السعودية تبني منظومة ذكاء اصطناعي متعددة الموردين... كيف؟

بين واشنطن وباريس...تسعى الرياض إلى منع تحول اعتمادها الخارجي إلى أداة ضغط استراتيجية، وتعزيز موقفها التفاوضي بقدرات حاسوبية محلية وشركاء متنوعين

Al Majalla
Al Majalla

السعودية تبني منظومة ذكاء اصطناعي متعددة الموردين... كيف؟

خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لفرنسا يومي 23 و24 أغسطس/آب 2026، برز الذكاء الاصطناعي باعتباره واحدا من أكثر ملفات التعاون دلالة على الطريقة التي تريد بها الرياض بناء موقعها في الاقتصاد التكنولوجي الجديد.

وكان أبرز ما أعلن، شراكة استراتيجية بين شركة "هيوماين" السعودية و"ميسترال" الفرنسية للذكاء الاصطناعي، تشمل تطوير البنية التحتية، وتوطين النماذج المتقدمة، وبناء نماذج قوية باللغة العربية، إلى جانب تطبيقات في الأمن السيبراني والصوت. وقالت "ميسترال" إن حجم التعاون يمكن أن يصل إلى مئات الملايين من اليوروهات، كما ستدرس استخدام مراكز بيانات "هيوماين" لتلبية احتياجاتها المتزايدة من القدرة الحاسوبية في السعودية والمنطقة.

لكن أهمية الاتفاق تتجاوز قيمته المالية أو المشروعات التي قد تنتج منه، لأنه يأتي ضمن توجه سعودي أوسع يقوم على توزيع مكونات منظومة الذكاء الاصطناعي بين أكثر من شريك، بدل الاعتماد الكامل على دولة أو شركة واحدة.

فالسعودية لا تزال تحتاج إلى الولايات المتحدة في أكثر أجزاء السلسلة حساسية، خصوصا الرقائق المتقدمة والحوسبة السحابية والبنية التحتية، لكنها تستطيع في الوقت نفسه تنويع شركائها في تطوير النماذج والبرمجيات والتطبيقات والتشغيل المحلي. ومن هنا لا تبدو "ميسترال" بديلا من "إنفيديا" أو "إيه إم دي" أو "أمازون"، بقدر ما تمثل طبقة إضافية داخل منظومة تريد الرياض أن تكون متعددة الموردين وأقل تعرضا لنقطة اختناق واحدة.

إدارة مخاطر الاعتماد

بالنسبة للسعودية، فإن بناء صناعة للذكاء الاصطناعي يفترض أن تستمر لعقود يجعل مسألة استقرار الوصول إلى التكنولوجيا لا تقل أهمية عن امتلاك التكنولوجيا نفسها. فالرقائق المتقدمة والنماذج الكبرى ومراكز البيانات لم تعد سلعا تتحرك وفق السعر والطلب فقط، وإنما أصبحت خاضعة بدرجة متزايدة لاعتبارات الأمن القومي وقيود التصدير والتحالفات السياسية.

REUTERS
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو، يحضرون الحفل الختامي لكأس العالم للرياضات الإلكترونية في "غران باليه" بباريس، فرنسا

ولذلك فإن اعتماد مشروع طويل المدى على دولة واحدة يعني، عمليا، أن جزءا من مستقبله سيظل مرتبطا بقرارات تنظيمية وسياسية تتخذ خارج المملكة، وقد تتغير أسرع كثيرا من الخطط الاستثمارية التي تحتاج إلى سنوات حتى تكتمل.

وقدمت الولايات المتحدة مثلا واضحا على هذا النوع من المخاطر خلال عام 2025. ففي 13 يناير/كانون الثاني أعلنت إدارة جو بايدن إطارا جديدا لتصدير الرقائق المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، كان سيضع سقوفا وقيودا متفاوتة على قدرة دول العالم على الوصول إلى الحوسبة الأميركية المتقدمة، وكان من المقرر أن تبدأ متطلبات أساسية في القاعدة في 15 مايو/أيار.

ما يمنح السعودية مساحة أكبر لتنويع علاقاتها أنها لا تدخل سباق الذكاء الاصطناعي بوصفها مستهلكا للتكنولوجيا فقط، وإنما تمتلك عناصر أصبحت شديدة القيمة مع توسع الصناعة عالميا.

