاعرة من نهاياتها وبداياتها في آن، وكأن الزمن الذي يفصل بينهما قد انطوى داخل كتاب واحد.

ولدت آن سكستون عام 1928 ورحلت عام 1974، بعدما أصبحت أحد أبرز الأصوات المرتبطة بما سمي "الشعر الاعترافي" في أميركا. غير أن هذا التصنيف، على فائدته التاريخية، يبدو أضيق من عالمها. فقد جعلت هذه الشاعرة حياتها مادة للقصيدة، لكنها لم تنقلها كما تنقل الوقائع إلى دفتر يوميات. فالجسد، والمرض النفسي، والأمومة، والزواج، والرغبة، والموت، والعلاج، والدين، والخوف تتحول لديها إلى صور واستعارات ومشاهد تتجاور فيها القسوة والسخرية، ويصبح البوح عملية إعادة ابتكار للذات بواسطة اللغة.

تمشي داخل حلم

يشكل "45، شارع الرحمة"، الصادر للمرة الأولى عام 1976، النواة الأولى للكتاب. وقد تركت سكستون مخطوطه وراءها بعدما اعتبرته منجزا، مع أنها واصلت تنقيحه حتى الأشهر الأخيرة من حياتها. وتشير ابنتها ليندا غراي سكستون، التي تولت إعداد المجموعة للنشر، إلى أن والدتها اعتادت مراجعة قصائدها بلا هوادة، وأنها لم تجد الوقت هذه المرة لإنجاز مرحلة الصقل الأخيرة. لذلك جرى الحفاظ قدر الإمكان على النص الأصلي، واقتصرت التدخلات أساسا على ترتيب بعض القصائد.

يحمل العنوان منذ البداية مفتاحا إلى عالم المجموعة. ففي قصيدة "45، شارع الرحمة"، تمشي الشاعرة داخل حلم بحثا عن عنوان تعرفه جيدا ولا تستطيع العثور عليه. البيت موجود في الذاكرة: الأثاث، الأم والجدة والجدة الكبرى، الخدم، الطاولة، التفاصيل الصغيرة التي يفترض أن تجعل المكان قابلا للاستعادة. ومع ذلك يظل الشارع غائبا.

عندها مأوى وجرح في الوقت نفسه والذاكرة تحفظ الأشياء لأنها عاجزة عن إعادتها

إنها صورة شديدة الدلالة على شعر سكستون المتأخر: البحث عن مكان ضائع داخل الذات. فالبيت عندها مأوى وجرح في الوقت نفسه، والذاكرة تحفظ الأشياء لأنها عاجزة عن إعادتها. ومن هنا تتكاثر صور العائلة والطفولة والأمومة والزواج والانفصال، كأن القصيدة تحاول العثور على عنوان داخلي للذات بعدما فقدت خرائطها القديمة.

AP Photo
الشاعرة الأميركية آن سكستون

وتحضر العائلة بوصفها شبكة معقدة من الحب والخوف والذنب. الأمومة، مثلا، بعيدة عن الصورة المثالية المطمئنة. الأم تحب أولادها وتدرك في الوقت ذاته عجزها عن حمايتهم. وفي "الأمهات الدجاجات" يتحول القلق على الأولاد إلى حالة جسدية تكاد تلتهم الأمهات أنفسهن. أما في "الدمى الساقطة"، فتتساقط الدمى من السماء بلا أم تحتضنها، قبل أن يقود السؤال إلى احتمال أكثر رعبا: أن نكون نحن أنفسنا تلك الكائنات التي ولدت من دون أن تغذى.

تمزق الجسد

لا توجد لدى سكستون منطقة آمنة تفصل الجسد عن النفس. فالجسد يتكلم حين تعجز اللغة، ويمرض ويشتهي وينزف ويشيخ ويتذكر. لذلك تبدو استعاراتها أحيانا صادمة في ماديتها: أعضاء، دم، عظام، طعام، حشرات، حيوانات وأشياء منزلية تدخل جميعها في مختبر شعري غريب، حيث يمكن للعضو البشري أن يصبح شيئا، وللشيء أن يكتسب جسدا.