قبل يومين فقط من موعد تطبيق القيود الأميركية الجديدة على تصدير تقنيات الذكاء الاصطناعي، ألغتها إدارة دونالد ترمب، مما أظهر للسعودية مدى سرعة تغير القواعد التي تحكم الوصول إلى التكنولوجيا. لكن هذا لا يعني أن الرياض تتحرك بعيدا من الولايات المتحدة. ففي مايو/أيار 2025 وقعت "هيوماين" اتفاقات ضخمة مع "إنفيديا" و"إيه إم دي" و"أمازون ويب سيرفيسز" لتوسيع الحوسبة ومراكز البيانات داخل المملكة، ثم توسعت الشراكة السعودية-الأميركية في نوفمبر/تشرين الثاني لتشمل أشباه الموصلات والبنية التحتية والتطبيقات والاستثمارات.

في المقابل، لا تعتمد العلاقة على حاجة السعودية إلى التكنولوجيا الأميركية وحدها. فالولايات المتحدة وشركاتها تحتاج أيضا إلى السوق السعودية، بما تملكه من طاقة وأراضٍ ورأس مال وموقع جغرافي يسمح ببناء مراكز بيانات تخدم المنطقة والعالم. وقد ارتفعت القدرة التشغيلية لمراكز البيانات في المملكة من نحو 68 ميغاواط في 2021 إلى قرابة 467 ميغاواط في الربع الأول من 2026.

هذا التحول يمنح الرياض وزنا أكبر على طاولة المفاوضات. فهي لم تعد مجرد مشترٍ للنماذج أو الخدمات السحابية، بل تستطيع تقديم بنية حاسوبية وطاقة وتمويل وسوق إقليمية واسعة. وكلما توسعت هذه القدرات، ازدادت قدرتها على جذب شركاء متعددين، والتفاوض على نقل المعرفة والتوطين وشروط أفضل للوصول إلى التكنولوجيا.

تضيف "ميسترال" ميزة أخرى ذات أهمية استراتيجية للسعودية، وهي إمكان تشغيل نماذجها داخل البنية التحتية التي يختارها العميل، بما في ذلك مراكز البيانات المحلية

تكمن أهمية "ميسترال" بالنسبة الى "هيوماين" في أنها تضيف طبقة لا توفرها الاستثمارات في الرقائق ومراكز البيانات وحدها. فامتلاك آلاف وحدات معالجة الرسوميات لا يعني تلقائيا امتلاك نماذج قادرة على فهم متطلبات المؤسسات السعودية أو العمل على بياناتها الداخلية. وهنا تبرز أدوات "ميسترال" التي تسمح ببناء وتخصيص نماذج مؤسسية اعتمادا على معرفة الجهة نفسها. ومن أبرز الأمثلة منصة Forge التي تتيح تدريب أو تكييف نماذج على البيانات والسياسات والإجراءات وقواعد المعرفة الداخلية، بدل الاعتماد الكامل على نموذج عام جرى تدريبه في الأساس على بيانات واسعة متاحة للجمهور.

ويصبح هذا الإمكان أكثر أهمية في قطاعات مثل الطاقة والبنوك والاتصالات والجهات الحكومية، لأن احتياجاتها تختلف عن الاستخدام الاستهلاكي العام للذكاء الاصطناعي. فالوزارة تحتاج إلى نموذج يفهم اللوائح والإجراءات وسير العمل الداخلي، والبنك يحتاج نظاما يعرف السياسات والمنتجات ومتطلبات الامتثال، بينما تحتاج شركة الطاقة إلى نموذج قادر على التعامل مع الوثائق الفنية والبيانات التشغيلية المتخصصة. ومن هذه الزاوية، يصبح التوطين أعمق من مجرد تحسين أداء النماذج باللغة العربية؛ فهو يتعلق أيضا ببناء أنظمة تفهم المعرفة المحلية والمؤسسية وتعمل ضمن قواعدها بدل إرسال كل شيء إلى خدمات خارجية عامة.

تضيف "ميسترال" ميزة أخرى ذات أهمية استراتيجية للسعودية، وهي إمكان تشغيل نماذجها داخل البنية التحتية التي يختارها العميل، بما في ذلك مراكز البيانات المحلية. وهذه النقطة تزداد أهميتها مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب المحدودة إلى الاستخدام داخل الحكومة والشركات. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025 أعلنت "هيوماين" نشر منتج "هيوماين وان" في عدد من الجهات الحكومية، ثم أبرمت في مايو/أيار 2026 شراكة مع "أكسنتشر" لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات والانتقال من المشروعات التجريبية إلى أنظمة مرتبطة بصورة مباشرة بالعمليات اليومية وصنع القرار وتقديم الخدمات.