يتجلى ذلك بصورة لافتة في قسم "حيوانات الولايات المتحدة"، حيث يتحول الخفاش والخنزير والنيص والدبور والحلزون والحوت والحصان وغيرها إلى مرايا مشوهة للذات وللمجتمع الأميركي. الحيوان هنا ليس موضوعا خارجيا تتأمله الشاعرة. إنه قرين يحمل خوفها وشهوتها واغترابها وإحساسها بالموت. وفي هذا العالم الحيواني، تمتزج المخيلة الطفولية بالسخرية السوداء، ويصبح المألوف كائنا غرائبيا بمجرد أن تمر عليه عين سكستون.

وتبلغ هذه الكتابة ذروة أخرى حين تصل إلى الزواج وانهياره. ففي قسم "أوراق الطلاق"، يتحول الانفصال إلى تمزيق جسدي للذاكرة المشتركة، ويبقى الحب، رغم انتهاء العلاقة، ملتصقا بالأشياء والحركات والعادات، فيما تتعايش الرغبة في التخلص منه مع الحنين إليه. وفي قصيدة "الطلاق"، تستعيد الشاعرة التفاصيل المنزلية الحميمة، من ارتداء الزوج ثيابه صباحا إلى تلميع حذائه، فتغدو الأشياء التي تبدو تافهة مستودعات لذاكرة لا تستجيب لقرار الانفصال.

موت

يصعب الاقتراب من شعر سكستون من دون مواجهة الموت الذي رافق كتابتها طويلا. لكن قراءة قصائدها انطلاقا من انتحارها وحده تلحق بها ظلما نقديا فادحا، لأنها تجعل النهاية تبتلع العمل كله. فالموت في هذه النصوص أوسع من واقعة السيرة. إنه مخاطب، وإغواء، وفكرة، وصورة، وأحيانا مادة ساخرة تقلب الشاعرة بها الخوف إلى لعبة لغوية مرعبة.

يتحول الانفصال إلى تمزيق جسدي للذاكرة المشتركة، ويبقى الحب، رغم انتهاء العلاقة، ملتصقا بالأشياء والحركات والعادات

يتضح ذلك خصوصا في "كلمات للدكتور ي."، المجموعة التي لم تراجعها سكستون بنفسها، والتي تضم في قسمها الأول نصوصا كتبت بين 1960 و1970 وكانت قد خصصتها لنشر لاحق. ويكشف الحوار مع الطبيب عن إحدى السمات الجوهرية في شعرها: انتقال التجربة النفسية من فضاء العلاج إلى فضاء اللغة. فالقصيدة تصبح جلسة أخرى، لكنها جلسة تمتلك فيها الشاعرة الكلمات وتعيد ترتيب علاقتها بمرضها وموتها وذكرياتها.

غلاف الترجمة الفرنسية لكتاب "رسالة حب مكتوبة في مبنى يحترق"

واللافت أن الموت لا يستأثر بالمشهد. ففي أحد النصوص، يغدو لمس اليد "ثورة"، وتعود عبره صور الأب والأم والأخت، ثم تعلن الذات فرحها بأقمشة الحياة وبالملاءات المغسولة المعلقة في الهواء. هذه الانتقالات الحادة من الرغبة في الفناء إلى التعلق بأبسط مظاهر الوجود تمنع شعر سكستون من الاستقرار في نبرة واحدة.

وهنا تكمن ربما قوته الأكثر إرباكا: الحياة والموت ليسا عالمين منفصلين. كلاهما يتسلل إلى الآخر، حتى تصبح الرغبة في الحياة قادرة على الظهور في قلب القصيدة الأكثر قتامة، ويختبئ الموت أحيانا داخل مشهد منزلي بالغ الصفاء.

نار

تمنح القصائد الأخيرة الكتاب ثقلا خاصا، لأنها كتبت بين مارس/ آذار وأكتوبر/ تشرين الأول 1974، عام رحيل سكستون. ومع ذلك، ينبغي مقاومة إغراء قراءتها بوصفها سلسلة إشارات تقود حتما إلى النهاية. فقيمتها تكمن أيضا في الطاقة التخيلية التي ظلت تعمل حتى اللحظات الأخيرة.

ومن هذه النصوص تأتي القصيدة التي منحت الطبعة الفرنسية عنوانها، "رسالة حب مكتوبة في مبنى يحترق"، المؤرخة في 27 سبتمبر/ أيلول 1974. قصيدة يشتعل المكان فيها، وتحاول الكلمات النجاة، وبينما تكتب المرأة رسالتها الأخيرة وسط الدخان، آملة أن تبقى القصائد في مكان يحميها من الحريق، يتحول الحب نفسه إلى احتراق.

ويضيف القسم الأخير مفاجأة أخرى، إذ يضم خمس قصائد شبابية ومقالة أدبية تعود غالبيتها إلى 1957-1959، وقد اكتشف باحثان قسما منها في الأرشيف الرقمي عام 2018. نصوص تتجاوز أهميتها الفضول التوثيقي، لأنها تتيح مراقبة صوت في طور التكون، قبل أن تستقر السمات التي ستجعل سكستون واحدة من أبرز شاعرات جيلها.

كانت تعرف أن البوح وحده لا يصنع قصيدة. ولذلك لم تضع حياتها على الصفحة كما حدثت، بل مررتها عبر موشور الخيال حتى أصبحت أغرب وأكثر قسوة وجمالا

هكذا يرسم الكتاب قوسا زمنيا غريبا، إذ نصل إلى الشاعرة الشابة بعدما قرأنا المرأة التي كانت تقترب من نهاية حياتها، فتصبح البداية، بهذا الترتيب، خاتمة أخرى، ويكتشف القارئ أن بعض البذور الجمالية التي ستنمو لاحقا كانت موجودة منذ وقت مبكر: العين التي ترى الغرابة في اليومي، الحس الجسدي للصورة، والتوتر بين الخارج وما تخفيه الذات.

Getty Images
الشاعرة الأميركية آن سكستون

في المحصلة، تكمن أهمية "رسالة حب مكتوبة في مبنى يحترق" في أنه يعيد فتح عالم آن سكستون من أكثر من باب. فنحن أمام شعر بلغ نضجه، ونصوص لم تحظ بالصياغة الأخيرة التي ربما كانت الشاعرة ستمنحها إياها، وقصائد نهائية، ثم بدايات عادت إلى الضوء بعد عقود. وبين هذه الطبقات تظهر استمرارية مدهشة: إصرار على تحويل أكثر التجارب خصوصية إلى مادة تستطيع مغادرة السيرة الفردية والوصول إلى الآخرين.

كانت سكستون تعرف أن البوح وحده لا يصنع قصيدة. ولذلك لم تضع حياتها على الصفحة كما حدثت، بل مررتها عبر موشور الخيال حتى أصبحت أغرب وأكثر قسوة وجمالا. البيت والجسد والسرير والطبيب والأم والطفل والحيوان والله والموت، كلها تدخل قصيدتها لتخرج منها وقد فقدت معناها المألوف.

وربما لهذا لا تبدو هذه الأعمال، بعد نصف قرن من رحيل سكستون، أوراقا أخرجها الناشر من أرشيف شاعرة ميتة. إنها صوت يصل إلينا من ذلك "المبنى المحترق" الذي يمنح الطبعة الفرنسية عنوانها. صوت يعرف أن النار تلتهم كل شيء تقريبا، ومع ذلك يواصل الكتابة، كأن القصيدة هي الورقة الوحيدة التي يمكن أن تنجو من الحريق.

font change

مقالات ذات صلة