REUTERS
شريحة "انفيديا" الجديدة الفائقة واللوحة خلال مؤتمر "انفيديا" العالمي للذكاء الاصطناعي

ومع هذا التحول تصبح الأسئلة المتعلقة بمكان وجود البيانات ومن يسيطر على النموذج وكيفية تحديثه وتشغيله أكثر أهمية من مجرد المقارنة بين درجات النماذج في الاختبارات. فالنموذج الحكومي أو المصرفي لا يحتاج فقط إلى أن يكون ذكيا، وإنما إلى أن يعمل داخل متطلبات أمنية وتنظيمية واضحة، وأن تحتفظ المؤسسة بقدر أكبر من التحكم في بياناتها وبنيتها التقنية. ولهذا فإن قيمة "ميسترال" بالنسبة إلى "هيوماين" ترتبط بقدرتها على الجمع بين النماذج المتقدمة والتشغيل المحلي والتخصيص المؤسسي، وهي عناصر تدخل مباشرة في مفهوم أوسع للذكاء الاصطناعي السيادي.

منافسة الشركات الأميركية

في المقابل، تحتاج "ميسترال" إلى ما تستطيع السعودية تقديمه بالقدر نفسه تقريبا. فمنافسة الشركات الأميركية الكبرى لا تعتمد على جودة النماذج وحدها، وإنما تحتاج إلى كميات هائلة من الحوسبة والطاقة ورؤوس الأموال، وهي موارد تمتلكها شركات مثل "أوبن إيه آي" و"غوغل" و"أنثروبيك" عبر شراكات عميقة مع شركات السحابة ومصنعي الرقائق. بالنسبة لشركة أوروبية أصغر، فإن الوصول إلى بنية حاسوبية واسعة وتمويل طويل الأجل وأسواق حكومية وتجارية كبيرة، يمكن أن يكون عاملا حاسما في قدرتها على الاستمرار في المنافسة وتطوير أجيال أكثر قوة من نماذجها.

ولهذا نص اتفاق "هيوماين" و"ميسترال" نفسه على أن الشركة الفرنسية ستدرس استخدام مراكز البيانات السعودية لتلبية جزء من احتياجاتها المتزايدة من القدرة الحاسوبية في المملكة والمنطقة. كما أن "هيوماين" تمنح "ميسترال" مدخلا مباشرا إلى السوق السعودية والخليجية، وخصوصا الجهات الحكومية والشركات الكبرى التي يصعب أحيانا على شركة أوروبية دخولها بالسرعة نفسها بمفردها. وبذلك تقوم العلاقة على تبادل واضح للمزايا: "ميسترال" تقدم النماذج والخبرة في التخصيص والتشغيل المحلي، بينما تقدم "هيوماين" الحوسبة والطاقة ورأس المال والعلاقات بالسوق.

الحساب الأميركي لا يتعلق كذلك بحصة شركة بعينها، بل بموقع السعودية داخل الخريطة التكنولوجية العالمية

قد يبدو توسع "ميسترال" في السعودية خسارة للشركات الأميركية، لكن صناعة الذكاء الاصطناعي تقوم على طبقات مترابطة. فقد تستخدم جهة سعودية نموذجا فرنسيا يعمل داخل مراكز بيانات تعتمد على رقائق "إنفيديا" أو "إيه إم دي" وتقنيات أميركية أخرى، مما يعني أن خسارة شركة أميركية في طبقة النماذج قد تقابلها مكاسب أميركية في الحوسبة والبنية التحتية.

كما أن انتشار نماذج "ميسترال" قد يزيد الطلب على الرقائق ومراكز البيانات والخدمات السحابية. لذلك لا يمثل التعاون السعودي-الفرنسي بالضرورة لعبة صفرية، بل قد يوسع السوق ويعيد توزيع القيمة بين الشركات عبر طبقات مختلفة من منظومة الذكاء الاصطناعي.

لا يتعلق الحساب الأميركي كذلك بحصة شركة بعينها، بل بموقع السعودية داخل الخريطة التكنولوجية العالمية. فمن منظور واشنطن، يظل تعاون الرياض مع شركة فرنسية مثل "ميسترال" مختلفا بدرجة كبيرة عن انتقالها إلى شركات صينية في الرقائق أو الحوسبة أو النماذج الحساسة. فرنسا حليف غربي، و"ميسترال" جزء من بيئة تكنولوجية أوروبية تعتمد بدورها على سلاسل توريد غربية في أجزاء مهمة من بنيتها. ولذلك قد تكون واشنطن مستعدة لقبول درجة أكبر من المنافسة الأوروبية إذا كان البديل هو توسع نفوذ شركات صينية داخل البنية الرقمية السعودية.

ومن هنا يمكن فهم التنويع السعودي باعتباره محاولة لزيادة الخيارات من دون مغادرة المنظومة الغربية التي تحصل منها المملكة على أكثر التقنيات تقدما. فالرياض تستطيع استخدام "ميسترال" لتقليل اعتمادها على عدد محدود من مقدمي النماذج الأميركيين، مع استمرار اعتمادها على الرقائق الأميركية والبنية التحتية المرتبطة بها. وتمنح هذه المعادلة السعودية مساحة أكبر للمناورة، بينما تبقي العلاقات التكنولوجية الأساسية داخل دائرة شركاء ترى واشنطن أنهم أقل خطورة من المنافسين الصينيين في سياق الصراع الأوسع على الذكاء الاصطناعي.

REUTERS
ليزا سو، الرئيسة التنفيذية لشركة AMD، تحمل وحدة معالجة الرسوميات متطورة من إنتاج شركتها

الفارق الأساس هنا هو أن السعودية لا تبدو في صدد استبدال تحالف تكنولوجي أميركي بتحالف فرنسي، بل تعمل على توزيع احتياجاتها بين شركاء يقدم كل منهم جزءا مختلفا من السلسلة. فالولايات المتحدة تظل المصدر الأهم للرقائق والحوسبة المتقدمة والسحابة، بينما تستطيع فرنسا توفير شريك إضافي في النماذج والتخصيص والتشغيل المحلي والذكاء الاصطناعي السيادي. ومن خلال الجمع بين هذه المسارات، تقلل الرياض خطر أن تتحول مشكلة مع مورد واحد إلى مشكلة للمشروع بأكمله، وتكتسب في الوقت نفسه قدرة أكبر على الضغط للحصول على شروط أفضل ونقل معرفة أوسع.

وتكمن الأهمية الحقيقية في تقليل نقاط الاختناق داخل المنظومة. فكلما أمكن الفصل بين موردي الرقائق والنماذج والسحابة والتطبيقات، أصبح احتواء أي اضطراب أسهل. لذلك تبدو هذه الاتفاقات تجارية في ظاهرها، لكنها تؤدي في العمق إلى توزيع المخاطر وتعزيز مرونة المشروع السعودي.

يكشف اتفاق "هيوماين" و"ميسترال" عن تحول أوسع في الطريقة التي تريد السعودية أن تتموضع بها داخل صناعة الذكاء الاصطناعي

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد قطاع تجاري، بعدما أصبحت الرقائق ومراكز البيانات والنماذج المتقدمة مرتبطة بالأمن القومي والسيادة على البيانات والنفوذ السياسي. لذلك لا تقتصر الاستراتيجيا السعودية على اختيار أفضل نموذج أو أسرع شريحة، بل تشمل ضمان الوصول إلى التكنولوجيا، ومكان وجود البنية التحتية والبيانات، والقدرة على استبدال الموردين عند تغير الظروف السياسية أو التجارية.

ومن هذا المنظور، يكشف اتفاق "هيوماين" و"ميسترال" عن محاولة سعودية للانتقال من مجرد شراء التكنولوجيا إلى جذب الشركات العالمية للاستثمار والعمل داخل المملكة، مستفيدة من الطاقة ورأس المال والسوق والبنية التحتية. ولا تعني الشراكة الفرنسية الابتعاد عن الولايات المتحدة، بل إضافة مسار جديد إلى شبكة تضم "إنفيديا" و"إيه إم دي" و"أمازون" وغيرها، بما يقلل الاعتماد على طرف واحد.

الهدف ليس تحقيق استقلال تكنولوجي كامل، وإنما منع الاعتماد الخارجي من التحول إلى نقطة ضغط استراتيجية. وكلما زادت القدرة الحاسوبية المحلية وتعدد الشركاء، أصبحت السعودية أكثر قدرة على التفاوض وتوزيع المخاطر. وفي سباق يتحول فيه الذكاء الاصطناعي إلى أداة نفوذ جيوسياسي، قد تكون الميزة الأهم للمملكة هي امتلاك أكثر من طريق للوصول إلى التكنولوجيا والحفاظ على هذه الطرق مفتوحة في الوقت نفسه.

font change

مقالات ذات صلة